كان عام 2011 كارثياً لما حمله من اضطرابات اجتماعية واختلالات مالية وكارثة طبيعية خلفت دماراً غير مسبوق، فإذا لم تكن جميعها تنذر بسيناريو نهاية العالم، هل يمكنها أن تكون مقدمة للتحول بالنسبة للشرق والغرب في عام 2012؟

فمقتل بن لادن، وانسحاب القوات الأميركية من العراق لإنهاء احتلال دام تسع سنوات واحتجاج بائع متجول أشعل شرارة مظاهرات أسقطت ثلاثة حكام أمضوا مجتمعين تسعة عقود في السلطة: زين العابدين بن علي وحسني مبارك ومعمر القذافي. وقد كان هذا هو الانهيار السياسي الأكثر إثارة خلال عقود، ولا تبدو له نهاية قريبة.

ولا يزال الاضطراب الاقتصادي العالمي الأعنف منذ حدوث الكساد الكبير يسير ببطء. وقد فقدت الولايات المتحدة الأميركية تصنيفها الائتماني (ايه ايه ايه ) الذي ظلت محتفظة به طيلة ثلاثة قرون. وسقطت دول منطقة اليورو في هاوية الدين وتقف على شفا الانهيار.

ولا عجب أن الكثيرين فى هذه الدول الغنية والواثقة خرجوا إلى الشوارع للتعبير عن سخطهم. 



ومن ثم فإنه في خلال عام من الانهيارات، تعطي الاقتصادات الصاعدة الأمل، في ظل نموها الاقتصادي القوى ومواقفها السياسية المستقرة. وقد عبرت الصين العام وسط أجواء متلاطمة من موجات مالية عاتية وسجلت نموا كبيرا، كما قللت من التضخم في عام 2011، وحافظت على ثاني أكبر اقتصاد فى العالم بالهبوط به بأمان.

لكن النجاحات في الوقت الحالي لا تترجم إلى ازدهار طويل المدى.

وإن الصين، في ظل إدراكها لعدم اتزان هيكلها الاقتصادي واتساع هوة الثروة فيها، دخلت في إعادة الهيكلة الاقتصادية لتعزيز الاستهلاك المحلي وتحسين مستوى معيشة الشعب. ومع ذلك فإن التحول الشاق لن يؤتي بثماره بشكل فوري، إنه لطريق طويل أمامنا مليء بالمنحنيات والمنعطفات.

وعلى الرغم من أنه ليس هناك قلق بشأن انكماش اقتصادي في المشهد، فإن استمرار النموذج القديم يمكن أن يتسبب في فقدان سمعة الاقتصاد الجيد.

وينبغي على الصين أن تلزم الحذر تجاه شرك الدخل المتوسط الذي تناهضه بعض دول أميركا اللاتينية، وعوضا عن ذلك تدخل في مرحلة جديدة من التنمية مدعومة بالابتكارات والطبقة المتوسطة الآخذة في التزايد.

   وقد يبدو أن وصول النماذج الغربية والشرقية إلى نقطة تحول أمرا ليس من الضرورى منذرا بخطر، لكن أهمية الإصلاح لا ينبغي التقليل من شأنها. 

   إن الصعود السريع للولايات المتحدة لتصبح القوة العظمى الوحيدة في العالم عزز من إحساسها العميق بكونها الدولة الوحيدة التي على حق في العالم. وحتى عام 2008 لم تكن الصدوع قد ظهرت بعد في أكثر النظم الاجتماعية- الاقتصادية تقدما وتأثيرا في العالم.

وقد أدى الإقراض الطائش واتباع مبدأ الحرية الاقتصادية (دعه يعمل... دعه يمر) إزاء التنظيم المالي، والافراط فى الاعتماد على الاقتصاد الافتراضى، إلى استدعاء شبح الركود الاقتصادي، فيما تسبب التشاحن بين الحزبين واتباع سياسة حافة الهاوية على الصعيد السياسي إلى إعاقة صنع القرار الحكيم الذي تشتد الحاجة إليه في وقت الأزمات.

ومما يدعو كثيرا إلى التعجب، أن المظاهرات المناهضة لتفاوت الدخل، التي ظهرت في البداية في الدول النامية كتعبير معتاد عن الغضب إزاء التمييز، وقعت أيضا في أميركا، الدولة التي تدعي أنه ليس بها نظام طبقي وأن أفراد شعبها يعاملون على قدم المساواة.

   كما أن أوروبا شعرت بلذع إعاقة الانتاجية المتباطئة بفعل الرفاهية الاجتماعية العالية التى أدت إلى تراكم عجز مالي هائل خرج عن حدود السيطرة. ويكشف التشاحن بين دول الاتحاد الأوروبي الـ 27 حول خطة إنقاذ الدين عن ضعف التضامن السياسى لهذا التكتل، وهو ما يزيد الوضع تفاقما.

   إن الصين أمامها أيضا تحديات جديدة ومشكلات ذات جذور عميقة تقتضي المعالجة. وكان رئيس مجلس الدولة ون جيا باو قد قال في جولة تفقدية قام بها مؤخرا أن الصين تحتاج إلى منظمي أعمال من طراز ستيف جوبس، وعلامات تجارية شهيرة مثل أبل. وإن الصين، وهي مركز قوة في العالم، بحاجة إلى أن تتحول من صناعة الجماهير الكادحة إلى مرحلة الابتكار.

    وفي دولة مثل الصين ذات تاريخ إقطاعى امتد آلاف السنين، ينبغي أن تدفع، بشكل أكثر حسما وقوة، مبدأ سيادة القانون-- بدلا من الخضوع للبيروقراطية-- لكى تضمن فعالية اقتصادية وعدالة اجتماعية.

    وإن هذه المهام الشاقة على حتمية القيام بها، لا يمكن إنجازها في غياب بيئة سياسية مستقرة. وفي بلد يبلغ تعداد سكانه 1.3 مليار نسمة، فإن الاستقرار أمر بالغ الأهمية من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستمرة.

   إن مجرد استنساخ الديمقراطية على الطراز الغربى، دون الأخذ في الاعتبار الظروف الفريدة للصين يعرض البلاد لخطورة الانهيار الذي واجهه الاتحاد السوفيتي منذ 20 عاما. وبالمثل، فإنه باتباع منهج اقتصاد السوق الحر معدلا وفقا للخصائص الصينية، أصبحت التجربة الصينية ليس لها نظير.

   وفي الحقيقة، فإن المعيار الصادق لأي مذهب أو حكومة أو نظام اجتماعي إنما يأتي من دعم القواعد الشعبية.

   لقد أضحى العالم أكثر تكاملا واستنادا الى الاعتماد المتبادل عن ذي قبل.

   وإن نجاح دولة ما ينبغى، بل ويجب ألا يتم على حساب الدول الأخرى، كما لا يمكن إملاء أيديولوجية دولة ما على غيرها من الدول.

   ولكن للأسف لا تزال عقلية الهيمنة هي المسيطرة على الساحة الدولية اليوم. وتتعرض الصين لسلسلة من العقوبات غير المعقولة والمعاملة غير العادلة. وانه فى قضايا تتراوح من سعر الصرف الخاص بها وبيع الأسلحة إلى تايوان والقيود المفروضة على صادرات التكنولوجيا إليها وإلى حقوق الإنسان، تبدو عيوب الصين وقد ألقت بظلالها على جهودها  الإيجابية فى المنظار الملون لحفنة من السياسيين الغربيين.

   منذ أربعين عاما، بشرت المصافحة التاريخية بين الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون والقادة الصينيين لبداية رحلة جديدة من العلاقات بين أكثر دول العالم تقدما وبين الدولة الأكثر كثافة في المعمورة.

   ووجهت تلك الخطوة لكسر الجليد رسالة واضحة إلى العالم مفادها إن اختلاف الأيديولوجيات لا يعني بالضرورة وجود حاجز حديدي أمام التعامل والتفاهم المشترك.

   وإن مثل تلك النزعة البرجماتية والبصيرة السياسية هما أكثر قيمة بالنسبة للعالم اليوم، في ظل ازدياد الصراعات والشك والخيانة. كما إن مبدأ التعايش السلمي وتحقيق المنافع المتبادلة يتعين تبجيله الآن أكثر من أي وقت مضى.

   اتركوا أي سيناريوهات تتعلق بنهاية العالم في 2012 إلى خيالات هوليود. وإن الاضطرابات التي شهدها عام 2011 خلفت عددا من المشكلات الرهيبة للعالم. وسوف تساعد  عملية البحث عن الذات من جانب الغرب والشرق على السواء، على حل هذه المشكلات، وفي الطريق إلى ذلك ربما يدرك الاثنان أنهما سويا أقوى من أن يظل كل منهما بمفرده. (