خصص إمام مسجد حي «المدنية» بالعاصمة الجزائرية درسا قبل خطبة الجمعة الثانية من شهر رمضان لتراجع الإقبال على صلاة التراويح وقال بالحرف «في الثمانينات كان إقبال الشباب على المساجد أكبر بكثير مما هو الوضع الآن...» وتساءل «لماذا يفضل الناس اليوم شؤونا أخرى كالسهر مع التلفزيون ولعب القمار على العبادة والقيام في المساجد مع ما لذلك من فوائد جمة؟».

وقال «حتى الذين يدخلون المسجد يؤدون صلاة العشاء ويغادرون وبعضهم يصلي ركعتين أو أربع ركعات تراويح ويرحلون بسرعة كأن أحدا يجري وراءهم... وأغلبية الناس كما أرى لا يدخلون المسجد إطلاقا» كلام الإمام الخطيب كان ناقوس خطر سبق أن دقه كثيرون قبله بينهم إمام مسجد جسر قسنطينة اكبر مساجد العاصمة حين نهى في درس ألقاه في اليوم الرابع من رمضان عن النوم نهارا داخل المسجد ونبه إلى انه سلوك مخالف لآداب الصيام وينقص من الفوائد التي يجنيها الصائم في الشهر الفضيل، وسيدقه آخرون بالتأكيد لأن الإقبال على المساجد تراجع بشكر مثير.

سألنا في الموضوع الشيخ شمس الدين بوروبي وهو إمام وناشط خيري فقال «نعم هناك تراجع في الإقبال على المساجد بشكل عام، خاصة بالنسبة لصلاة التراويح، وبالمقابل زاد عدد قاعات اللعب ومساحات السهر في الحفلات الراقصة.

الشباب تجلبه مغريات وتلهيه عن العبادة، ويكتفي معظمهم بصيام رمضان وبالصلوات الواجبة» وأرجع الشيخ كمال قمازي القيادي السابق في جبهة الإنقاذ المحظورة وسبق له أن عمل إماما «الخطاب المسجدي اليوم غير جذاب ولا يشحن الشباب بما يجعلهم مرتبطين بالمسجد...».

وحمل السلطات المسؤولية وقال «حين يتحكم الإداريون في الإمام ويملون عليه الخطاب تكون النتيجة نفور الناس منه» وعاد إلى الخطاب السائد قبل عشرين عاما وقال بأنه مناسب للعقلية الجزائرية لأنه يلقن تعاليم الدين ليس فقط باجترار كلام قد لا يفهمه الكثيرون ولكن من خلال الارتباط بالواقع والدعوة إلى تغييره بما يناسب تحقيق الشريعة الإسلامية» وهي إشارة لنجاح الإنقاذ في كسب الجزائريين إلى المسجد قبل حظر نشاطها مطلع العام 1992.

إدمان على السهر

وتعاني العائلات من إدمان أبنائها على السهر. فقد نظرت محكمة «حسين داي» بداية الأسبوع الثاني من رمضان في قضية رجل «س. ر» في التاسعة والثلاثين ضرب أمه بلكمة قوية على الظهر لمجرد انها طلبت منه أن يقوم في الصباح لعمله، بعدما سهر الليل كله حول مائدة القمار.

وقالت أمام هيئة المحكمة إن ابنها اعتاد السهر والنوم حتى العصر لكنه في ذلك اليوم هو من طلب منها أن توقظه على التاسعة لمباشرة عمل في محل قريب، ولما فعلت صدها ثم ضربها بعد إلحاحها. فقضت المحكمة بسجنه شهرين بعد التخفيف من مطلب النائب العام بعامين وغرامة بمائتي ألف دينار.

أما رتيبة وهي عجوز في الثالثة والستين فقالت إن ثلاثة من أبنائها يسهرون خارج الدار طول الليل ويسببون لها حرجا مزدوجا، فهم يزعجون أخاهم الأكبر الذي يحتاج للنوم ساعتين أو ثلاث ساعات بعد الفجر للقيام صباحا إلى عمله من جهة ويقلقون باقي العائلة حين ينامون إلى ما بعد العصر وتبقى الدار بلا ترتيب. وقالت «يخرجون بعد الإفطار مباشرة ويبقون خارج البيت حتى دقائق قبل موعد الإمساك فيتناولون السحور وينامون حتى يقترب وقت المغرب».

ومثل عائلة رتيبة عائلات كثيرة في مختلف مدن وبلدات الجزائر أبناؤها مدمنون على ارتياد قاعات لعب الورق والدومينو التي تنبت كالفطر مع بداية كل رمضان فتجلب إليها أعدادا متزايدة من الناس من مختلف الأعمار وتبعث التنافس فيما بينهم ينسيهم عن واجباتهم الدينية والدنيوية، وحتى من يؤدون صلاة التراويح يتهافتون على أماكن في تلك المحلات للسهر واللعب، وربما كان هذا السبب الذي يدفع الكثيرين إلى الاكتفاء بصلاة العشاء وركعتين من التراويح كما أشار امام مسجد المدينة.

وهؤلاء كثر بالقياس إلى عدد مرتادي النوادي الثقافية والفنية. ويتغيب عدد كبير من العمال والموظفين عن مناصبهم ويتعطل الشغل وتدخل البلاد في شبه توقف تام عن العمل، وقد شهدت بلدية بئر مراد رايس بالعاصمة في الأيام الأخيرة شجارا كبيرا بين الموظفين وعدد كبير من الناس قدموا لاستخراج أوراق ادارية.

كانت الساعة تشير إلى العاشرة ولم يدخل عدد من الموظفين المكلفين بتقديم تلك الوثائق. ومثل هذا المشهد يتكرر كل يوم من أيام رمضان في مختلف الإدارات حيث يغيب الموظفون أو يتأخرون عن موعد العمل.

وقال الدكتور مصطفى مقيدش المسؤول في المجلس الاقتصادي ـ الاجتماعي إن ما تخسره الجزائر في شهر رمضان جراء الغيابات أكثر بكثير مما تخسره بباقي شهور السنة مجتمعة لذات السبب. ويؤثر تراكم الأوساخ والقاذورات على مشهد المدن جراء تأخر رفع القمامة من مصالح البلديات، حيث يتأخر مرور شاحنات التنظيف إلى مشارف وقت الظهر.

استسلام للرغبات المادية

ويغادر كثير من العمال مواقعهم قبل ساعة نهاية الشغل للتجول في الأسواق والبحث عن ما يؤكل أو يشرب. وقال محمد مومني استاذ الفلسفة ومختص في بحوث علم الاجتماع إن شهر رمضان في العادة يزيد فيه ميول الناس للاستسلام لرغباتهم الاستهلاكية وهو الدافع لزيادة الإنفاق على الأكل والمشروبات أكثر من ضعف الإنفاق في الشهور العادية خاصة بالنسبة للعائلات ميسورة الحال، فيما يزيد عدد المتسولين على أبواب المساجد والمقابر حتى يتصور المرء أن الجميع صار متسولا.

وأشار إلى ان الإقبال على الاستهلاك بهذه الشراهة هو استجابة للكبت الذي يعيشه الصائم خلال يومه... فلما كان الأكل ممنوعا في ساعات الصيام ينجر الناس للإقبال عليه بشراهة حين يكون ممكنا...

هي عملية رد غريزية إن صح القول بوضع معاكس للوضع الأول. ويقطع الكثيرون مسافات طويلة للحصول على أنواع من الحلويات والمشروبات والمرطبات التي تعرف بها مناطق معينة على غرار «زلابية بوفاربك» مثلا .

حيث يتنقل الناس تحت وقع الصيام من مسافة تزيد على 50 كلم لشراء كيلو غرام من الزلابية اللذيذة من محل ببلدة بوفاريك الواقعة على 40 كلم جنوب غرب العاصمة ويزيد آخرون المسافة إلى البليدة لشراء عصير الفواكه المحضر بالطريقة التقليدية لاسيما عصير الليمون. ويتنقل بعضهم إلى الأرياف لشراء الحجل البري والدجاج الجبلي والعسل الطبيعي وما إلى ذلك من الأمور التي يندر استهلاكها في الشهور الأخرى من العام.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي