سادت الحضارة الأوروبية طيلة خمسة قرون على بقية العالم. وكانت الثورة الصناعية التي انطلقت من بريطانيا وعمّت بعدها القارة إحدى الأدوات الأساسية في مساعدتها على فرض نفسها.
وكانت أوروبا قد قامت أولاً ب«فتح» قارتين هما أميركا وأوقيانوسيا اللتان قصدتهما موجات متتالية من المهاجرين الأوروبيين، ثم قامت بعد ذلك باستعمار قارتين هما إفريقيا وآسيا.ومع ذلك كانت الصين في القرن الخامس عشر قد ملكت «العدد» و«التكنولوجيا المتقدمة» والسفن سفن الأميرال تشنج هي- مما كان يؤهلها لغزو العالم. لكن أوروبا هي التي استطاعت أن تحكم سيطرتها على بقية العالم.واعتبارا من عصر النهضة الأوروبي وعصر التنوير ازدهر البحث العلمي وتطورت التقنيات وتتالت الاكتشافات وفي مقدمتها الآلة التجارية. واعتبارا من عام 1830 انتشرت شبكات النقل النهري والبحري ثم السكك الحديدية.وبتاريخ 27 أغسطس من عام 1859 تدفّق الذهب الأسود من بنسلفانيا لتبدأ مرحلة جديدة من الثورة الصناعية في حقبة البترول والطاقة الكهربائية (1880) واختراع الهاتف وتقدم مختلف الصناعات الكيميائية والتعدينية ومختلف وسائل النقل.
القوة العالمية الأولى
ويشير المؤلف إلى أن الصين، القوة العالمية الأولى في القرن الثامن عشر، والهند، كانتا قد وقعتا تحت سيطرة الاستعمار الأوروبي، وفاتهما بذلك قطار الثورة الصناعية وأصبحتا في «الصفوف الأخيرة» بين الأمم. هكذا إذاً، ومنذ خمسة قرون، هيمنت الحضارة الأوروبية على العالم وساهمت في «صياغته»، لما هو أسوأ، ولكن أيضا لما هو أفضل.
ويحدد المؤلف قيام منعطف كبير في عام 1979 عندما قام «رجل قصير القامة» اسمه «دينج شياو بينج» بوضع الآلة الصينية على طريق التطور.
ويعادل إجمالي الإنتاج الداخلي الصيني اليوم ثلث الإنتاج الأميركي على أساس معدلات التبادل في السوق، ولكنه يعادل أكثر من نصفه إذا كان المعيار هو القوة الشرائية. أما الهند فإن وزنها الاقتصادي يعادل 30 بالمئة من اقتصاد الصين.
لكن على أساس إيقاع نمو اقتصادي سنوي بحوالي 10 بالمئة سوف تلحق البلدان الصاعدة سريعا بالقوى الغربية الكبرى، أي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان.
أمم صناعية
هذا يترجمه المؤلف بالقول أن أمماً صناعية وطموحة ويزيد عدد سكانها على المليار نسمة، الصين والهند سوف تعترض «طريق» القوى الغربية، أي بتعبير آخر تصل سيطرة الحضارة الغربية على العالم وتفوق الرجل الأبيض إلى نهايتها. ذلك بعد خمسة قرون انتقلت خلالها البشرية من العصور الوسطى إلى عصر الصناعة.
بالتوازي ارتسم في الأفق «منطق المواجهة» بين الولايات المتحدة الأميركية والصين. ويسأل المؤلف في هذا السياق: هل كان الانحسار الاقتصادي الذي بدأ في صيف عام 2007 أحد الأعراض التي تعلن عن انتقال السلطة من الغرب إلى آسيا؟
ثم يشير إلى أنه منذ عام 2000 انتهت حقبة النمو الاقتصادي الغربي، إذ خرجت الولايات المتحدة من حالة التقهقر بواسطة آليات «مصطنعة» مثل تنشيط الاستهلاك بنسبة 72 بالمائة من إجمالي الإنتاج الداخلي واللجوء إلى الاستدانة (50000 مليار دولار) وتشجيع تشكل «فقاعة تجارية» وزيادة النفقات العسكرية.
والنتيجة التي يصل إليها المؤلف من هذا النهج في التحليل هي قوله: «ما هو مؤكّد هو أنه، وكما في جميع الكوارث الكبرى، ستكون هناك إعادة توزيع كبيرة للأوراق على الصعيد الكوني».
اعتقد الأوروبيون، على خلفية ازدهار العلوم والتكنولوجيات أن التاريخ يسير باتجاه واحد هو «اتجاه التقدم». لكنهم لم يستشفّوا مسبقا أن حربين كونيتين تلوحان في الأفق خلال القرن العشرين، وأن الحضارات «تزدهر ثم تنحط».
ومنذ سنوات السبعينيات كان طيف «الانحطاط» يثير قلق الاستراتيجيين الأميركيين. كان ذلك بعد الهزيمة في فييتنام (1973) وبروز ملامح الأزمة الاقتصادية من خلال التضخم والبطالة. وكان الرئيس بيل كلنتون قد رفض خلال سنوات التسعينيات أن يرى في صعود الصين تهديدا يدفع نحو تسريع الانحطاط الأميركي.
وفي عام 1996 صدر كتاب «صدام الحضارات» لمؤلفه صموئيل هنتنغتون ليكرّس أسس العقيدة الرسمية للمحافظين الأميركيين الجدد. وقد أكّد أن «الغرب المسيحي» مهدد بعد أجل من الصين ذات القيم الثقافية المختلفة والعدوّة الحضارية للغرب.
وأضاف أنه ينبغي، بأي ثمن، منع قيام تحالف بين «العالم الكونفوشيوسي ؟ نسبة إلى كونفوشيوس، حكيم الصين الأكبر- وبين «العالم الإسلامي».
الاستراتيجية الأميركية
ويعود المؤلف إلى الحديث عن الأزمة المالية الاقتصادية العالمية الكبرى لعام 1929 ويرى فيها أحد الأسباب العميقة لقيام الحرب العالمية الثانية (1939-1945).
كما يميل إلى الاعتقاد أن تلك الأزمة كانت أحد مؤشرات الانحسار الاقتصادي وليس سببه. ولا يتردد في القول أن الذي أنقذ أميركا من التقهقر الاقتصادي لم تكن السياسة الإصلاحية للرئيس روزفلت، ولكن بالأحرى الحرب العالمية الثانية.
ويشير المؤلف في هذا السياق إلى عدة مؤشرات مقلقة تتكدّس منذ عام 2001، ويرى أن الولايات المتحدة تطبّق استراتيجية «الفوضى» التي سمحت لها، باسم «الحرب ضد الإرهاب»، اللجوء إلى استخدام قوتها العسكرية للمحافظة على هيمنتها على الوضع القائم من الشرق الأوسط إلى آسيا الوسطى وحتى بحر الصين. وكانت الميزانيات العسكرية قد عرفت تعاظما كبيرا منذ بداية القرن في الولايات المتحدة كما في الصين أو الهند أو روسيا.
وكانت أميركا، من أجل استعادة حريتها الكاملة في التحرّك، قد قللت كثيرا من اعتمادها على الأمم المتحدة كي تزيده على الحلف الأطلسي لتبرير عملها على الصعيد الدولي من كوسوفو إلى أفغانستان فالعراق.
نشير هنا إلى انسحاب الولايات المتحدة عام 2002 من معاهدة منع الصواريخ المضادة للصواريخ لتعزز مباشرة نشر درع صاروخية كونية.
والمعاهدات الأخرى «سالت» أو «ستارت» الخاصة بالحد من التسلح، أصبحت بحكم الملغاة. وأجابت روسيا على ذلك بوضع مختلف معاهدات الحد من الأسلحة في أوروبا موضع التساؤل. تتم الإشارة أيضاً إلى مصادر تهديد أخرى يواجهها العالم وليس أقلّها شأناً زيادة سخونة المناخ وآثارها الوخيمة والشح الكبير المنذر للمياه وللثروات الطبيعية الأخرى، وانقراض بعض الأنواع وظهور أوبئة جديدة بين الفترة والأخرى.
هذه التهديدات الكونية تتطلّب بالضرورة، كما يؤكد، إجابات كونية هي الأخرى. لكن ما نشاهده في الواقع هو انبعاث كبير للنزعات القومية، حيث يتم التركيز على المصالح الخاصة وبروز منافسات بين القوى، هذا بدلا من التعاون الدولي الوثيق المطلوب.
وفي عام 2009 يتردد الحديث بوضوح عن عودة إجراءات وسياسات الحماية كوسيلة للحماية من المنافسة الخارجية.
وإذا كانت المنافسة الحرّة قد تصب في فائدة الجميع.
فإن ذلك لفترة محدودة فقط. ذلك أنه بعد أجل قد تؤدي بصيغتها الراهنة إلى دفع البلدان المصدّرة إلى زيادة درجة فقر البلدان المستوردة عبر تدمير نسيجها الصناعي، معا ما يترتب على هذا من بطالة وهجرات تتمثل خصوصية بعضها في عودة أعداد كبيرة من المهاجرين الحاليين إلى بلدانهم الأصلية.
السفينة والعاصفة
أين موقع أوروبا مما يجري في العالم؟
للإجابة عن هذا السؤال يذكّر المؤلف أن زعامة الغرب انتقلت بعد حربين عالميتين وعدة حروب أهلية في القارة خلال أقل من قرن واحد من أوروبا إلى الولايات المتحدة الأميركية.
هنا يبرز سؤال آخر:
لماذا لم يكن الأوروبيون قادرين على التعايش بسلام، بينما استطاع مليار هندي يتحدثون 23 لغة رسمية على ذلك؟
إن الاتحاد الأوروبي اليوم، كما يتم تقديمه، يمثّل القوة الاقتصادية الأولى في العالم (18000 مليار دولار كإجمالي الإنتاج الداخلي مقابل 14000 مليار بالنسبة للولايات المتحدة).
لكنه ليس في الواقع سوى «مملكة مفترضة» لا تمتلك دولة موحّدة ولا حكومة بينما سيادتها محدودة. أما الحدود فهي متطورة إذ تلوح في الأفق إمكانية انضمام ثماني دول جديدة تمتد من تركيا إلى منطقة البلقان.
وليس من الخطأ الكبير القول أن مسألة توسيع إطار الاتحاد الأوروبي يتم «حسمها» إلى حد كبير في واشنطن، من قبل «الحامي الأميركي» وبالتشاور مع الحلف الأطلسي، «التحالف العسكري للغرب المسيحي»، كما يسمي المؤلف.
البناء الأوروبي
ويصل المؤلف إلى قول أن أوروبا هي هشّة كثيرا ومعرّضة للمخاطر في حقبة الزوابع الراهنة. إنها مفتوحة أمام جميع رياح العولمة، وقد تكون «فريسة سهلة» للطامعين، ذلك أن الدول الأوروبية قد تخلّت عن جزء من سلطاتها لصالح كيانات تتجاوز صلاحياتها الوطنية.
إن البنك المركزي الأوروبي هو الذي يدير «العملة المشتركة» ويفرض مستلزمات الميزانية والمفوضية الأوروبية لها كلمتها في مسائل التجارة والمنافسة والحلف الأطلسي يضمن الأمن الخارجي.
أما التضامن بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي فمطلوب العمل على تحقيقه، والنموذج المفتوح «الذي يفتح ذراعيه للعولمة» أرادته كل من بريطانيا وألمانيا. والتباين بين توجهات هذه الدول كبير إلى درجة التساؤل: هل يدرك الأوروبيون فقط أنهم على سفينة واحدة في فترة الزوابع هذه؟ كما نقرأ.
وسؤال آخر يطرحه المؤلف:
في الوقت الذي تجد فيه اسبانيا وايرلندا واليونان ودول أخرى في شرق أوروبا نفسها مهددة بالإفلاس، هل مستقبل ألمانيا التضحيات التي يفرضها الوضع؟
إن البناء الأوروبي يعاني من وضع قلق ويتردد حيال الصيغة «التوحيدية» التي ينبغي الوصول إليها. وهذا ما يصفه المؤلف بتعبير آخر هو ان الاتحاد الأوروبي «لا يمتلك أية شخصية سياسية بينما تبدي الممالك المقاتلة التي يحددها المؤلف بالولايات المتحدة والصين والهند واليابان وروسيا والبرازيل، الكثير من الطموح ومن النزعات ذات الطبيعة القومية». وأمام هذا الوضع يقول المؤلف:
«في اتحاد أوروبي تسيطر عليه ألمانيا ويخضع للولايات المتحدة وتهدده قوى آسيا الجديدة حان الوقت لتبنّي سياسة واقعية.. تقوم على تحليل واضح على أساس الوضع الدولي».
المؤلف في سطور
جان فرانسوا سوسبيل، مؤلف هذا الكتاب، هو خبير بالمسائل الجيوسياسية. ويعتبره العديد من النقّاد أحد أهم الأخصائيين الفرنسيين الحاليين بميدان العلاقات الدولية.
ذلك منذ أن صدر كتابه الأول تحت عنوان: «الصين والولايات المتحدة الأميركية: الحرب المبرمجة» الذي غدا أحد المراجع في ميدانه منذ صدوره عام 2006. وقدّم المؤلف أيضا تحليلاته «الفريدة» في كتاب آخر تحت عنوان: «الممالك المحاربة» الصادر عام 2008. وهذا الكتاب حظي الآخر باهتمام كبير عند صدوره.
كانت الصين تمتلك منذ القرن الخامس عشر ناصية العلم والتكنولوجيا أكثر من غيرها، لكن أوروبا هي التي فرضت سيطرتها على العالم بعد اختراع الآلة البخارية واكتشاف البترول والكهرباء وانتشار شبكات النقل المتنوّعة.استمرت سيطرة الحضارة الغربية و«الرجل الأبيض» طيلة خمسة قرون انتقلت البشرية خلالها من العصور الوسطى إلى حقبة الصناعة.
وكان المنعطف الذي أعلن نهاية هذه السيطرة هو في الصين التي بدأت مسيرة صعودها عام 1979 ولحقت بها الهند ثم البلدان الصاعدة. وبدأت عملية إعادة توزيع أوراق كبرى على الصعيد الكوني، ومن أهم ملامحها بروز أفق «انحطاط الغرب». وتلوح في مثل هذا الأفق تباشير مواجهة بين الغرب وآسيا على خلفية مقولة «صدام الحضارات».
لكن ما يثير القلق هو مجموعة من المؤشرات التي تتكدس منذ عام 2001 في مقدمتها استراتيجية «الفوضى» من أجل المحافظة على هيمنة أميركا وعودة السباق إلى التسلح وبروز النزعات القومية من جديد. وهذا كله ينبغي على «السفينة الأوروبية الجانحة» مواجهته.