بات من النادر أن تمر بجانب مقهى في دمشق دون أن تجد عددا من الشباب يجلسون إلى طاولاته يلعبون النرد ويدخنون النرجيلة «الشيشة»، وغالبا ما يأتي الشباب إلى المقاهي، ويمضون أوقاتا طويلة في تدخينها حيث تبدو وسيلة جيدة للهروب من المنزل والمشاكل اليومية، إضافة لدورها الكبير في تمضية الوقت كما يؤكد أحمد م ع (22 عاماً). ويضيف «آتي لمقهى النوفرة منذ وقت طويل، وأستمتع فيها بتدخين النرجيلة بحرية كاملة، كما أن منظر الناس في الشارع يبدد الملل الذي أعانيه في البيت».
مدمن نرجيلة
ويمضي ريمون ط ص (25 عاماً) حوالي 6 ساعات يومياً في مقهى الروضة، يدخن النرجيلة ويلعب النرد مع بعض الأصدقاء. ويعترف أنه مدمن نرجيلة فهي رغم سيئاتها، كما يقول إلا أنها أفضل من التدخين، إذ يدخنها مرتين أو ثلاث في اليوم، في حين كان يدخن أكثر من علبة سجائر في الماضي.
ويعد السوريون من أكثر الشعوب إقبالا على التدخين في العالم، حيث تؤكد إحصائية أجرتها المؤسسة العامة للتبغ في سوريا ازدياد نسبة المدخنين إلى 15% من عدد السكان، فيما تشير الدراسات غير الرسمية إلى أن النسبة الحقيقية تبلغ أكثر من 20 بالمائة.
فيما يشير المركز السوري لأبحاث التدخين في دراسة نشرت نتائجها مؤخرا إلى تفشي عادة تدخين السجائر بنسبة 60 % لدى الرجال و23% لدى النساء، إضافة إلى ازدياد تدخين النرجيلة بنسبة 20% من الرجال و6% عند النساء، فضلا عن تعرّض 98 % من غير المدخنين لدخان السجائر. والغريب أن أغلب السوريين يعتبرون التدخين سلوكا طبيعيا، كما يعتقدون أن النرجيلة أقل ضررا من السجائر.
وتحتوي معظم المقاهي والمطاعم العامة على النرجيلة، ويحاول أصحابها جذب الزبائن بأنواع جديدة من المعسل (التنباك) ممزوجا بنكهة الفواكه. ويؤكد الدكتور طلال مصطفى أن ظاهرة النرجيلة ليست جديدة على المجتمع السوري، فقد ارتبطت منذ القدم بمناسبات اجتماعية معينة، وكان لها طقوسها الخاصة خلال النزهات.
ويضيف: «كانت النرجيلة في الماضي تلبي حاجة اجتماعية روحية، وكانت تنتشر في الاجتماعات التي تُعقد للبحث في المشاكل الاجتماعية والسياسية لفئة من الناس في ذلك الوقت». ويعتقد مصطفى أن عودة هذه الظاهرة بكثافة في السنوات الخمس الأخيرة وخاصة لدى الشباب، جاءت كرد فعل على ضغوط الحياة المعيشية التي جعلت من اللقاء خارج المقهى أمرا غير ممكن. كما أن النرجيلة تقدم حلا لمشكلة الصراع لدى الشباب بين الثقافة الجديدة (العولمة) وثقافة التراث (العادات والتقاليد) عن طرق التوفيق بين الثقافتين، وهذا ما نلاحظه جليا في المقهى».
فيما يؤكد علي ن ي(صاحب معمل نراجيل) أن انتشار النرجيلة لم يعد مقتصرا على المقاهي والمطاعم العربية، بل أخذت تتوسع عالميا وخاصة في دول أوروبا الشرقية وتركيا. ونحن نقوم بالتصدير إلى أغلب دول أوروبا الشرقية إضافة إلى تركيا وألمانيا».
ونحقق الكثير من الأرباح عبر تجارة النراجيل، حيث يتراوح سعر الواحدة بين 500 و800 ليرة (11و 18 دولارا)، وهذه الأسعار قليلة إذا قورنت بالبلدان الأوروبية التي يتجاوز فيها ثمن تدخين النرجيلة لمرة واحدة ثمن نرجيلة كاملة في سوريا.
وكان الرئيس السوري بشار الأسد أصدر العام الماضي مرسوما يقضي بمنع التدخين وبيع منتجات التبغ وتقديمها في الأماكن العامة، بالإضافة إلى منع الإعلان والدعاية عن منتجات التبغ وتعاطيه حيّز التنفيذ، ومن المتوقع أن يتم تنفيذه مطلع ابريل المقبل.
المرسوم الجديد
ويشمل المرسوم الجديد جميع منتجات التبغ بما فيها المعّسل (تبغ النرجيلة)، إضافة إلى منع الإعلان عن التبغ ومنتجاته وعن الأدوات المتعلقة باستعماله، وتحديد مسؤولية كل جهة من الجهات المعنية بمكافحة التدخين. كما يجرّم تصنيع ألعاب الأطفال على شكل منتجات تبغ، ويؤكد على ذكر مواصفات علبة التبغ، والتأكد من صيغة التحذير الصحّي المسجل على العلبة.
ويرى البعض أن صدور القانون أمر إيجابي، لكن الأهم مدى تفعيله بمعنى هل هناك جهات معينة تعمل على تطبيقه. والمسألة تحتاج لتضافر جهود المؤسسات الحكومية والأهلية، وخاصة الجمعيات المهتمة برعاية الشباب والأسرة ، فنشاطها يقتصر على إلقاء المحاضرات وعقد الندوات وبعض المقابلات الصحافية».
دمشق ـ حسن سلمان