تتميز مدينة دمشق بتنوع مدارسها القديمة التي يعود بناء أغلبها إلى العهدين الأيوبي والمملوكي، وتتميز بطابع معماري فريد، إضافة لكونها متحفا لأنواع الخطوط والكتابة التي كانت سائدة في تلك المرحلة.
ويؤكد المؤرخ عبد القادر النعيمي الدمشقي في كتابه «الدارس في تاريخ المدارس» أن دمشق كانت تحوي أكثر من 100 مدرسة في القرن العاشر الهجري أشهرها العادلية والظاهرية والجقمقية. غير أن أول مدرسة أنشئت في دمشق هي المدرسة «النورية» التي تقع في سوق الخياطين ويعود بناؤها إلى العام 1172 للميلاد، وتم تشييدها على يد السلطان نور الدين زنكي وتضم المدرسة قبر نور الدين زنكي. حيث تمتاز قبة القبر بطابعها السلجوقي، فهي مؤلفة من مقرنصات متوضعة من الخارج والداخل، وتتصل غرفة مقام نور الدين بصحن المدرسة، التي كانت تحيطها عقود الأواوين، وفي وسط الصحن بركة تتصل بفسقية مزخرفة كانت في حائط الإيوان الغربي. ويذكر بعض المؤرخين أن منطقة الصالحية في دمشق كانت مكانا خصبا لعدد كبير من المدارس التي أنشئت في العصر المملوكي والعثماني، ومن أهمها المدرسة «الماردنية» التي أنشأتها عزيزة الدين خاتون بنت الملك قطب الدين صاحب ماردين عام 1213 للميلاد. وتحولت المدرسة لاحقا إلى مسجد، وينفذ حاليا مشروع لتوسيعه من الجهة الشرقية.
ومازال بناء المدرسة يحتفظ بطابع الأيوبي، حيث بنيت الواجهات بالحجارة، وتقوم المئذنة المربعة فوق الواجهة الغربية على طرفها الشمالي، وصحن المدرسة صغير مربع الشكل تتوسطه بركة ماء مربعة، والحرم مستطيل جدرانه من الحجر المنحوت وسقفه هرمي مصنوع من الخشب،
وتضم منطقة دمشق القديمة عددا كبيرا من هذه المدارس يأتي في مقدمتها المدرسة «الظاهرية» أو تربة الملك الظاهر بيبرس التي بناها الملك السعيد أبو المعالي بن الملك الظاهر لجعلها تربة لوالده فوق دار الشريف أحمد بن الحسين العقيقي بعد أن اشتراها منه، وخصص قسماً منها لبناء ضريح لوالده، أما القسم الآخر فجعل منه مدرسة لتحفيظ القرآن وتعليم الفقه.
وتقع المدرسة في منطقة العمارة الجوانية بين بابي الفرج والفراديس، وتتميز بوجود ضريح يعلوه قبة نصف كروية وتزين جدرانها ألواح الفسيفساء، كما تزين أبوابها ونوافذها زخارف حجرية ومقرنصات، ومازال مدخل المدرسة الفخم بصيوانه العالي المقرنص والكتابات التأريخية بخط الثلث محفورة على أحجار الواجهة.
وتقابل المدرسة الظاهرية المدرية «العادلية الكبرى» التي أنشأها الملك العادل سيف الدين بن أيوب عام 1215 للميلاد وأكملها ابنه المعظم عيسى عام 1222 للميلاد، وهي مؤلفة من واجهة شرقية يؤدي بابها إلى دهليز واسع مسقوف بقبوة، ويأتي بعده باب آخر ينفتح على إيوان مطل على صحن المدرسة. وثمة باب في الجنوب يؤدي إلى مدفن الملك العادل، وباب من الشمال يؤدي بسلّم إلى الطابق العلوي.
وفي الصحن المربع إيوان كبير من الشمال، وثمة غرف كانت في جهة الغرب، وواجهة المدرسة مبنية من الحجر الكلسي النحتي، ينتهي في الأعلى بطنف، أما البوابة فهي غنية بهندستها وزخارفها، وهي حنية عالية يغطيها عقد حجري في وسطه حجر مدلّى طوله 20 .2م على طرفيه قوسان مفصصان ثلاثيان، وللباب إطار حجري بمداميك ملونة مع إطار آخر ذي قوالب زخرفية، ولقد غطيت أرض الصحن بحجارة ذات ترتيب زخرفي شطرنجي في وسطها بركة ماء مربعة.
ويضم المدفن رفاة الملك العادل تعلوها قبة محمولة على عقود جدارية، وزينت زوايا الفناء بأركان من المقرنصات بينها أربعة مجاميع من النوافذ. وتغطي المدفن قبة عالية وفي المقبرة محراب للصلاة.
وإلى الشرق من المدرستين الظاهرية والعادلية تقع المدرسة «الجقمقية» شمال الجامع الأموي وبالقرب من ضريح صلاح الدين الأيوبي، وتعد من أهم المدارس الدمشقية القديمة من حيث القيمة التعليمية التي كانت تتمتع بها، إضافة إلى طابعها المعماري المميز الذي يعود لفترة العهد المملوكي.
ويقول الباحث التاريخي أسامة مهنا «يعود تاريخ المدرسة إلى العهد المملوكي وقد بناها الأمير سيف الدين جقمق عام 1419 لتكون مركزا لتعليم الكتابة العربية وكافة العلوم الأخرى، إضافة لاحتوائها على محراب للصلاة وغرفة استخدمت كمدفن لسيف الدين وأمه».
ويشير مهنا إلى أن المدرسة الجقمقية تعتبر من أجمل مدارس العهد المملوكي، وهي نموذج لفنون ذاك العصر في العمارة والزخرفة، مشيرا إلى أن أحد المؤرخين وصفها بقوله «جاءت في غاية الحسن ليس في دمشق ولا مصر نظيرها، مخططها تصميمه مبتكر بالإضافة إلى الجمال والإتقان في البناء، وخاصة في بناء المقرنصات وفي حجارة الواجهات والأشرطة الكتابية والحليات المعمارية، والعناصر الزخرفية التي استخدمت في كسوة الجدران الداخلية».
ويضيف «تعرضت هذه المدرسة للنهب بعد وفات الأمير سيف الدين، إلا أنها بقيت مفتوحة للتدريس إلى أن دُمرت أثناء الحرب العالمية، وقد تولت مديرية الآثار والمتاحف في سوريا ترميمها، وفي عام 1974 جرى تحويل المدرسة إلى متحف للخط العربي افتتحه الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد».
فيما تشير أمينة متحف المدرسة عروبة الزعبي إلى أن المتحف يضم كتابات باللغة العربية القديمة واللغات السامية (الآرامية، والأكادية، والنبطية، والكنعانية) إضافة إلى كتابات مسمارية نقشت على الأحجار بخطوط عربية ونسخت بالخطين الرقعي والديواني.
وتضيف «يضم المتحف أيضا 11 خزانة تحوي وثائق تدل على تطور الكتابة عبر العصور، وصور لرسائل النبي (ص) وشواهد قبور كشاهدة قبر أمير العرب امرئ القيس التي كتب عليها باللغة الآرامية وبالخط النبطي، وصور للقرآن الكريم مذهبة ومزخرفة، وبعض النقود الذهبية».
وحول الطابع المعماري للمدرسة تقول الزعبي «تتألف المدرسة من قاعة مستطيلة الشكل تبلغ مساحتها حوالي 300 متر ويصل ارتفاعها إلى عشرة أمتار، أما مخططها فيتألف من مدخل مسقوف مؤلف من باب ودهليز منكسر يفضي إلى صحن المدرسة وهو مسقوف تحيط به أربعة أواوين وتربة تحتل الزاوية الشرقية الشمالية».
وتشير الزعبي إلى أن المدرسة تتميز عن غيرها من المدارس بعدم وجود قبة سماوية لها، إضافة لوجود شريط مذهب من الكتابة القرآنية النافرة يحيط بالمدرسة في الداخل والخارج.
دمشق ـ حسن سلمان