بديهي أن حزب العدالة والتنمية الحاكم حالياً في أنقرة جاء إلى سّدة الحكم بعد أن سبقته مواريث طويلة من العلاقات التي ظلت تربط بين تركيا وإسرائيل..
وهي علاقات بدأت مع نشأة الكيان الصهيوني في الأرض الفلسطينية، وتطورت بمباركة من جانب القوى الغربية خاصة خلال فترات المد العروبي القومي الذي رفض على مدار عقد الخمسينات دخول مناطق النفوذ المجّسدة في شبكة الأحلاف التي عمد الغرب إلى تصنيعها في الشرق الأوسط (حلف بغداد ؟ الحلف المركزي). وكانت تركيا طرفا محوريا في تلك التحالفات التي قصدت بها القوى الغربية إلى مقارعة «العدو» الشيوعي ؟ الروسي خلال الحرب الباردة، والى تطويق النفوذ السوفيتي تنفيذا لسياسة «الاحتواء» البارعة التي سبق إلى الدعوة إليها السفير جورج كينان ممثل أميركا في موسكو بعد الحرب العالمية الثانية، الذي مازال يعد واحداً من أهم الآباء الشرعيين للدبلوماسية الأميركية المعاصرة.
حلم المياه الدافئة
كان حلم روسيا «التاريخي» كما قد نسميه هو الوصول إلى المياه الدافئة. وقد أضفينا عليه صفة «التاريخ» لأنه بدأ منذ أيام الامبراطورية الروسية على عهد قياصرة آل رومانوف.. واستمر مع سنوات القرن العشرين ما بين اندلاع الثورة البلشفية سنة 1917 إلى عقد الخمسينات الذي كان ذروة الصراع أو السجال الشرس بين معسكري الشرق الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي والغرب الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأميركية.
ولقد كان الوصول إلى المياه الدافئة معناه وصول المد الروسي إلى البحر المتوسط والشرق الأوسط حيث تنزاح دوائر هذا النفوذ إلى سائر أنحاء العالم العربي ومنه إلى قارة افريقيا التي كانت تطمح مع سنوات الخمسينات إلى تصفية النفوذ الاستعماري الذي ظلت تعاني عذاباته على يد الامبراطوريات الإمبريالية على مدار عقود طويلة من الزمن، حيث تناوب على استغلال مواردها وقهر شعوبها كل من البرتغال واسبانيا وانجلترا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا على السواء.
وبديهي ان ولوج روسيا السوفييتية إلى المياه الدافئة كان لابد وأن يبدأ من مياه البحر الأسود.. عبورا واجتيازا لمضايق الدردنيل والبوسفور.. وكلها تتم عن طرق الرقعة والسيادة التركية..
تركيا والعرب
من هنا جاءت أهمية تركيا الاستراتيجية بالنسبة للمحالفة الأطلسية في الغرب.. الذي عمد إلى تعميق نفوذه العسكري والثقافي والاقتصادي في الحياة التركية مما ظل يباعد بينها وبين ما كان يفور به العالم العربي مع منتصف القرن الماضي من تيارات الكفاح من أجل الاستقلال ومحاولات التكامل القومي والبناء الاقتصادي وتصفية التركة الاستعمارية فضلاً عن تبنّي قضية الشعب الفلسطيني في مواجهة مشروع الاستيطان الاستعماري لإسرائيل.
مع ذلك، ومهما كانت المتغيرات التي أضفتها الحركة الكمالية منذ العقد الثالث من القرن الماضي على الشخصية والتوجهات التركية.. وهو ما ظل يباعد بين تركيا وبين ميراثها الحضاري وموقعها الشرق أوسطي وجيرتها للكيان العروبي وانتمائها العقيدي للإسلام، إلا أن الزمن كان يدّخر لتركيا متغيرات مستجدة.. بدأت تلوح طلائعها مع سنوات الربع الأخير من نفس القرن العشرين..
كان النظام السياسي في أنقرة يكرّس شعار العلمانية بمعنى الفصل بين الدين والدولة، وكان هناك من يحيل باستمرار إلى مواد الدستور التركي التي تجعل الجيش حارسا على هذا الفصل أو هذا الشعار.
لكن أتت هذه المتغيرات لتوضّح أمام النخب التركية أن لا سبيل إلى غّض النظر عن الوجه الإسلامي للشعب التركي، فالعقيدة جزء أصيل من التكوين الفكري والثقافي والسلوكي للشخصية الوطنية، وهو ما تجلّى في الطروحات ذات المرجعية الإسلامية التي شهدتها العقود الأخيرة من الزمن.. والتي أوصلت مع سنوات القرن الجديد إلى أن تسلّم حزب العدالة والتنمية مقاليد الحكم في تركيا..
ولقد بذل حكام أنقرة الجدد جهوداً حثيثة لإضفاء تغييرات جذرية واسعة النطاق على النهج الذي سبق اتباعه في مضمار السياسة الخارجية.. ورغم أنهم واصلوا ؟ كما هو معروف ؟ طرق أبواب الاتحاد الأوروبي طلبا للعضوية بوصفهم دولة لها أهميتها بالنسبة للحلف الأطلسي (الناتو) إلا أن ابرز جهودهم المشهودة بحق، وكما يصفها اثنان من أبرز المحللين الاختصاصيين في الشأن التركي والشرق أوسطي، هي تلك التي بذلتها، وما برحت تبذلها حكومة حزب العدالة والتنمية في منطقة الشرق الأوسط..
دراسة أميركية مهمة
لقد جاء ذلك في الدراسة الضافية التي نشرها كل من «مورتون ابراموفيتش» سفير أميركا الأسبق في تركيا و«هنري باركي» أستاذ العلاقات الدولية بالجامعات الأميركية (مجلة السياسة الخارجية ؟ فورين أفيرز ؟ ديسمبر 2009).. ومن سطور هذه الدراسة ما يقول: عمدت الحكومة التركية إلى اغتنام فرصة الفراغ الذي خلقته السياسات البغيضة لإدارة الرئيس جورج بوش في المنطقة. وهكذا شاركت تركيا في محادثات غير مباشرة بين سورية وإسرائيل، وتداخلت أيضا في المفاوضات التي دارت بخصوص الأزمات التي نشبت في لبنان عام 2006 وفي غزة مع أواخر عام 2008 ومطالع عام ,2009.
في نفس السياق تلاحظ الدراسة الأميركية ما يلي: رأينا مثلا الرئيس الفرنسي «نيكولاس ساركوزي» يدعو أحمد داود أوغلو (وكان أيامها مستشار الخارجية التركية ثم تولّى منصب الوزير) لكي ينضم إلى الوفد الفرنسي الذي سافر إلى دمشق لمناقشة أزمة غزة. من جانب آخر نالت أنقرة جانبا من الرصيد الإيجابي بالنسبة للاتفاق الذي ينظم سحب القوات الأميركية من العراق حيث يقال أنها تستحق جزءاً من هذا التقدير عن استضافتها محادثات دارت بين ممثلي الولايات المتحدة وممثلي الجماعات الرافضة ؟ المتمردة ؟ المنشقة في العراق..
من ناحية أخرى.. استرعت اهتمامات مراقبي الشأن والدور التركي في المنطقة تلك التصريحات التي أدلى بها رئيس وزراء تركيا أمام الهيئة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية في مطلع عام 2009 وقال فيها ما يلي: إن على إسرائيل أن تعلم إنني لست زعيم دولة عادية بل زعيم أحفاد العثمانيين.
من هنا شهدت مراحل العام الماضي، فيما تشهد مطالع العام الجديد، سلسلة التحليلات أو هي القراءات المتباينة لهذه المقولات حيث يتجلى التغاير في الفهم والتفسير والتحليل بين توّقع أدوار أكثر فعالية لتركيا على صعيد العالمين العربي والإسلامي.. وبين توقع مزيد من التغيرات إلى حد التوترات في علاقات تركيا وإسرائيل.
أنقرة.. وعي الدور
وفي كل حال يبدو أن تركيبة الحكم في تركيا بدأت تنطلق من وعي أهمية دور أنقرة في إقليمها، بعد أن اتسع تعريفها لهذا الإقليم حيث لم يعد مقتصرا على وجهته الغربية ؟ الأوروبية أو حتى المتوسطية ؟ بل اتسع نطاقه وتعمقت مفاهيمه إلى حيث باتت أنقرة تتصور أن مستقبلها هو في آسيا حيث الدائرة الإسلامية، ثم في الشرق الأوسط حيث الكيان العربي إضافة إلى إيران.
في هذا الصدد قد نشير بالذات إلى الطروحات الواردة في كتاب «العمق الاستراتيجي» الذي سبق إلى إصداره أحمد داود أوغلو وزير الخارجية الحالي الذي تشيد به الدراسة الأميركية التي أسلفنا الإحالة إليها فتقول بالنص: لم يسبق من قبل أن حظيت تركيا بوزير خارجية يتمتع بكل هذا القدر من الرؤية والحمّية والنشاط.
وحتى قبل أن يتولى منصبه في مايو الماضي كان أوغلو يدعو جاهدا إلى تبنّي رؤية فاعلة ثاقبة لتركيا ودورها في العالم، وكان أن جمع من حوله كوكبة مرموقة من كبار موظفي وزارة الخارجية، ثم انطلق إلى ممارسة سياسة طموحة تدعو إلى ما وُصف بأنه «صفر ؟ مشاكل» بمعنى لا مشاكل أو تجنب أي مشاكل مع الجيران.. وكان الهدف المحوري من هذه السياسة هو ما يلي: (والتعبير لا يزال بنّص الدراسة الأميركية): أن ندلل تركيا للعالم كيف أن بلدا مسلما يمكن أن يكون عضوا إيجابيا وبنّاءً وديمقراطيا في المجتمع الدولي..
وإذا كان من المراقبين السياسيين من يرْون أن مثل هذا الدور التركي المرتقب من حيث التركيز على «الجيران» في الشرق الأوسط، يمكن أن يخصم من رصيد أنقرة في بنك المحالفة الغربية ؟ الأطلسية بالذات.. وخاصة ما يتعلق بمطلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ؟ فنحن نرى أن تدعيم الدور التركي من حيث الفعالية واتساع دوائر الاتصال بمختلف الأطراف في العالمْين العربي والإسلامي كفيل بأن يزيد من رصيد الأهمية للدولة التركية، مضافا إليه عوائد الأداء الاقتصادي المرموق بشهادة أكثر من مؤسسة مالية دولية.
هذا فضلا عن إيجابيات العوائد السيكولوجية التي تتمثل في وصل ما انقطع خلال فترات زمنية سبقت بين الشعب وميراثه الحضاري وأبعاد شخصيته الثقافية والقيم الروحية السامية التي تتألق بها سماحة عقيدته الإسلامية، شريطة الجمع بين عناصر الممارسة والاستنارة.. وبين تكريس الميراث الروحي وفضيلة الانفتاح الواعي.. الايجابي على تيارات الثقافة في طول العالم وعرضه.
توصيات هاملتون ـ بيكر
في نفس السياق ؟ يشير المراقبون إلى التعامل الايجابي بين إدارة الرئيس الأميركي أوباما وبين النظام الحاكم حاليا في تركيا.. ويزيدون في ذلك متسائلين: ألم تكن أنقرة هي الاختيار رقم واحد للرئيس الأميركي لكي يوجه منها أول رسالة من إدارته المستجّدة إلى عالم الإسلام والمسلمين؟
وقد نزيد في هذا السياق أيضا فنشير إلى ما خلصت إليه مجموعة دراسة العراق التي تم تشكيلها في أواخر ولاية الرئيس بوش وتحت شعار مستتر وغير معلن هو «إنقاذ ما يمكن إنقاذه».. وتقصد المجموعة التي حملت اسم «لجنة هاملتون ؟ بيكر» وهي الجماعة التي أوصت، فيما أوصت، بالحوار والتواصل مع الأطراف الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط وكانت تركيا من بينها.
وعندنا أن الأمر لم يكن مجرد مقترحات لا فردية أو فئوية أو مرحلية أملتها ظروف أميركا الضاغطة في العراق: أمامنا أيضا دراسة أوسع نطاقا وأعمق شمولا.. صدرت عام 2005 بعنوان «وثيقة اسطنبول» وجاءت محّصلة جهود بحثية مطولة شارك فيها نحو 20 مفكراً وأكاديمياً وخبيراً.. ودارت حول إجابة السؤال المحوري التالي: ما السبيل إلى تعامل أفضل مستوى وأكثر فعالية مع الشرق الأوسط من جانب أطراف الغرب عبر الأطلسية (أوروبا وأميركا)؟
وفي سياق الإجابة التحليلية والمسهبة أوصت الدراسة المذكورة بإسناد دور محوري لتركيا في المنطقة مع دعم مسيرتها الديمقراطية كي تحصل على عضوية الاتحاد الأوروبي بما تقتضيه معايير كوبنهاغن، وهو ما يكفل دعم هذا الدور المحوري الذي يفضي بداهة إلى فعالية ما تقوم به أنقرة في محيطها الإقليمي الشرق ؟ أوسطي وهو ما يصب كذلك في مصلحة الغرب في التحليل الأخير.
محمد الخولي