مازال للدور التركي في منطقة الشرق الأوسط أهميته رغم ما شاب هذا الدور عند منتصف القرن العشرين من مشاكل بين أنقرة والعالم العربي، وخاصة في ضوء سياسة الأحلاف الغربية التي قصدت بها أميركا إلى احتواء المّد السوفييتي الطامح إلى الوصول ؟ عبر المضايق التركية ؟ إلى المياه والأراضي الدافئة في العالم العربي.
وعلى ضوء تحليل الواقع التركي الراهن في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية تتجلى الأجندة الطموحة التي رسمها ومازال يتبناها وزير خارجية أنقرة أحمد أوغلو، وفي مقدمة بنودها ما يعمل على تأكيد فعالية الدور التركي في التعامل مع أهم القضايا المطروحة في المنطقة وبالذات قضية العلاقة مع إسرائيل التي حظيت باهتمام إعلامي في الآونة الأخيرة، سواء بحادثة انسحاب رئيس وزراء تركيا أردوغان من جلسة منتدى «دافوس» التي كان يتكلم فيها رئيس إسرائيل بيريس، أو ملابسات الاعتذار العلني والمشهود الذي طلبته ونالته أنقرة بسبب ما اعتبرته إهانة تعّرض لها سفيرها في إسرائيل.
من هنا تتجلى أهمية إلقاء الأضواء على مستقبل هذا الدور التركي سواء بالنسبة لمكانة تركيا في المنطقة أو بالنسبة لآفاق حصولها على عضوية الاتحاد الأوروبي.
في الآونة الأخيرة، لفتت الإدارة التركية أنظار العالم بفضل أسلوبها في إدارة الأزمة التي نشأت في منتصف يناير الحالي بين أنقرة وتل أبيب، وسط ملابسات ما اعتبرته تركيا إهانة في تعامل الخارجية الإسرائيلية مع السفير التركي في إسرائيل. وكان أن طالبت حكومة أردوغان باعتذار علني واضح ومشهود من جانب إسرائيل، ولم تفلح كما أصبح معروفا، مجرد كلمات الاعتذار بل شفعت الإدارة الصهيونية هذا الاعتذار بزيارة ؟ اعتذارية بدورها - قام بها وزير خارجيتها إيهود باراك إلى العاصمة التركية.
وبقدر ما جاءت هذه الحادثة وملابساتها ليشكل حدثا محدودا ويمكن احتواؤه بسرعة في ضوء الظروف الاعتيادية التي يمكن أن تمر بها العلاقات الدبلوماسية بين دولتين، إلا أن واقعة إهانة سفير أنقرة وما تبعها، جاءت كي تكشف عن الأجواء المشحونة، أو فلنقل التوترات المكتومة تحت السطح التي أصبحت تتسم بها علاقات تركيا وإسرائيل.
وفضلا عما تحت السطح، فقد تبدّت فوق السطح في العام الماضي البادرة التي سبق إلى اتخاذها السيد أردوغان رئيس وزراء تركيا حين عمد إلى الانسحاب علنا من جلسة منتدى «دافوس» الشهيرة التي كان يتكلم فيها رئيس الكيان الصهيوني شمعون بيريز. ونحن نتصور أن هذه التصرفات المعلنة، فضلا عن تداعياتها، إنما أتت كي تعبر عن بعض المتغيرات الأساسية التي باتت تشوب العلاقات بين الطرفين.