موضوع الوجود العسكري الأميركي في اليابان، الذي فرضه استسلام الأخيرة في الحرب العالمية الثانية، ما عاد قبوله من المسلمات. رفض اليابانيين له، طلع من المجال المحلي الضيّق إلى المدى الوطني الأوسع. والأهم أنه وصل ولأول مرة، إلى المستويات الرسمية اليابانية. مع وصول الحزب الليبرالي إلى الحكم في الربيع الماضي، بعد خمسين سنة من حكم المحافظين؛ أعرب رئيس الوزراء الجديد، هاتوياما، عن رغبته في إعادة النظر بالعلاقات مع واشنطن. وبالتحديد في مسألة القواعد العسكرية الأميركية على أرض بلاده.
أول ما فعله في هذا الصدد، كان مسارعته إلى تجميد العمل باتفاقية؛ كان قد جرى التوصل إليها قبل أربع سنوات، بين واشنطن وطوكيو؛ بخصوص نقل قاعدة فوتانما الجوية الضخمة، إلى موقع آخر ـ مدينة ناغو ـ في جزيرة أوكيناوا. قرر مراجعتها ووعد بأن تتخذ حكومته قرارها النهائي، في هذا الخصوص، خلال مايو القادم. ألمح في حينه، بأنه يفضّل رحيل القاعدة عن الجزيرة كلياً؛ أو حتى إلى خارج اليابان.
قبل أيام جاءته قوة دفع إضافي. الموقع الجديد المقرر نقل القاعدة إليه، بموجب الاتفاقية؛ فاز في انتخاباته البلدية عمدة، يمانع هذا النقل. وهو يحظى بتأييد شعبي واسع في موقفه هذا. تطور، يدعم هاتوياما ويعزز توجه حكومته الرافض للقواعد الأميركية. والمعروف أنه في السنوات الأخيرة تنامت الحساسية المحلية ضد القواعد. كثرة الحوادث والتلوث وتعديات الجنود على السكان؛ أثارت حفيظة السكان. لكن النفور بقي في حدود المدينة وجوارها؛ وإن كان بدأ يتردد صداه في عموم البلاد. كما بقي خارج الدوائر الحكومية تماماً، حكومات المحافظين كانت ترحب وتحتضن موضوع القواعد.
الآن تغيرت قواعد اللعبة. انتقل الاعتراض من محيط القاعدة، إلى مطبخ القرار في طوكيو. الحكومة قامت بمفاتحة إدارة أوباما؛ بالموضوع. وزير الدفاع الأميركي، روبرت غيتس، حذّر من إسقاط الاتفاقية، التي أخذت 15 سنة من المفاوضات لإبرامها ـ والتي تقضي أيضاً بسحب ثمانية آلاف من جنود المارينز في اليابان، إلى قاعدة غوام في المحيط الهندي ـ إذا تراجعت طوكيو عن تغيير موقع القاعدة في أوكيناوا. المسألة ما زالت بين الأخذ والرد. أن تتراجع، ربما، حكومة هاتوياما وتقبل بحل وسط؛ لم يعد هو المسألة.
الواضح، أن ملف القواعد هناك، قد انفتح. أجواء الرفض عارمة وعلنية. بدأت في الجزيرة، منذ الخمسينات. البيئة اليابانية لم تعد متقبّلة للتواجد العسكري، على أرضها. خاصة. لقد مضى عليه أكثر من ستين سنة. لا يزال هناك حوالي خمسين ألف جندي أميركي، نصفهم في أوكيناوا؛ موزعون على قواعد بحرية وجوية، فضلاً عن الثكنات ومستودعات الذخائر.
خلال الستينات، خزّنت واشنطن 1200 رأس نووي في الجزيرة؛ قبل أن تقوم بسحبها عام 72. كما استخدمت تلك القواعد، لقاذفاتها الاستراتيجية. وخلال حرب فيتنام، جرى استعمالها لأغراض لوجستية. ويستخدم الأسطول السابع إحداها، في يوكوسوكا، كمقر دائم له. كذلك أقام البنتاغون، في الجزيرة؛ المركز الوحيد في المنطقة لقوات التدخل الأميركي السريع.
التمركز العسكري في اليابان، وفّر لواشنطن ميزات وفوائد عسكرية واستراتيجية جمّة. أعطاها اليد الطولى والكفة الراجحة في ميزان القوة، في الشرق الأقصى. من دون قواعدها هناك، كان يلزمها عشر حاملات طائرات ـ من أصل 13 قيد الخدمة الآن ـ، كي تحشد نفس القوة التي تنشرها حالياً، في قواعدها اليابانية.
لكن ضغوط الكلفة في زمن الأزمة المالية الراهنة، فضلاً عن تناقص دور القوة العسكرية المرابطة في اليابان، كما يقول المراقبون؛ كله قد يصبّ في تعزيز المطالبة اليابانية بتخفيف الحضور العسكري الأميركي هناك. غير أن لليابان أيضاً حسابات أخرى، في هذا الخصوص.
هناك الخطر الكوري الشمالي، فضلاً عن الصعود الصيني. الحماية الأميركية لها، بموجب اتفاقية الأمن المشترك مع واشنطن؛ قد يلجم الاندفاع الياباني، إلى حين، بشأن القواعد.
لكن المؤكد أن الطبخة وضعت على النار ولو الخفيفة. وقد ترتفع حرارتها مع التراجع الملحوظ في الدور الأميركي، تحت ضغوط عوامل متعددة. خاصة إذا ما تطور الانفتاح الصيني باتجاه الجوار، معطوفاً على التوجه الياباني الجديد، الذي دشنته حكومة هاتوياما. من أوكيناوا بدأ احتلال اليابان. ومنها على ما يبدو، يبدأ العد العكسي لتصفية تركة الحرب.
فيكتور شلهوب