في مطار فرانكفورت ذهب توماس إلى محل أدوات كهربائية لشراء محول، تحوطاً لطبيعة البلد المتوجهين إليه، سأل البائع الألماني عن المحول، فأجابه بسؤال عن وجهته فقال:كوبا. عندها دخل البائع الألماني في نوبة قهقهة ارتجت لها أرجاء المحل، وغالب حنجرته الهادرة بحشرجات مستهجنة: أنت قادم من الهند وذاهب إلى كوبا!

صحيح إننا، أنا وصديقي الأسترالي كدنا ننفجر من الضحك أيضاً، لكن نوبة تفكير اجتاحتنا: حقاً إن العولمة تزحف بقوة على كل أصقاع الأرض، حتى تلك المغلقة في وجهها. نعم العولمة تزحف حتى إلى كوبا، لمسنا ذلك في الطائرة، التي كانت مزدحمة حتى آخر مقعد بسياح أجانب غالبيتهم من ألمانيا وكندا. خطوط «لوفتهانزا» الألمانية ابتدعت فكرة إنشاء خطوط رديفة أخرى تجوب مثل هذه المناطق أطلقت عليها اسم «كوندور»، وهذه بدورها تسير رحلات مباشرة ومنتظمة إلى هذه الجزيرة التي تشتهر بين العالم بتحدي القوة الأكبر في العالم: الولايات المتحدة الاميركية. إلى جانبي في المقعد جلست امرأة سمراء غاية في الطول، تلبس احدث أزياء الموضة، فسارع الفضول إلى السؤال: هل أنت سائحة، فردت بانجليزية ركيكة: لا أنا كوبية. استغربت ذلك ولا سيما أن في ذاكرة الشرقي صورة نمطية مختلفة عن الكوبيين، أناس مقموعون فقراء معزولون عن العالم ومنجزاته بما فيها الموضة. قالت لاحقا أنها كانت في ألمانيا تزور أصدقاء، وأنها دائما ما تسافر إلى خارج البلاد.

كوبيون يغزون «العم سام»

هذه الصورة الخاصة بحرية الحركة للكوبيين، أكدها خوسيه، مرافقنا ومترجمنا في الرحلة التي امتدت لعشرة أيام على طول الجزيرة الكوبية وعرضها، قال: لا تصدقوا الدعاية الاميركية فهي من باب التشويش والتشكيك، للكوبيين حرية كاملة في التنقل داخلا وخارجا، حتى ان بعضهم يسافر إلى الولايات المتحدة الاميركية (الجارة اللدود) ويعملون هناك ويعيلون أسرهم هنا في كوبا. ولا ننسى أن شواطئ فلوريدا لا تبعد عنا هنا سوى 145 كيلومترا، بإمكان أي كان قطعها بقارب صغير.

تلك صورة مجافية لما نعرف نحن من حصار يفرضه العم سام على جاره الشيوعي الصغير منذ بداية الحرب الباردة في الخمسينات من القرن المنصرم، ولو كان ما يحدث حقيقة إذن ما الذي يمنع من تغلغل النفوذ الأميركي حتى في نمط الحياة الكوبية؟ يجيب خوسيه الذي خضع لدورات حكومية مكثفة حول كيفية التعامل مع الأجانب والترويج لفكر فيديل كاسترو: على العكس تماماً.

نحن شعب غير معقد ولا تحكمنا نمطية تفكير جامدة، سترون بأعينكم كوبيين يلبسون علم الولايات المتحدة مثلا، وهؤلاء لا يتهمون بالخيانة على الإطلاق، بل هو نمط لباس يروقهم، ما الضير في ذلك، لا تستوقفنا مثل هذه الأمور، بل دعوني أخبركم بأمر قد تستغربونه، بعض الكوبيين الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة.

عادوا بعد نحو عقدين إلى الجزيرة بأطفالهم، وتركوهم هنا وذهبوا مجددا إلى الولايات المتحدة لإعالتهم، وحين سألناهم عن السبب قالوا إنهم لا يريدون لأطفالهم أن يتربوا على العنف في بلاد العم سام، بل يريدون أن يتربوا مسالمين كالكوبيين.

حقيقة هذا الأمر لم يدهشنا على الإطلاق، فطيلة مكوثنا على هذه الجزيرة لم نر مشاجرة واحدة، بل حتى إننا لم نشاهد كوبيا يصرخ في آخر، كنا نظن إننا في حفل موسيقي عملاق، موسيقى «سالسا» الشهيرة تصدح في كل مكان والكوبيون يتمايلون بصخب أو هدوء.

القناعة سر وصفة السعادة

استبد بنا الفضول كثيراً: ما سر وصفة السعادة هذه: تجيبنا مسؤولة في وزارة الخارجية هي من أصول لبنانية، لكنها آثرت عدم ذكر اسمها لبعد السؤال عن اختصاصها، تقول: هذا شعب تعرض لأبشع وأقسى أنواع البطش عبر تاريخه، حكم من قبل حقبتين ديكتاتوريتين، بعد تحرره من الاستعمار الاسباني، ثم أتت ثورة فيديل كاسترو ورفيقه تشي غيفارا، فاستعاد الشعب كرامته، أدرك أنه سيدفع ثمناً كبيراً من مستوى الرفاه مقابل كرامته وحريته، فقبل.

ومع التطور والتقدم، كلما حصل على امتياز حياتي جديد يشعر بالسرور والامتنان، الدولة الكوبية توفر لمواطنيها كل شيء: التعليم مجاناً والعلاج مجاناً، والعمل متوفر، حتى الفلاحين والمزارعين ومربي الماشية، منحتهم الدولة أراضيٍ كبيرة ومن دون مقابل، وتحرص على مساعدتهم في تسويق منتجاتهم وحتى تصديرها ، طبعا عبر المنافذ الحكومية. إذن الوصفة فقط أنهم يشعرون بالامتنان لكل ميزة يحصلون عليها، ولا تنسوا أنهم يشاهدون الأخبار ويرون كم يعاني أخوتهم في أميركا اللاتينية وغيرها، فبالمقارنة يصبحون قانعين بما لديهم.

ولكن ألا تخشون هجوماً أو غزواً أميركياً؟

لا واثقة وكبيرة تقولها المسؤولة نفسها، «فلو كان الشعب الكوبي مضطهداً لخشينا أي خطر خارجي، لكننا نثق في أن شعبنا سيفشل أي عدوان خارجي».

كنا هناك في أكتوبر الماضي، وبعدها بشهر فقط، أعلن الرئيس الكوبي راؤول كاسترو عن أضخم مناورات عسكرية بحرية، تحت شعار التدرب على صد غزو أميركي محتمل.

وفي الشارع تحس بأن هناك تعبئة سياسية على مدار الساعة، فعلى تقاطعات الطرق لافتة ضخمة تحمل صور خمسة كوبيين، وتحت الصور عبارة بالكوبية تقول: حتما سيرجعون. سألنا من هم؟ فرد مرافقنا خوسيه:هم خمسة كوبيين بعثهم الرئيس السابق فيديل كاسترو إلى الولايات المتحدة لاختراق تجمعات المعارضة الكوبية هناك، فانكشف أمرهم واعتقلوا، لكننا على قناعة تامة بأننا سنستعيدهم مهما طال الأمر.

«تشي» الرمز .. لا كاسترو

لكن ما لفت أنظارنا هناك، انه على خلاف الدول الشيوعية الشمولية، لم نر صور فيدل أو أخيه الرئيس الحالي راؤول في الشوارع والمؤسسات الحكومية، فقط صور تشي غيفارا تملأ كل زاوية في كوبا. سألنا عن السبب، فأوضح خوسيه: لأنه رمز عالمي لا كوبي فقط، اختار أن يواصل مقارعة الأميركيين حتى تمكنوا منه وقتلوه في بوليفيا.

وفعلا في الساحة العامة الشهيرة في هافانا، تنتصب مسلة الحرية لتطل على مبنى مقابل هو نسخة عن مبنى الكونغرس الأميركي، وفي الجهة الأخرى وعلى بناية كبيرة رسم حديدي لصورة غيفارا الشهيرة، التي التقطت له في ذات المكان، نهاية الستينات، عندما كان يخطب في الجماهير رادا على محاولة زعزعة امن كوبا بتفجير سفينة على الأغلب كانت فرنسية.

في خمسة فنادق زرناها من شمال الجزيرة الكوبية الى جنوبها، صدمتنا تلك الفخامة غير المعهودة في مثل هذه الأنظمة، فالواحد فقط منها يشتمل على نحو ألف غرفة، معظمها أشبه بالأجنحة الموزعة بنظام الفلل، مع كل المرافق العصرية، الغريب في الأمر كان أن إدارات هذه الفنادق تديرها شركات اسبانية متعاقدة مع حكومة هافانا. في هذه الفنادق اصطدمنا بأعداد هائلة من السياح الأجانب ذوي البشرة الشقراء، فتساءلنا عن ذلك، قال لنا خوسيه، نعم كوبا تعج بالسياح، وتذكروا أننا لسنا في ذروة الموسم السياحي الذي يبدأ في شهر فبراير.

في المطار، ونحن مغادرون كان رجال الأمن يحاولون جاهدين التصرف بدبلوماسية وتهذيب مع القادمين والمغادرين، ومع أول درجة من درجات سلم الطائرة صعدناها عائدين إلى ألمانيا ومن ثم دبي، كنا نرى شبح العولمة في فضاء كوبا يستعد للهبوط.

إضاءة

يبلغ طول جزيرة كوبا 1125 كيلومتراً، وعرضها 145 كيلومتراً. اكتشف كوبا كريستوف كولومبس سنة 1492 ، ولم يفلح في إقناع البريطانيين في غزوها لكنه نجح في إقناع الاسبان ، الذين أقاموا فيها مستعمرة قوية عام 1511.احتفظت اسبانيا بسيطرتها على جزيرة كوبا حتى نالت استقلالها بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية وظل تاريخها مرتبطاً بعلاقتها بها، كما ظل اقتصادها معتمداً على الزراعة ذات المحصول الواحد (قصب السكر).

استمر تواجد الجنود الأميركيين في جزيرة كوبا حتى العام 1902 مع بقاء الحق للولايات المتحدة بالتدخل مما أدى إلى احتلالها لمرتين أخريين في عام 1906 والعام 1912 .

ولم تلبث أن نشأت ديكتاتوريات محلية فجاء الطاغية جيراردو ماشادو ثم في العام 1950 ظهر الطاغية فولهنسيو باتيستا والذي اضطر للهرب إلى جمهورية الدومينيك عام 1959، مع زحف الثوار بقيادة فيدل كاسترو وتشي غيفارا.