تعرّضت حصيلة السنة الأولى لرئاسة أوباما، ربما أكثر من غيرها؛ للتقييم والتصنيف بمعايير أعلى وأشدّ. وهذا طبيعي ومتوقع. فالرجل شعاراته كبيرة ووعوده كانت أكبر. وكان مطالباً على قدر الثقة العالية به. فضلاً عن خصوصياته القيادية اللامعة. ثم ان الظروف التي جاء فيها، غير اعتيادية بتحدّياتها ومخاطرها. علاوة على أنه أول رئيس أميركي، من أصل إفريقي. لكل ذلك كان تحت المجهر والأضواء الكاشفة.
المؤكّد أن عيد ميلاد رئاسته الأول، لم يكن سعيداً. الرياح جرت بما لا تشتهيه سفينته. التحديات الهائلة، نفخت في شراعها، لغير صالحه. لكن هو ساهم أيضاً في النفخ. لم يقم بما هو مطلوب ومتاح ـ لو أراد ـ للتصدّي. أو على الأقل لتقليص الخسائر.
سياساته طغى عليها التردّد وردّ الفعل؛ في معظم الأحيان. سواء في الداخل أو في الخارج. الأمر الذي ترك لخصومه، خاصة في الكونغرس، التحكم بأجندته؛ التي تراجعت بنودها أو بقيت معلّقة. لهذا بدأ الهبوط، السمة الرئيسية لعامه الأول، الذي انتهى قبل يومين. استطلاعات الرأي العديدة التي أجرتها وسائل الإعلام الأميركية، تقاطعت جميعاً عند هذا التقويم.
رصيده، نزل من حدود 70 إلى 50 و53%. القضايا المحلية كانت الميزان. في مجال السياسة الخارجية، خسر 9% من التأييد. أجواء التفاؤل التي أحاطت برئاسته؛ بدأت تخبو. أخذ يبدو وكأنه انتقل إلى خندق الدفاع. خاصة تجاه خصومه المحافظين؛ مع أن التركة الغارق فيها من صنعهم.
فتحوا النار عليه باكراً. شنوا هجوماً كاسحاً على خطه وبرامجه وحتى عليه شخصياً. خطأه أنه سكت على التمادي، فكسروا عليه. ومعهم اللوبي الإسرائيلي، الذي شارك في الحملة. بل خاض معارك مكشوفة ضده وكسبها. تهاون أو اختشى أو رضخ؛ لا فرق. بالنهاية الفارق شاسع بين خطاب ودينامية المرشح أوباما وبين الرئيس أوباما.
الأول بدا اقتحاميا واعدا وغير مساوم بخصوص التغيير. الثاني بدا، حتى الآن، متراجعا متهيّبا ورخوا. كل الأوراق اللازمة لإحداث التغيير توفرت له. لكنه لم يستخدمها. بطانته القريبة منه تحاول تبديد هذه الصورة.
تقول إن السنة الأولى كانت «سنة المغادرة والافتراق» عن ورثة بوش. لكن فرصة «اضرب حديداً حامياً لا نفع منه إن برد». فاتت. وربما تكون تبدّدت. خاصة في السياسة الخارجية. وبالذات، إزاء «عملية السلام».
التراجع في الرصيد في السنة الأولى، يمكن تعويضه إذا تغيّرت المعطيات. الرئيس ريغان، واجه نفس الهبوط في مثل هذه الفترة من رئاسته. لكنه تجاوزه بعد حوالي سنة، مع تحسّن الوضع الاقتصادي. كذلك الأمر مع الرئيس كينيدي، وقبله الرئيس فرانكلين روزفلت. الرئيس كلينتون واجه أيضاً مثل هذا الهبوط، في أوائل عهده.
والرئيس أوباما يمكنه استرجاع بريقه ورصيده. لكن إذا توفرت الشروط. على رأسها انتعاش الوضع الاقتصادي. غير أن المؤشرات لا تسعفه. ويزيد من الصعوبة أن أمامه سنة على الأكثر. في بداية الثالثة، يصبح كل شيء مرهونا لحسابات الحملة الانتخابية، التي تبدأ مع أوائل 2011.
الهامش الزمني ضيق. والقضايا الداخلية، لها الأولوية. لا فرصة لتجديد ولاية الرئيس الأميركي، في ظل انتكاس اقتصادي. علامات التأفف بدأت تظهر على الأرض. أمس الأول خسر حزبه معركة ملء المقعد الذي شغر في مجلس الشيوخ، برحيل السناتور ادوارد كينيدي.
جردة السنة، جاءت سلبية. أوباما حصد ما زرع. فقط مواصفاته الشخصية، شفعت به. وربما أيضاً المشكلات التي يواجهها بعد بوش. وهذا ما منحه أسباباً تخفيفية. لكن خلط الشخصي بالسياسي كان مبالغاً فيه.
لذلك كانت التوقعات أكبر بكثير من الإمكانيات المتوفرة لديه. وهو عزّز هذا الاعتقاد بمبادراته وانفتاحه وخطاباته وزياراته. خاصة تجاه العالمين العربي والإسلامي. وعوده بقيت حبراً على ورق. لذا كانت الخيبة كبيرة. استسلام إدارته أمام حكومة نتنياهو، مهين.
ارتباكه في ملفات عديدة، أفغانية وروسية وصينية، سياسية وتجارية واستراتيجية؛ عزّز القناعة بأن إدارته جاءت إلى الحكم بخطاب جذّاب لكن بدون برنامج متماسك. فكانت الممارسة محكومة بالتجريب، الخاضع للتغيير والتعديل، حسب الظروف. ولذلك صارت أولويات إدارته مختلفة. فوّت الفرصة في السنة الأولى. في عامه الثاني، لا تبدو الفرصة أفضل إلاّ إذا طرأت مستجدات لصالحه.