عشية انعقاد «مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ» بين 7 الجاري و18 منه في العاصمة الدنماركية، لا يزال الغموض يكتنف احتمالات التوصل الى معاهدة عالمية جديدة للحد من أخطار انبعاثات الغازات المسببة لظاهرة الإحتباس الحراري ، بسبب استمرار الخلافات وعمليات الشد والجذب بين الدول الغنية والدول التي تشهد نمواً صناعياً سريعاً، في ظل ترجيحات متزايدة بأن مؤتمر كوبنهاغن سيضع أساسات متينة للتوصل الى المعاهدة الشاملة خلال السنة المقبلة.
ومع الدعوات التي وجهها رئيس الوزراء الدنماركي لارس لويكي راسموسن الى 191 من رؤساء الدول والحكومات في كل أنحاء العالم، بات من المتوقع أن يتوافد الى كوبنهاغن أكثر من مئة زعيم ومئات الوزراء والمسؤولين وآلاف الخبراء والإختصاصيين للمشاركة في هذه التظاهرة الدولية الهادفة الى الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض بصورة لا سابق لها من خلال التوصل إلى معاهدة دولية تحل محل بروتوكول كيوتو الذي تلتزم بموجبه 37 دولة بالحد من انبعاث الغازات بنحو 5 في المئة من معدلات التسعينات في الفترة ما بين 2008 و2012.
أهداف
وهناك ثلاثة أهداف رئيسية للمؤتمر الراهن، وهي أن تحدد الدول الصناعية نسب معينة للحد من انبعاث الغازات بحلول سنة 2020، ولائحة بالإجراءات التي ستتخذها الدول النامية، والتمويل على المدى القصير والطويل لدعم جهود الدول النامية في التخفيف من انبعاث الغازات. وخلال المؤتمر، ستحاول دول العالم التوصل الى معاهدة دولية جديدة لخفض انبعاث الغازات المسؤولة عن ظاهرة الإحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة الأرض، كبديل منبروتوكول كيوتو لعام 1997 .
والذي تنتهي صلاحيته سنة 2012، علماً أن الدول الكبرى، وخصوصاً الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق جورج بوش رفضت التزام بروتوكول كيوتو، علماً أنها هي المسؤولة الأولى عن انبعاث هذه الغازات السامة لبيئة الأرض.
ووضعت هذه الأهداف فيما أطلقت دول الجزر الصغيرة في المحيط الهندي صرخة مدوية بأنها مهددة بالغرق تماماً بعد سنوات قليلة بسبب ارتفاع درجة حرارة الأرض. ولعل أبرز تعبير عن قلق هذه الدول تمثل في عقد مجلس وزراء المالديف، وهي مجموعة جزر صغيرة مؤلفة من أرخبيل مرجاني، بمبادرة من رئيس الدولة محمد نشيد، جلسة فريدة من نوعها على عمق ستة أمتار تحت سطح المياه، بعدما ارتدى الوزراء ثياب الغطس مع قارورة أوكسجين لكل منهم.
وجلسوا إلى طاولة في شكل حدوه حصان، لتذكير العالم بالآثار الكارثية للاحتباس الحراري، ولأن 80 في المئة من أراضي هذه الدولة باتت تعلو سطح البحر بأقل من متر واحد، وأن من شأن ارتفاع مستوى المياه متراً واحداً أن يزيل البلاد برمتها من الوجود. واتخذ مجلس الوزراء قراراً يدعو الى مبادرة عالمية للحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وقال نشيد عقب خروجه من تحت المياه: فيلاعلينا أن ننتزع اتفاقاً في كوبنهاغن يتيح النجاة للجميع».
ويتألف أرخبيل المالديف من 1192 جزيرة وهو يجتذب العديد من السياح بشعبه المرجانية - وشواطئه الرملية البيضاء، وهو ما يدر على البلاد مليارات الدولارات سنوياً. وترتفع أعلى نقطة فيه عن المياه 3,2 مترين فقط.
وعلى غرار هذه الصرخة، عقدت الحكومة النيبالية اجتماعاً للحكومة على قمة جبل ايفيرست، من أجل اعارة الاهتمام الى مشاكل الاحتباس الحراري العالمي. ويؤكد الوزراء على ان تغير الطقس يمكن ان يؤدي الى ذوبان الجليد وأن تغمر الفيضانات القرى الواقعة على سفح جبال الهيمالايا.
وبموازاة ذلك، حض الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون جميع الدول على التحرك بشكل سريع لمواجهة التغيرات المناخية والتعامل مع آثارها. بيد أنه دعا الولايات المتحدة خصوصاً الى الإضطلاع بدور قيادي للتوصل إلى اتفاق لمكافحة الاحتباس الحراري، محذراً من أن نتائج الفشل ستكون وخيمة.
وأكد أن تكلفة مكافحة تغير المناخ عالية، إلا أنه نبه الى أن التكاليف ستكون أعلى إذا لم يتخذ أي إجراء. وقال إن فيلاعدم اتخاذ إجراء يعني ضعف إنعاش الاقتصاد وخسارة التنافس العالمي وانعدام الاستقرار وزيادة المعاناة الإنسانية، بينما التوصل إلى اتفاق سيطلق الاستثمارات التي ستكون عاملاً حاسماً في عملية إنعاش الاقتصاد العالمي». وأضاف أنه «من خلال قراءة التقارير الإخبارية الأخيرة، قد يعتقد المرء أن مؤتمر كوبنهاغن سيفشل. ولكن على العكس، أنا أعتقد أن في استطاعتنا التوصل الى اتفاق في كوبنهاغن من شأنه أن يعد العدة للتوصل الى مهاعدة ملزمة بأسرع وقت ممكن في سنة 2010».
اتفاق إطاري
وكذلك أعرب الأمين العام التنفيذي لاتفاق الأمم المتحدة لمكافحة تغير المناخ ايفو دي بوير عن أمله في أن مؤتمر كوبنهاغن «سيكون ناجحاً للتوصل الى اتفاق إطاري حول الحد من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري وخصوصاً من الولايات المتحدة»، متوقعاً «التوصل إلى اتفاق رسمي في غضون ستة أشهر».
وقال: «لا يساورني أي شك في شأن نجاح مؤتمر كوبنهاغن»، معتبراً أن وجود الرئيس الأميركي باراك أوباما في الدانمارك «سيحدث فرقاً كبيراً». وإذ أكد أن «التزام الولايات المتحدة بالتمويل سيكون أساسياً»، دعا الى «وضع المزيد من الأهداف الطموحة من الدول النامية للتوصل إلى متوسط معقول من الحد من انبعاث الغازات التي يؤكد العلماء أنها ستساعد في التخفيف من آثار تغير المناخ وتقلباته».
وأضاف أن «على الدول الصناعية وضع 10 مليارات دولار على الأقل في كوبنهاغن لبدء الإجراءات ويجب أن تحدد كل دولة ما ستقدمه وكيفية الحصول على المبلغ لتمويل كل الحاجات من تكنولوجيا وغيرها للدول النامية ومن دون الحاجة إلى مراجعة هذه الالتزامات كل بضع سنوات».
وكما بات يدرك الجميع في كل أنحاء العالم، فإن المشهد الذي ظهر أخيراً في ظاهرة الأمواج العاتية «تسونامي» بجنوب شرق آسيا ليس إلا واحداً من الأخطار التي تهدد البشرية بسبب الإحتباس الحراري وارتفاع حرارة الأرض، وتالياً ارتفاع منسوب المياه.
وتفيد الأدلة العلمية القاطعة والتطورات المناخية الأخيرة أن تغير المناخ يحتل مكان الصدارة في جدول الأعمال السياسي لدى المجتمع الدولي. ويؤكد تقرير أعدته الأمم المتحدة أن «احترار نظامنا المناخي يعزى للنشاطات البشرية، ولا يقتصر أثر انبعاثات الغازات الدفيئة المتزايدة على ديد بيئتنا فحسب، لكنه يقوض التنمية ويؤدي الى عواقب سلبية وخيمة على الرفاه الإقتصادي والاجتماعي للبشر، ولا سيما على الفقراء».
وفيما تتصاعد التحذيرات من أن ارتفاع درجات الحرارة درجتين مئويتين سيؤدي الى اغراق دول الجزر الصغيرة في أعالي البحار والى التسبب بأضرار فادحة لا يمكن حصرها في أفريقيا والشرق الأوسط، تشكل الزراعة مصدرا للغازات الدفيئة وبالوعة لاستيعابها في آن واحد، كما تشكل مصدراً للطاقة ومستهلكا لها في الوقت ذاته. ومن ثم، فإن الزراعة تمثل سبباً من أسباب تغير المناخ وضحية له وآلية محتملة للتخفيف من آثاره. ويتوقع أن تخلف التقلبات المناخية والظواهر الجوية الشديدة الوطأة آثارا سلبية بشكل متزايد على الزراعة، ولا سيما في البلدان النامية التي تقل فيها خيارات التكيّف.
وستتعاظم الشكوك إزاء مصير السلسلة الغذائية كلها وعلى نطاق يمتد بدءاً من المحاصيل ووصولا الى ديناميات التجارة. وسيشتد إجهاد المياه والأراضي والتنوع البيولوجي وخدمات النظام الإيكولوجي الأرضي. وسيؤثر ذلك في الأمن الغذائي والقدرة على توفير الغذاء لسكان العالم الذين سيقارب عددهم تسعة مليارات نسمة بحلول سنة 2050.
وعلى رغم تحسن موقف واشنطن كثيراً من قضية تغير المناخ في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، يتوقع الأمين التنفيذي للإتفاق الإطار للأمم المتحدة لتغير المناخ ايفو دو بوير أن تكون الصين سباقة، بأشواط بعيدة عن الولايات المتحدة، في التعامل مع تغير المناخ. ويضيف أن الصين والهند أعلنتا خططاً طموحة جديدة.
ويلفت الى أن فيلاانبعاثات الغاز من البيوت الخضر تستمر في الإزدياد. وسنصل قريباً الى عتبات خطيرة. عواقب لا يمكننا استدراكها». كما يؤكد أن التغير المناخي هو «القضية الجيوبوليتيكية والإقتصادية للقرن الحادي والعشرين»، إذ أنه «يعيد كتابة المعادلة العالمية للتنمية والسلام والإزدهار»، لأنه «سيزيد الضغوط على المياه والغذاء والأرض،وسيزعزع دولاً هشة ويقلب حكومات».
مخاطر التباطؤ
ويحذر راجندرا باتشوري، الحائز جائزة نوبل للسلام ويرأس لجنة الأمم المتحدة عبر الحكومية لتغير المناخ، من مخاطر عدم التحرك. ويقول إنه «إذا لم نتحرك في الوقت المناسب، سنصير جميعاً زعماء ومواطنين لدول فاشلة».
ويؤكد مدير دائرة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية روب فوس أن «العلوم واضحة. نحتاج الى خفض حاد لانبعاثات الغازات الدفيئة من أجل حماية كوكب الأرض وتلافي الإرتفاعات الخطيرة لدرجات الحرارة عالمياً».
ويكشف تقرير تحليلي صادر عن الأمم المتحدة عن ارتفاع الضغوط على البلدان النامية لتضاف الى الضغوط الناجمة عن الاحتباس الحراري العالمي وتحديات التنمية الطويلة الأمد. ويذكر بأن الدول النامية تواجه «تحديات هائلة اكبر من تلك التي تواجهها الدول المتقدمة وفي بيئة مقيدة أكثر بكثير»، مشيراً الى أن «النمو الاقتصادي لا يزال يمثل أولوية بالنسبة لها ليس فقط للحد من الفقر وانما ايضا لاحداث تقليص تدريجي لفوارق الدخل الضخمة مع الدول الغنية».
ويلفت الى أن «فكرة تجميد المستوى الحالي لعدم المساواة في العالم على مدى نصف القرن المقبل أو أكثر غير مقبولة اقتصادياً وسياسياً وعرقياً».
ووصف التقرير ضخامة التأقلم التي يتعين على البلدان بجميع مستويات التنمية ان تحرزه وذلك من اجل احراز التقدم مشددا على انه يجب على البلدان المتقدمة ان توفر الموارد والقيادة على نطاق اوسع بكثير من قبل. ويضيف أن «المشاركة الناشطة من جميع البلدان في التصدي لتحديات تغير المناخ لن تتحقق إلا إذا كانت البلدان النامية قادرة في المحافظة على النمو الاقتصادي السريع».
ومن المتوقع أن يزيد تغير المناخ من تواتر الظواهر الجوية الشديدة وحدتها، مثل حالات الجفاف، والأعاصير، وموجات الحر، التي يمكن أن تخلف آثاراً سلبية بالغة على السلامة العامة والنظم الإنتاجية وسبل كسب الرزق، بل وعلى الاستقرار الوطني في بعض الحالات.
وعلى صعيد الاهتمام الشعبي شارك عشرات الالاف في تظاهرة نظمها ائتلاف «ستوب كليمت كيوس» (اوقفوا الفوضى المناخية) ذروة حركة التعبئة البريطانية التي امتدت من لندن الى غلاسكو في اسكتلندا وايضا الى دبلن وبلفاست،في تحرك من اجل المناخ.
واستنادا الى سكوتلنديارد، شكل نحو 20 الف شخص يرتدون اللون الازرق «مياه» الموجة ونظموا مسيرة في شوارع لندن انطلاقا من الساحة التي فيها السفارة الاميركية باتجاه برج ساعة بيغ بن ومبنى البرلمان البريطاني. وقدر المنظمون عدد الذين انضموا الى الموكب في لندن بنحو 40 الف شخص ونحو سبعة الاف في اسكتلندا.
نيويورك - علي بردى