كان في طليعة نتائج تفكك الاتحاد السوفييتي .. استبعاد روسيا عن موقعها كقوة عظمى عالمية، وظهور الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى وحيدة.
لقد تقهقرت روسيا اقتصاديا واجتماعيا خلال عقد التسعينات الماضي إلى أن بدأت مؤشرات على التغيير اعتبارا من عام 1998. وما يؤكده مؤلف الكتاب ايفجيني بريماكوف .. هو أن قادة الغرب فعلوا كل شيء من أجل عدم استعادة الدولة الروسية قوتها ونجحوا في ذلك خلال فترة حكم بوريس يلتسين. لكن إذا كانت الولايات المتحدة قد أصبحت القوة الأكبر خلال السنوات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة.. فإنها بالمقابل لا تستجيب لمستلزمات القوة العظمى، خاصة أن هذا المفهوم ارتبط بوجود معسكرين تقودهما واشنطن وموسكو وكل منهما كان لها حلفاؤها الذين ترتبط حمايتهم بها. وهناك أيضا واقع بروز أقطاب عالمية جديدة، وهي مرشحة للازدياد بحيث لا يمكن لأميركا أن لا تأخذها بالحسبان عند رسم سياستها الخارجية.
* كيف تنظر الولايات المتحدة وروسيا إلى النظام الدولي الراهن؟ ـ هذا هو السؤال الذي يفتتح به يفجيني بريماكوف كتابه. الإجابة على هذا السؤال يعتبرها أساسية من أجل فهم التباينات الجوهرية لمقاربتيهما الإيديولوجيتين للحقبة الراهنة. وبعد تمهيد تاريخي لتاريخ العلاقات الدولية خلال الحقبة السوفييتية والانتقال من نظام دولي متعدد الأقطاب حتى الحرب العالمية الثانية إلى سيادة الاستقطاب الثنائي الدولي خلال فترة الحرب الباردة وحتى انهيار جدار برلين.. يشير بريماكوف بعد ذلك إلى التقهقر الذي شهدته روسيا خلال سنوات التسعينات من القرن الماضي (العشرين). ذلك أن الذي حصل بعد تفكك الاتحاد السوفييتي كان استبعاد روسيا عن موقعها كقوة عظمى عالمية.
ويحدد المؤلف ذروة انحدار روسيا آنذاك في شهر أغسطس من عام 1998. ويؤكد أنه من موقعه كرئيس لوزراء روسيا في شهر سبتمبر من تلك السنة شاهد عمق التيار الذي كان يدفع البلاد نحو الهاوية. ذلك أن حجم الإنتاج القومي انهار فجأة مع انخفاض الإنتاج الصناعي وتوقف النظام المصرفي ؟ البنكي- عن العمل وتمّ تعليق الدفوعات المستحقة عمليا. كذلك تعاظم تهديد التضخّم وانخفضت قيمة «الروبل« مما دفع نحو ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية بحيث فقد الروس 25 بالمئة من دخلهم بالقياس إلى الفترة نفسها من العام السابق 1997.
جهل الرئيس
وكانت السلطة الروسية تحظى خلال السنوات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي بدعم الغرب الكامل. ذلك أن اللبرالية المعاصرة تقوم على دعم المنافسة الحادة واستبعاد دور الدولة. ويؤكد بريماكوف في هذا السياق أنه اكتشف شخصيا جهل الرئيس الروسي يلتسين بالكثير مما كان يجري وأن مجموعة من «المنتفعين» حوله قدّموا له الأمور على غير ما كانت عليه في الواقع.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن الدوائر الرسمية الأميركية خاصة، والغربية عامة، كانت تدعم ظاهريا الخط الاقتصادي الذي انتهجته السلطة الروسية. وكان غياب أي نقد من قبل قادة الدول الغربية للإصلاحات الاقتصادية الروسية خلال سنوات التسعينات كان مرتبطا بأسباب سياسية. فالمؤلف يؤكّد على صعوبة تصوّر أن الزعماء الغربيين كانوا قد «نسوا» حقيقة الحديث بذلك الموضوع المهم مع قادة روسيا. المهم بالنسبة لهم كان بقاء الدولة الروسية ضعيفة.
بالمقابل .. يرى بريماكوف أنه من غير الدقّة تحميل «مأساة» روسيا الاقتصادية خلال سنوات التسعينات ل«سيناريو أميركي» وحده. ذلك أن الاقتصاديين الروس لعبوا، برأيه، دورا أساسيا. فأولئك الذين اهتموا بالإصلاحات الاقتصادية لم يكونوا يعرفون آلياتها سوى من الكتب التي حررها اقتصاديون غربيون يجهلون خصوصية المشاكل الروسية ولا يستطيعون التصدي للمهمة الصعبة المتمثلة في وضع روسيا على المسار الصحيح لاقتصاد السوق.
الأمور تغيرت
لكن الأمور بدأت بالتغيّر في نهاية سنوات التسعينات. ورغم الصعوبات التي لا تزال قائمة. ويرى بريماكوف، أن النهوض الروسي يشكّل ردّا على جميع أولئك الذين اعتقدوا أن السياسة تتأسس على موازين اللحظة القائمة ولا يأخذون باعتبارهم الديناميات الممكنة.
وإذا كانت الولايات المتحدة قد أصبحت القوة الأكبر في عالم ما بعد الحرب الباردة اقتصاديا وعسكريا.. فإنها فقدت تبرير كونها قوة عظمى. ذلك أن أنصار قيام نظام دولي وحيد القطب لم يأخذوا باعتبارهم واقع أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كانا يجمعان حولهما حلفاء ترتبط حمايتهم بهما في حالة المواجهة.
ومن هنا بالتحديد كانت واشنطن وموسكو تستطيعان فرض نهج للسلوك على «معسكريهما». وبعد نهاية الحرب الباردة ونهاية المواجهة الأميركية-السوفييتية انتهت أيضا توصيفات القوة العظمى.
بالمقابل .. يرى المؤلف أن الواقع الموضوعي للعالم يدل على تشكّل عدد من المراكز العالمية. هذا ما تدل عليه عدة مؤشرات، فمثلا تجاوز الإيقاع السنوي لنمو إجمالي الاقتصادات القومية للاتحاد الأوروبي بنسبة 150 بالمائة الولايات المتحدة التي تجاوزتها الصين أيضا نسبة 600 بالمائة والهند بنسبة 400 بالمائة. هذا في عام 2007.
من جهة أخرى تغيّر موقع البلدان النامية في منظومة التدفقات المالية العالمية. ذلك أنها كانت تابعة سابقا للاستثمارات المالية للبلدان الغربية، لكنها غدت اليوم هي نفسها مستثمرة للأموال في العالم. والمثال الهندي بليغ في هذا المجال.. إذ أن مجموعة «تات موتورز» اشترت عام 2008 من مؤسسة «فورد» الشركتين الإنكليزيتين الشهيرتين: «لاند روفر» «جاكوار».
تم الإشارة هنا أيضا إلى أن الصحف البريطانية رأت في ذلك تغيّرا في الزعامات على صعيد الاقتصاد العالمي لصالح بروز مراكز جديدة.
ويشير بريماكوف إلى دراسة أعدها المعهد التكنولوجي في ولاية جورجيا جرى نشرها في شهر فبراير 2008، وجاء فيها أن الصين هي بصدد تجاوز الولايات المتحدة فيما يخص الأبحاث العلمية المحوّلة إلى منتجات ملموسة يتم طرحها في السوق العالمي.
وتؤكد الدراسة أنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تقبل بالموقع الراجح للمنافس الصيني في مجال التجديد التكنولوجي أولا ثم على صعيد الاقتصاد الشامل في المرحلة اللاحقة. تجدر الإشارة إلى مصادر أميركية أخرى من بينها شركة «جونسون سيانتيفيك» التي تعني بتحليل الاتجاهات في دائرة العلم الأكاديمي، وقد وصلت في خلاصة دراسة لها إلى أن وزن الولايات المتحدة يتضاءل قليلا في العلم العالمي بينما يزداد الاتحاد الأوروبي وبلدان منطقة آسيا-المحيط الهندي.
عالم متعدد الأقطاب
يشير بريماكوف إلى أحد أكثر السياسيين موهبة في النصف الثاني من القرن العشرين على حد تعبيره، ويقصد بذلك وزير خارجية أميركا الأسبق هنري كيسنغر الذي أكّد مقولة تفوّق الولايات المتحدة في العالم. لكن ذلك لم يعنِ أنه تجاهل وجود مراكز قوة أخرى.
ويؤكد المؤلف أنه ناقش معه مرات عدة مسائل متعلقة بمواضيع دولية مختلفة. ويرى أنه من أنصار مقولة أن أميركا متوقفة لكن عليها أن تقيم سياستها و«كأنه» هناك عدة مراكز قوى أخرى في العالم. ما يستنتجه بريماكوف من هذا القول هو أن كيسنغر كان على قناعة أنه ينبغي على واشنطن أن تأخذ باعتبارها وجود نظام عالمي متعدد الأقطاب ولا يمكنها أن تهمله عندما تقرر نهج سياستها الخارجية.
لكن بريماكوف يؤكد بالمقابل أنه في إطار تصنيف الأقطاب العالمية .. ستبقى الولايات المتحدة، كما يبدو، على مدى العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين على الأقل البلاد الأكثر قوة على الصعيدين الاقتصادي والعسكري.
هذه هي سمة النظام الدولي الحالي متعدد الأقطاب. لكن هذا لا يعني الإقرار بوجود نظام دولي أحادي القطب.
وتتم الإشارة هنا إلى أن الإحساس السائد هو أن أولئك الذين يرسمون السياسة الخارجية الأميركية لا يأخذون في اعتبارهم الفرق بين الدور الخاص للولايات المتحدة في إطار نظام دولي متعدد الأقطاب وبين نظام دولي وحيد القطب تكون فيه الولايات المتحدة هي المركز الوحيد.
وما يتم التأكيد عليه في التحليلات المقدّمة هو أن عدد الأقطاب لن يظلّ على مستواه الحالي، وسوف تبرز أقطاب جديدة مثل البرازيل وجنوب إفريقيا. ثم هناك مسارات للتكامل تنتشر في أميركا اللاتينية وآسيا وإفريقيا والشرق الأوسط تشكّل مراكز جديدة «مجتمعة» في الاقتصاد والسياسة على الصعيد العالمي.
مسارات العولمة
وتتميّز التعددية القطبية في العالم الراهن.. على قاعدة مرحلة محددة من العولمة لا تعزز التداخل بين مختلف المراكز فحسب، ولكنها تجعل من المستحيل وجودها في إطار عزلة اقتصادية وعلمية وتقنية.
ويشير بريماكوف هنا إلى أن قوة الماركسية تكمن في ربطها العضوي بين تطور المجتمعات الإنسانية وبين تطور وسائل الإنتاج. ومسارات العولمة نفسها ارتبطت بوضوح، خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين، بالتطور في ميادين الإعلام والنقل والاتصالات. ويؤكد بريماكوف القول أنه في عداد أولئك الذين يعتقدون أن العولمة قد بدأت منذ وقت طويل وأنها مرت بسلسلة من المراحل اختلف تأثير كل منها على العلاقات الدولية وبالتالي على النظام الدولي نفسه.
وتعطي العولمة في مرحلتها الحالية نوعا من الاستقرار للنظام الدولي متعدد الأقطاب. لكن هذا لا يستبعد أبدا وجود أشكال مختلفة ودرجات متباينة من تطور الرأسمالية في مختلف البلدان، لكن الحركة تتم في كل مكان على أساس السوق. لكن الرأسمالية تحاول في مستواها الاحتكاري تحطيم الحواجز الوطنية وتدويل الإنتاج. وهناك بنفس الوقت تداخل بين المراكز العالمية الموجودة أو التي هي بطور التكوين، ولكن في إطار نظام الروابط الاقتصادية القائمة، وكأن الأمر يتعلق بشركات عابرة القرارات والحدود.
اللوحة الواقعية
ويصل المؤلف إلى القول أن العلاقة بين التعددية القطبية العالمية التي هي بطور التشكّل على أرض الواقع وبين تداخل مراكز النظام الدولي التي تبرز أكثر فأكثر، سوف ترسم.. أي العلاقة.. اللوحة الواقعية للعالم الراهن. ثم إن تداخل هذه المراكز يتعاظم هو الآخر بسبب ضرورة جرّ جميع الأقطاب العالمية لمقارنة الأخطار والتحديات الجديدة التي تواجه العالم وفي مقدمتها انتشار السلاح النووي والإرهاب الدولي والنزاعات الإقليمية. وهذه الأخطار والتحديات لا يمكن لأحد تجاهلها.
ويشرح المؤلف كيف أن الأحداث التي شهدها مطلع القرن الحادي والعشرين قد أظهرت إلى أين يمكن أن تقود السياسات التي لا تأخذ باعتبارها واقع التنظيم متعدد الأقطاب للعالم الراهن. مثل تلك السياسات مثّلها خاصة المحافظون الجدد في ظل إدارة جورج دبليو بوش والذين يقدّم المؤلف نبذة سريعة عن أهم رموزهم.. وفي مقدمتهم بول وولفويتز ودوجلاس فيت ولويس ليبي واليوت ابرامس وريشارد بيرل.
هؤلاء جميعا رفعوا شعار تصدير الديمقراطية، وتمثّل برنامجهم في بناء نظام عالمي جديد يقوم على تنظيم أحادي القطب للعالم والعمل من أجل تغيير توزّع القوى في مختلف المناطق واللجوء إلى إجراءات وقائية إذا استدعى الأمر ذلك، وإمكانية قيام الولايات المتحدة بإجراءات من طرفها دون الرجوع إلى أحد. كانت نتيجة ذلك تصعيد العداء حيال العالم الإسلامي، وبروز التطرف مقابل ذلك واللجوء إلى الإرهاب الذي لا يمكن تبريره لأسباب عديدة، كما يشرح ايفجيني بريماكوف.
المؤلف في سطور
شغل يفجيني بريماكوف مؤلف هذا الكتاب، منصب رئيس وزراء روسيا ووزير خارجيتها وكان قد ترأس مجلس السوفييت الأعلى في عصر الاتحاد السوفييتي. وعمل مديرا لجهاز الاستخبارات السوفييتي.
ويعمل الآن رئيسا لغرفة تجارة وصناعة روسيا وهو أحد أعضاء مجلس رئاسة أكاديمية العلوم الروسية.
وعلى الصعيد الأكاديمي، كان ايفجيني بريماكوف مديرا لمعهد الدراسات الشرقية ولمعهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية في موسكو. وهو يتابع نشاطاته العلمية والسياسية على مختلف الأصعدة.