عندما يحلّ الخريف على اللبنانيين في كل عام . يحمل في طيّاته «رزمة» هموم . تبدأ بالأقساط وأسعار الكتب والحقائب . ولا تنتهي بفاتورة القرطاسية والأوتوكار.. وذلك . في ظلّ أوضاع معيشية تزداد صعوبة . ووسط انخفاض بات ملحوظاً للمستوى التعليمي في لبنان . وإهمال لايزال يطال المدارس الرسمية بشكل خاص . سيما منها تلك الموجودة في المناطق النائية..
ويبقى السؤال الأهمّ والأكثر إيلاماً: لماذا تراجع التعليم في لبنان حتى فقد المراتب المتقدّمة التي كان يحتلّها في الشرق الأوسط؟ ولماذا خريف لبنان يتحول دائما إلى صيف حار يزيد معاناة الآسر؟
وبلغة الأرقام فأن إنفاق الأسر يصل نحو 15 في المائة من ميزانيتها السنويّة على تعليم أولادها . وتمثّل إسهاماتها في تمويل كلفة التعليم الإجمالية نحو 7 في المائة من الناتج المحلّي القائم . أما القطاع العام فيتحمّل نحو 4 .4 في المائة فقط.. وهذا ما يجعل من إنفاق الأسر في هذا المجال الأعلى في المقارنات الدولية.
ولا تنحصر المفارقة في هذا الجانب المهم . بل تتجاوزها إلى جانب آخر أكثر سلبيّة في دلالاته ونتائجه . يتمثل بالارتفاع المضطرد لكلفة التعليم الإجمالية في لبنان في العقد الأخير.. وذلك . بالتزامن مع الإشارات المتنامية إلى تراجع نوعية التعليم إلى حدود مقلقة.
تشير الفقرة «ب» من مقدمة الدستور اللبناني . كما المادة العاشرة منه . إلى الإقرار بأولويّة التعليم.. ولبنان من الدول التي صادقت على إلزاميّة التعليم ومجانيته في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة «9 سنوات تعليميّة» . فيما لم يطبّق ذلك عملياً..
ويحظى العنوان الذي تتبنّاه وزارة التربية والتعليم العالي في استراتيجيتها العامة . «مقعد لكل تلميذ» . باهتمام أطراف العملية التعليمية . لكون «الشعار» يستند إلى حقّ دستوري وإنساني لكل طفل . ألا وهو حقّ التعلّم.. لكنّ الشيطان يكمن دائماً في التفاصيل . خاصة مسألة التسرّب خارج العمليّة التعليميّة . بجانب بعض المظاهر السلبيّة التي ترافق هذه العملية . ومنها على سبيل المثال لا الحصر: الغشّ والاتكال على الدروس الخصوصيّة.
منذ عامين . باتت سحر . ابنة السنوات الإحدى عشرة . مقتنعة بأنّ مساعدة أمها في الطبخ وأعمال التنظيف في البيت أكثر جدوى من التعلّم.. و «هيك عم بتعلّم أحلى».. لم تذهب فتاة البقاع يوماً إلى المدرسة . وهي لا تريد أن تعرف شيئاً عن هذا العالم «لأن والدي لا يحبّ أن يعلّمنا . ونحن نادراً ما نخرج من البيت».
ديانا . بدورها . تركت المدرسة في سنّ مبكرة . لكنّها تبدي حماسة لفكرة العودة إليها بعدما تركت التعليم لظروف قاهرة «أنا بحبّ روح عالمدرسة.. بس أهلي ما معهن مصاري ليسجّلوني بالمدرسة الرسمية.. الله يساعدن».. هي لا تخفي حزنها لكونها لا تجيد الكتابة جيداً . «بس أسمي وشويّة أحرف»..
ولا تختلف ظروف سامر عن ظروف ديانا . فهو التحق بالمدرسة حتى الصف الابتدائي الأول . و«رجع طلّعنا بيّي . أنا وأخواتي الثلاثة.. وهلق منشتغل معو . أنا برعى الغنمات وأختي بتحلُب البقرات وأخواتي الصبيان بيساعدوه بالزراعة».. هو لا يتذكّر الكثير عن عالم المدرسة . لكنه يؤكّد «بحبّ شوف كيف بيدرسوا وبيقروا قصص».
جينز وبرونزاج
في المقابل . سابين ونينا تلميذتان تبلغان من العمر 16 عاماً.. تجلس الفتاتان في مقهى في الحمرا . وتتحدّثان عن اليوم الأول للمدرسة: «هذه السنة سأرتدي الجينز.. وإن لم يعجب الأمر المسؤولة . فلتتصل بأهلي» . تقول سابين التي لا يعجبها زيّ المدرسة . ف«السروال مشابه لما يرتديه الرجال . ولن أرتديه مهما كان الثمن».. نينا . من جهتها . متحمّسة للعودة إلى المدرسة بأسرع وقت ممكن . وتقول: «البرونزاج ما زال ظاهراً عليّ..
وإذا تأخّرنا . فلن يلحظ التلامذة بشرتي السمراء.. هذا هو الأمر الوحيد الذي يجعلني متحمّسة للعودة إلى المدرسة.. أما الأمور الأخرى . فهي مملّة ومتعبة . خصوصاً الدروس والفروض المنزلية».
أما عمر . فقد تعوّد التدخين مؤخراً . وتبدو العودة إلى مقاعد الدراسة والبقاء لساعات طويلة دون تدخين أمراً صعباً بالنسبة إليه.. «قد أدخّن في الحمام . بس إذا لقطوني بيخربولي بيتي».. يتابع عمر اللعب بعلبة السجائر . وتلمع في رأسه فكرة «بريئة» . ويتساءل: «لماذا لا أخبر الناظر أنّي أدخّن؟ فهو أيضاً يدخن وقد يتفهّمني»!
وإذا كان ما يشغل بال أحمد هي العودة إلى مدرسته التي رسب فيها العام الفائت: «أصدقائي كلهم نجحوا.. لذلك . عليّ الآن أن أتعرّف إلى أولاد جدد أصغر مني.. أفت».. فإن رافي وجاد قرّرا حمل ثعبان أليف ليضعاه في مكتب مديرة المدرسة الرسمية في الفنار . لأن كارثة بهذا الحجم ستسبب لهما . حتماً . طرداً لفترة طويلة من مدرسة «ضاق خلقهما منها»!
رغم تشدّد القانون اللبناني فأن التسرّب المدرسي بات ظاهرة تطال معظم القرى والعائلات الفقيرة والمتوسّطة على حدّ سوا؟ . ما أحال القيود التي وضعت في هذا الشأن «حبراً على ورق» ليس إلا..
وفي هذا السياق . تشير أستاذة علم النفس رندى حمود إلى أن تطبيق مبدأ إلزامية التعليم . وبالتالي مجانيته . يلغيان 80 % من الأسباب التي تحول دون الالتحاق المدرسي لدى الأطفال في لبنان . ومن بينها تلك العائدة إلى عدم رغبة الأهل بذلك وعدم وجود مدرسة رسمية . عدا عن كلفة التعليم المرتفعة . لافتة إلى أن هناك أسباباً مادية تقف عائقاً أساسياً في تعليم الأولاد . كما يدفع الرسوب التلامذة لترك الدراسة . وذلك في ظلّ «غياب توجيه مهني يصحّح أوضاع الراسبين».
وإذ تذكر حمّود مقدار التسرّب الكبير بين المرحلتين الابتدائية والمتوسطة . فإنها لا تغفل حقيقة أن «النسبة الأكبر من الأطفال غير المسجّلين في المدارس هم إما من الأولاد الفقرا؟ . أو من الأطفال المعوقين الذين يهمّشهم المجتمع».
ليس الغشّ أمراً طارئاً على تلامذة المدارس أو على طلاب الجامعات في لبنان . وإنما الجديد هو كمّ «الابتكارات المبدِعة» في هذا المجال . فقد ولّى أو كاد يولّي زمن الغش من زميل الصف ب«المونة» . أو زمن الروشتات المكتوبة يدوياً بخطّ يرهق العيون لصغره.. اليوم . باتوا يسخّرو التكنولوجيا لخدمتهم . ويستفيدون من جميع إمكاناتها لإتمام «العملية».
هكذا . قد تجد عبارة «تأسّست دولة لبنان الكبير عام 1920» ضمن «تركيبة» زجاجة العصير . وقد يظلّ هناك حيّزا لذكر «الأسباب غير المباشرة للحرب العالمية الأولى»..
هذا إذا كنت تبحث في سلّة المهملات في مدرسة ما.. فقد أتاح برنامج ال«فوتوشوب» تبديل العبارات المكتوبة على الغلاف الملصق على زجاجات المياه أو العصير . فيما تكفّلت آلات الطباعة بإعادة طباعتها . وصبر الطلاب الذين لا صبر لهم على الدرس . أتاح لصقها مجدّداً بتأنّ . على الزجاجة».
أما ثورة الاتصالات . فقد أضافت إلى قائمة أدوات الغش عنصراً جديداً: الخلوي . برسائله القصيرة . وإمكان تدوين الملاحظات عليه.. و«نجم» إمكاناته الأحدث: «البلوتوث» الذي يوفّر تكلفة الرسائل، والذي تتلقّاه جميع أجهزة الطلاب المشغّلة.
بيروت ـ وفاء عواد