إذا تحدث المرء عن أي أمر في بلد مثل أميركا والكفاءات التي تقوده في كافة الميادين، سيجد قائمة طويلة تكاد لا تنتهي من الأسماء العربية المرموقة في المقدمة. رغم الوجود القوي للوبي الصهيوني في مجالات الحياة المختلفة بالولايات المتحدة، فالعرب يسجلون أنفسهم في أرفع المراتب السياسية والعسكرية والاقتصادية والعلمية، وحتى الرياضية والإعلامية والفنية، بعدما هاجروا من بلادهم إلى الأرض الجديدة التي فتحت أمامهم آفاق الفرص. وفي المقابل رزح العالم العربي تحت وطأة نزف خطير يتمثل في «هجرة الأدمغة» إلى الغرب، الذي ازدهر بثروات غنية ومتنوعة من لمهاجرين إليها.
المؤشرات التي نشرها «تقرير التنمية البشرية 2009» أخيراً أظهر أرقاماً مذهلة عن الهجرة، باعتبار أن لها «فوائد على المهاجرين أنفسهم وعلى المجتمعات المضيفة لهم»، مشيراً في الوقت نفسه إلى التداعيات الكبرى لموضوع «هجرة الأدمغة» من دول تحتاج للكفاءات العلمية والاقتصادية وغيرها، ومنها دول عديدة في العالم العربي.
و«هجرة الأدمغة» العربية إلى الغرب ليست حديثة العهد، بل تعود لأكثر من قرن. ويكفي أن يذكر المرء أسماء في مجالات كثيرة تجلى فيها العرب في الولايات المتحدة. ففي السياسة مثلاً، ظهر أعضاء الحكومة والكونغرس نيك رحال وراي لحود وتشارلز بستاني وداريل عيسى وجون سنونو وسبنسر ابراهام ودونا شلالا وسلوى روزفلت وتوماس ناصيف وادوارد غبريال وتيودور قطوف ومارسيل وهبة وفيليب حبيب وجورج ميتشل وجيمس أبو رزق وماري روز عوكر وجورج قاسم ومنتصر عطية وتشارلز عبدالنور، إلى الصحافية الشهيرة هيلين توماس، التي خدمت لمدة 57 سنة كمراسلة لوكالة «يونايتد برس انترناشونال» وكانت عميدة السلك الصحافي في البيت الأبيض.
وبين الناشطين الآخرين، يمكن أن يتذكر المرء اثنين من المدافعين عن حقوق المستهلكين المرشح الرئاسي عن حزب الخضر رالف نادر وكذلك رالف جونز الذي كان ناشطا في حركة الحقوق المدنية.
وكان هناك قادة كبار في الجيش الأميركي على غرار بطل الحرب الكورية في سلاح الجو الكولونيل جيمس جباره والميجور جنرال فريد صافاي الذي قاتل مع الجنرال باتون خلال الحرب العالمية الثانية والجنرال الياس ستيفنز الذي خدم مع الجنرال ايزنهاور، وغيرهم من العرب الذين شاركوا في الحروب الأميركية الكبرى وكان آخرهم مثلاً الجنرال جون أبي زيد الذي تولى رئاسة القيادة المركزية الأميركية في العراق.
وإذ لمع نجوم المحاماة جوزيف جميل وجورج شبلي وادوارد المصري وايرين بروكوفيتش، برز كثيرون في مجالات الأعمال بينهم الدكتور جوزيف جاكوبز الذي أسس مجموعة جاكوبس الهندسية العملاقة، والرئيس والمدير التنفيذي لشركة «أوكسيدنتال بتروليوم» الدكتور راي إيراني والراحل نجيب حلبي، الرئيس السابق لإدارة الطيران الفيديرالية، وجاك ناصر الذي كان الرئيس والمدير التنفيذي لشركة فورد للسيارات.
وجون ماك الذي يتولى رئاسة مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «مورغان ستانلي» الكبرى للخدمات المصرفية الاستثمارية، والدكتور ريموند جالو هو مستشار ومحاضر في الشؤون المالية في كل أنحاء العالم ويوسف نصر الذي يشغل منصب الرئيس التنفيذي لمصرف «أتش أس بي سي» في الولايات المتحدة، وعشرات العرب الأميركيين الذين أسسوا أو يتولون مناصب رفيعة في شركات ومؤسسات كبرى وبينهم مؤسس أكبر مؤسسة للاستطلاعات والإحصاءات في العالم جون زغبي.
وفي مجال التعليم الجامعي، كان الراحل إدوارد سعيد من أشهر الأساتذة على الإطلاق، وبرز جاك شاهين المتخصص في وسائل الاتصال الجماهيري، بالإضافة إلى ديفيد أدماني الذي كان صاحب أطول مدة خدمة كرئيس لجامعة وين ستيت في ديترويت ويشغل حالياً منصب رئيس جامعة تمبل. ولا يزال الجراح مايكل دبغي الذي اخترع مضخة القلب واحداً من أبرز رواد الطب في أميركا، فيما يحتل اليوم الدكتور الياس زرهوني منصباً استثنائياً في أهميته وهو مدير المعهد الوطني للصحة في الولايات المتحدة.
وهناك اثنان من الحائزين على جائزة نوبل من العرب الأميركيين وهما أحمد زويل والياس كوري. ولا ينسى المرء المخترع حسن كامل الصباح الذي أفضت أبحاثه إلى 52 براءة اختراع، لكنه توفي منذ عقود في ظروف لا تزال غامضة حتى الآن. ويعد الجيولوجي فاروق الباز أهم باحث في هذا المجال على الإطلاق.
وفي مجالات الفنون، كان للعرب حصة لا يستهان بها من الفنون الأميركية. فبرز النجوم العالميون في الغناء بول أنكا وهربرت خوري وفرانك زابا وبولا عبدول وتيفاني درويش وشاكيرا، بالإضافة إلى الكاتب المسرحي فريد سايدي ومغنية الأوبرا روزاليند الياس. ومن أشهر العرب في أميركا اليوم مؤسس سانت جود للاطفال، والممثل الكوميدي داني توماس.
وقدم العرب الأميركيون أيضاً مساهمات أخرى هامة في عالم الفن، عبر أفراد مثل سام معلوف الحائز على جائزة الإبداعات الحرفية التي ظهرت في البيت الأبيض، والدكتور حسام ألف الفضلي الحائز على جائزة النحت العالمي، وزها حديد التي باتت أعمالها المعمارية مزارات في العديد من عواصم العالم.
وفي مجال الأزياء مثلاً، يعد جوزف عبود من أشهر المصممين للملابس الرجالية وعارضة الأزياء ياميلا دياز راهي، التي تصدرت أغلفة مجلات «ماري كلير» و«ايل» و«جي كيو» وغيرها من كبرى مجلات الموضة في العالم. بالإضافة إلى فريدريك فكي الذي تتباهى ممثلات شهيرات مثل كلوديا شيفر وكيم باسنجر ورينيه زيلويغر بأنهن يرتدين تصاميمه. وتعد ريم عكرا اليوم من أهم مصممي أزياء الزفاف في العالم.
ماذا تقدم لبلدك؟
كثيرون من العرب لا يعرفون أن القول الذي أدلى به الرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي: «لا تسأل عما يمكن أن يفعله بلدك لك، بل اسأل عما يمكنك القيام به لبلدك» وأصبح متداولا كثيرا، إنما هو بين أمور أخرى للكاتب العربي الأميركي «جبران خليل جبران». كل ذلك لا يلغي حقيقة مرة يواجهها العرب الأميركيون، ولعل أفضل من عبر عن ذلك هو أحمد زويل إذ قال: «كعرب أميركيين واجهنا، أثناء كل ذلك، صعوبات كثيرة، بعضها يعزى لأشخاص سعوا إلى إسكاتنا.
وبعضها الآخر عائد لتفشي الصور النمطية والجاهزة التي شكلت عقبة أمام تقبلنا وجهودنا للتعريف بأنفسنا». وأضاف: «جاءت الهجمات الإرهابية الفظيعة في 11 سبتمبر لتشكل مأساة كبيرة ومؤلمة لجميع الأميركيين. بل كانت مأساة مزدوجة بالنسبة للأميركيين العرب، لأن بلدنا، باعتبارنا أميركيين، تعرض لهجوم، وأيضاً لأن أميركيين عرباً ماتوا في تلك الهجمات».
نيويورك ـ علي بردى