مع تردد فكرة وصول البترول قريبا إلى ذروة إنتاجه قبل الشروع بمسيرة انحداره وشحه تدريجيا، برزت أهمية «الفحم» كمصدر آخر من مصادر الطاقة. والولايات المتحدة هي أحد أكثر البلدان ثراء بمخزون احتياطي الفحم في جوف أرضها إلى جانب الصين.
ومن أشهر الولايات الأميركية بإنتاج الفحم ولاية «وايومينج»، الأقل سكانا بين جميع ولايات «الاتحاد» الأميركي. لكنها ها هي تعود من جديد كي تصبح «قلب» الطاقة في أميركا. والفحم مصدر طاقة ملوّث «بامتياز» ولكن لا يبدو أن أميركا تريد أو تنوي، الاستغناء عنه. بل وتشير التقديرات إلى أن استهلاكها منه سيزيد بنسبة 40 بالمئة من الآن حتى أفق 2030. ورغم كل الأخطار التي يمثلها على البيئة والمناخ فإن الأميركيين يعتبرونه «خيارا» صحيحا و«وطنيا». إنه حلم الوصول إلى حل لمشكلة الطاقة الملحّة. وتبرز في مثل هذا السياق فرضيات جديدة لتخفيف ضرر استخراج الفحم وحرقه كوقود مولّد للطاقة، وفي رأس هذه الفرضيات الوصول إلى «الفحم النظيف»، عبر حجز الغازات الضارة من المصدر، والوصول إلى «تحويل الفحم الحجري إلى سائل».
«وايومينج» هو اسم ولاية أميركية «متواضعة» لم يسمع بها الكثيرون. و«التحذيرات» التي يتلقاها الذاهب إليها.. فيها قدر كبير من الغرابة مثل القول: «عندما تفتحون باب السيارة من جهة السائق احرصوا على أمساكه باليدين خشية أن تقتلعه الرياح». وتحذير آخر: «في وايومينج ذات الرياح العاتية يقول مثل شعبي أن الفلاحين يضعون كمية من الحصى في جيوبهم كي يظلوا ثابتين على الأرض في الحقول». بعد هذه المقدمة التي لا تخلو من «الطرافة» يشير المؤلف إلى أن «وايومينج» لم تتغير كثيرا منذ قرن ونصف. يقطنها حوالي مليون ونصف مليون نسمة حسب آخر إحصاء للسكان، أي أنها الولاية الأقل سكانا في «اتحاد الولايات الأميركية».
ولولا وجود قبّة «كابيتول» منسوخة طبق الأصل عن «كابيتول» واشنطن فإن عاصمة الولاية مدينة «شيين» تشابه دائما صورتها التقليدية كمدينة «ويسترن» احتفظت بعقلية رعاة البقر «الكاوبوي». ولا تحتوي هذه الولاية على أي مجرى ماء نهري مهم، وحرارتها قائظة في الصيف وبرودتها قارسة في الشتاء ولا تنتج الحبوب ولا زراعات غذائية، وغياب الأغذية يعني غياب المواشي. بنتيجة هذا الواقع قام مربّو الماشية بتغيير جذري لتوجّه اهتمامهم. فإذا لم يكن هناك ما يمكن عمله على السطح فإن انتباههم ذهب باتجاه عمق التربة. و«وايومينج» هي أرض استخراج البترول «بكميات قليلة» وللغاز «كثيرا» والفحم «بكميات هائلة».
الفحم... والمستقبل
تشكل «وايومينج» قلب الطاقة النابض والمجهول للولايات المتحدة الأميركية التي تمتصّ بالتأكيد ربع النفط العالمي، ولكنها لا توفر إضاءة جميع مساكن البلاد دائما بواسطة هذا المصدر من الطاقة.
إن الأميركيين مدينون بنصف كمية الكهرباء التي يستهلكونها للفحم، العدو الأول للمناخ بامتياز. لكن دون هذا الفحم.. فربما أن القوة العظمى الأولى اليوم ما كان لها أن تكون سوى قوة فقيرة. واليوم، كما كان الأمر منذ قرن من الزمن، فإن الكميات الهائلة المستخدمة في البلاد الأكثر امتصاصا للطاقة.. مصدرها عمليات حرق الفحم في مراكز توليد الكهرباء الحرارية.
ويوجد في أميركا اليوم 640 مركز توليد كهرباء حراري على عموم التراب الأميركي بالإضافة إلى 140 منشأة أضافية يُفترض أن تبدأ العمل خلال السنوات القريبة القادمة، إذا أعطيت رخص البناء.. حيث هناك تساؤلات مطروحة مفادها أن الفحم قد لا يكون خيارا عقلانيا إلى درجة كبيرة.
ويشير المؤلف إلى أن شركة تكساس للكهرباء، وهي أحد أقوى الشركات وأكثرها تلويثا في الولايات المتحدة كانت تدافع حتى صيف عام 2007 عن خطة للاستثمار الكبير من أجل بناء 10 مفاعلات لتوليد الكهرباء، لكنها مفاعلات « غير نظيفة».. إذ ان الشركة لم ترتقب حتى تجهيزها بأكثر مرشحات التصفية حداثة.
لا غنى عن هذا العدو
بكل الحالات لن تستطيع أميركا أبدا الاستغناء عن الفحم. ثم انها ليست لديها أية نية في أن تفعل ذلك. وهذا يعود لعدة أسباب يتم تحديد أهمها في أن:
ـ حصة سوق الفحم في إنتاج الطاقة الأولية في الولايات المتحدة الأميركية سوف تزداد من نسبة 50 بالمئة حاليا إلى 57 بالمئة في أفق عام 2030. وهناك شركة واحدة هي «آرش كول» مقرها في «سان لويس» بولاية ميسوري تؤمّن وحدها تزويد البلاد كلها من الفحم بنسبة 12 بالمئة. وهي تستثمر 12 موقعا للمناجم في «وايومينج» وغيرها. وقد باعت في عام 2007 وحده 135 مليون طن من الفحم، وسوف تبيع كميات أكبر خلال السنوات المقبلة.
ـ احتياطي الفحم الأميركي هائل ويقدر ب ـ 3 مليارات طن. وإذا جرت معادلة هذه الكمية بالبترول، فإنها تمثل أكثر من جميع براميل النفط الخام التي لا تزال موجودة بجوف الأرض.
ـ بحالة استمرار الاستهلاك على نفس الوتيرة الحالية، يبقى للولايات المتحدة ما يكفيها من الفحم لفترة 230 سنة قادمة على الأقل.
ـ من الآن وحتى أفق عام 2030، سوف تستخدم الولايات المتحدة في مختلف مجالات استهلاك الطاقة 40 بالمئة من الفحم زيادة على ما تستهلكه في الوقت الراهن من أجل إنتاج الكهرباء.
ـ كلفة استخراج الفحم لا تبلغ سوى ثلث كلفة استخراج البترول والغاز. ثم إن الفحم ذو فائدة كبيرة بالنسبة للاقتصاد عامة، إذ ان صناعته تؤمن فرص العمل لنصف مليون شخص في أميركا ويؤمن مبلغ 72 مليار دولار في إجمالي الإنتاج الداخلي للبلاد.
10 كيلوغرامات لكل أميركي
وبعد تقديم مجمل هذه الأسباب للتأكيد على أهمية الفحم بالنسبة للاقتصاد الأميركي ولدوره في تأمين حاضر، ومستقبل الطاقة في الولايات المتحدة، يشير المؤلف نقلا عن مصادر أميركية مختصة قولها انه «في عام 2007، استهلك كل أميركي 10 كيلوغرامات من الفحم يوميا من أجل إضاءة منزله وتشغيل أدواته الكهربائية والمتنوعة.
كذلك ومن أجل تشغيل المدارس والشركات والمدن بما فيها من تجهيزات كهربائية زاد الطلب على الفحم بنسبة 30 بالمئة منذ خمس سنوات. وهل سنبقى مكتوفي الأيدي في الوقت الذي يغذي فيه الصينيون والهنود اقتصادهم بالكهرباء؟ لسان حال الأميركيين يقول: «إن الفحم طاقة وطنية، أميركية.
وهي طاقة تسمح لنا بالتخلص من التبعية للبترول الأجنبي. وفي إطار عالم سيعاني قريبا من أزمة طاقة، ينبغي أن يكون المرء مجنونا بالاستغناء عن الفحم. إنه الخيار الصحيح، وطاقة الذكاء».
عامل المنجم، مهنة المستقبل؟
رغم التأكيد على فوائد الفحم، تتم الإشارة أيضا إلى أنه «كابوس» أيضا. فباحتراقه يصدر كميات كبيرة من الجزئيات آثار الرصاص والزئبق والكبريت. ثم إن الفحم محمّل بغاز ثاني أكسيد الكربون ـ غاز الفحم، الذي يعتبر اليوم بمثابة العدو الكوني الأول. إنه مسؤول كأكبر مصدر للغازات المؤذية للجوء وللغلاف الجوي، وذلك بقدر أكبر بكثير من الآثار السلبية في هذا المجال للبترول وللغاز.
هكذا تذهب الحكمة في اتجاه إدانته على المدى القريب. لكن الحكمة والربح قلّ ما يكونان على جبهة واحدة. ولهذا ها هو يعود بقوة لسببين رئيسيين:
الأول هو القفزات غير المرئية لأسعار البترول.
والثاني هو الهلع الكوني الذي استأثر بالعالم كله. وإذا كان طيف شحّ البترول يحوم فوق العالم، فمرحبا بالفحم. ومع الفحم أيضا تتبدد الهموم الجيوسياسية والبحث عن تحالفات تفرضها الحاجة إلى الطاقة. ومع الفحم تزول الحاجة إلى خطوط نقله «البيبلاين» المعقدة وينتهي دور حاملات النفط العملاقة التي تتقاطع في مضيق هرمز. باختصار يمكن للفحم أن يشكّل حلم الحل من أجل أمن الطاقة.
فرضيات حول الفحم
يتمثل الرهان التكنولوجي الأول في عالم الطاقة بالوصول إلى طرح «فحم نظيف» بعد فترة ليست بعيدة. فهل يتعلق الأمر بحجة واهية أم بتقدم تكنولوجي حقيقي؟
يتساءل المؤلف ويجيب:
الاثنان معا. ويشير إلى أن مجموعة من المشاريع الرائدة في هذا المضمار تجري في أوروبا، خاصة في فرنسا من قبل شركة «توتال»، وفي الولايات المتحدة لمحاولة حجز غاز الفحم منذ الشروع بعملية حرق الفحم.
وتبقى المشكلة.. هي كيفية التخلّص من الغاز «المحتجز» الذي جرى جمعه. فكرة «الحجز» جذابة نظريا لكنها في غاية التعقيد على مستوى التطبيق العملي.
والتكنولوجيات المطلوبة لن تكون جاهزة قبل عقدين على الأقل. وهذا أجل بعيد نظرا للإيقاع الحالي في تدهور المناخ. كذلك لن تنطلق بعملية محاولة الوصول إلى «فحم نظيف» أية شركة صناعية خاصة دون دعم كبير من السلطات العامة نظرا لكلفتها الباهظة جدا.
ثم إن عملية «حجز» غاز الفحم من المصدر لها مخاطرها الكبيرة، فعملية احتجازه بكميات كبيرة في جيوب جوفية، حسب أكثر الأفكار شيوعا، يمكن أن تؤدي إلى هزات أرضية وربما إلى كوارث. هذا ناهيك عن فرضية صعود الغاز إلى سطح الأرض لسبب عارض مفاجئ غير محسوب.
وهناك السابقة التي عرفتها الكاميرون عام 1986 عندما صعدت كميات كبيرة من غاز الفحم، الذي كان مكدسا منذ ملايين السنوات تحت بحيرة «نيوس» إلى السطح وشكّلت غيمة سامة قتلت 1700 شخص اختناقا.
سائل نظيف
وهناك فكرة أخرى تتكرر مصدرها مجموعات الضغط «اللوبي» المسيطرة على صناعة الفحم. ومفادها أنها تملك حلا لمواجهة منظور شح الذهب الأسود. وملخصها أن الشركات الكبرى العاملة في قطاع الفحم هي بصدد اختراع تكنولوجيات تؤمن الفحم الحجري إلى سائل. وكانت عملية تحويل الفحم الحجري إلى سائل بفضل تقنية حملت اسم فيشر ـ ترويش، أي العالمين الكيميائيين الألمانيين اللذين اخترعاها في سنوات 1920.
ورغم كل شيء، يبقى الفحم هو بصدد العودة بقوة أي مسرح الطاقة العالمي، وتدل جميع المؤشرات أن الأميركيين سيمضون في استخراجه بكميات كبيرة في أفق العقود القادمة... الأمر نفسه بالنسبة للصين.
المؤلف في سطور
ـ سيرج اندرلان مؤلف هذا الكتاب، هو صحافي فرنسي مرموق.
ـ أنجز العديد من التحقيقات الصحافية التي أعطته مكانة متميّزة في مجال عمله.
ـ أولى اهتمامه بالدرجة الأولى منذ البداية للمسائل المتعلقة بالطاقة وإستراتيجياتها على الصعيد العالمي.
ـ جاب العديد من مناطق العالم من الشرق الأوسط إلى أميركا اللاتينية لإجراء تحقيقات عن واقع الطاقة.
ـ وجدت أعماله اهتماما لدى العديد من وسائل الإعلام الأوروبية المكتوبة والمرئية.
ـ سبق له وقدّم كتابا تحت عنوان «عالم من النفط، على طريق الذهب الأسود».
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: سويل ـ باريس ـ 2009