ظل العراق تحت السيطرة العثمانية زهاء أربعة قرون، وكانت الحركات العشائرية من أهم المشاكل التي واجهت حكم العثمانيين الذين حاولوا بشتى الطرق والوسائل السيطرة عليها، وجمع الأموال عن طريق فرض الضرائب، لذلك اعتمدت الحكومة العثمانية في تعاملها مع العشائر العراقية سياسة كان من شأنها تفكيك النظام العشائري للحد من نفوذ شيوخها.
فقد كانت السلطات العثمانية تلجأ دوما إلى استخدام القوة والقسوة عن طريق استخدام الحملات العسكرية لمعاقبة العشائر الثائرة ضدها والممتنعة عن دفع الضرائب، ونشر مبدأ الانقسامات بين العشائر وشيوخها.أما بالنسبة لسياستهم تجاه العشائر الكردية، فقد بسط العثمانيون نفوذهم على المناطق الكردية في العراق، وعوملت عشائرها بنفس الأساليب التي اتبعها العثمانيون مع العشائر العربية، فقد اتبعوا سياسة «فرق تسد» لضرب العشائر بعضها بالبعض الآخر، وهذا الأمر جعل العشائر الكردية في حالة تمرد دائمة ضد السلطة العثمانية، كما ظلت ممتنعة عن دفع الضرائب، وإعفاء المجندين. وبعد الاحتلال البريطاني للعراق 19141917 كانت سياسة البريطانيين مغايرة لسياسة العثمانيين، إذ حاولت بريطانيا أن تتقرب إلى شيوخ العشائر والقبائل، وذلك لعدم ثقتهم بسكان المدن ورغبتهم في إيجاد التوازن البريطاني بين القبيلة والمدينة، ومن ثم استخدمهم السير برسيكوكس في العام 1917 لفض المنازعات بأن أسس نظام فض المنازعات لشيوخ القبائل، وأعد لهم شرطة وجهازا عدليا، فأصبح لأول مرة الشيخ قوة وسلطة مسلحة خارجة عن القبيلة، لإخضاع القبيلة نفسها.
أغدقت بريطانيا الأموال على شيوخ العشائر لشراء الذمم، ومنحتهم قطع الأراضي، والامتيازات، وأصبحوا ملاكا وإقطاعيين كبارا، للعمل على إخضاع العشائر للقوات البريطانية الغازية، ومن ثم العمل لخدمتها، ومن يعارض من شيوخ العشائر هذا الاتجاه، تعمل بريطانيا على تجريدهم من أية امتيازات والتضييق عليهم، وتصفيتهم.
عملت بريطانيا على تفهم المكون العراقي والسيطرة عليه دون تقديم أية ضحايا، وتمكنت من رسم صورة للواقع العشائري والقبلي، من خلال تمكن باحثيها من معرفة أبسط المعلومات عن هذا المكون، وفي خلال فترة وجيزة تم جمعها في ملف مودع في مكتبة الوثائق البريطانية تحت رقم (0525) وباسم (شوم ُّْيِمَّ ُن ةْفّ)، فضلا عن ذلك فإنها قامت بدراسة الواقع الاقتصادي لكل قبيلة، ومدى النمو السنوي لكل منها ومدى تأثيرها على القبائل الأخرى.
وفي ضوء هذه الدراسة حاولت بريطانيا حكم العراق من خلال دعم العشائر في مناطق محددة في شمال ووسط وجنوب العراق، وبصورة انتقائية بحيث تتطابق مع مصالحها الذاتية.
تألف المجتمع العراقي عبر التاريخ من مجموعات عشائرية قبلية كبيرة مثلت الجزء الأكبر من البنية الاجتماعية، فهي حقيقة قائمة بذاتها لا يمكن لأي فرد أن يتجاهلها أو يهملها، وذلك لأهمية الدور التاريخي الذي تقوم به. والعشيرة كلمة تطلق على مجموعة من الأفراد الذين يرجعون في نسبهم إلى أصل واحد تقريبا، وتتألف من أفخاذ وفروع عدة، ولكل عشيرة شيخها. أما مفهوم القبيلة فيختلف عن مفهوم العشيرة، وذلك لأنها تتألف من عدد من العشائر، يتصل بعضها بالبعض الآخر.
نزحت إلى العراق عشائر عديدة ولا سيما من الجزيرة العربية، واتخذت من وديانه وسهوله وباديته مرتعا لها، واستقرت على ضفاف أنهاره، لكنها بقيت متمسكة بنظامها القبلي وعاداتها العشائرية، لتحافظ على كيانها كوحدة قائمة تربطها روابط اجتماعية عميقة الجذور.
من أشهر العشائر العراقية التي تميزت بتلك العادات والتقاليد عشائر الدليم، شمّر، ربيعة، المنتفك، الخزعل، الجبور، السعدون، الطائية، القيسية وغيرها من القبائل.
من الناحية الاجتماعية قسم سكان العراق إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي: العشائر البدوية، والمتوطنة (شبه المستقرة)، وسكان المدن. وتمتلك العشيرة عادة رقعة واسعة من الأرض تدعى «الديرة»، تضم أراضى مزروعة وغير مزروعة.
بدأت عملية التحول من المجتمع البدوي إلى المجتمع الريفي ومن ثم الحضري، في القرن التاسع عشر، ولم تمنع عملية التحول هذه من التمسك بالعصبيات البدوية القوية.
انفرد المجتمع العشائري في العراق بنوع خاص من التنظيم الاجتماعي والإداري والقضائي، وتمتع باستقلال خاص وذاتي في إدارة شؤونه، ويقوم هذا المجتمع على نوع من العلاقات والروابط الاجتماعية التي استمدت قوتها من الأصول العرقية لأبناء العشيرة التي ينتمون إليها، ولم تقف هذه الروابط عند عصبية القرابة، بل تجاوزتها إلى أنواع أخرى، مثل عصبية التحالف العشائري بين عشيرتين أو أكثر، وعصبية الجوار والتقاليد.
التزامات متعددة
لمعظم العشائر العراقية العربية تقاليد وأعراف سميت ب«السواني»، وهى بمثابة قوانين تحكم أفراد العشيرة، وأهم ما يميز المجتمع العشائري عن المدني هو مجموعة الواجبات التي تترتب على كل فرد من أفراد العشيرة، والتي هي عبارة عن التزامات تتعلق بالزواج، والثأر، والغزو، والفصل، والنخوة، وغيرها من الالتزامات العشائرية.
لقد سعت معظم العشائر العراقية إلى تحصين مركزها ونفوذها بتوحيدها في مجموعات أو اتحادات عشائرية منتشرة في كل أنحاء العراق، مثل اتحاد المنتفك الذي يشمل قسما من الجزء الجنوبي للبلاد، أي من القرنة إلى السماوة، وعلى امتداد نهر الفرات، وقد حاولت الدولة العثمانية أن تجابه عشائر هذا الاتحاد لتفككه فلم تفلح، نتيجة قوة هذا الاتحاد، واتحاد الخزاعل الذي يشمل المنطقة الممتدة من السماوة إلى المسيَّب، واتحاد زبيد الذي يضم عشيرة البو سلطان وعشيرة المعامرة وكان موطنهم بين دجلة والفرات.
أما الكرد الذين يقطنون شمال العراق فلهم عشائر مثل العشائر العربية تسمى عندهم ب«المجتمع الصغير»، وهي متكونة من جملة الأسر المتماثلة ينتسب بعضها إلى أصل واحد أو من أسرة واحدة، ولم تشر التحقيقات الواردة عن الكرد إلى أن العشيرة تنسب إلى جد واحد، بل في الغالب إلى محل أو قرية، وكأنما هي الجد والأصل، مما يدل على الارتباط الوثيق بين الكرد وموطنهم.
فمن يقطن منطقة ما يعد نفسه منها، مثل عشائر بلباس، وطالباني، ودزه يي، والأفخاذ كلها تكون بأسماء القرى، أو أسماء رؤساء اشتهروا فعرفت بهم، مثل عشيرة حسني، أو عمرائلي، أي بأسماء الأشخاص أو الموطن أو التلال والأنهار التي بجانبها.
ولا يشترط في العشيرة الكردية أن تنتمي كلها إلى جد واحد، وقد تتصل بحيث تبدو كلها وكأنها متصلة بجد واحد، فهي تتألف من أسر مجموعة في مواطن، والأفراد لا يعرفون سوى قراهم ورؤسائهم، وعلى رأس كل عشيرة رئيس يسمى «الأغا» الذي يتم انتخابه في أول الأمر، ثم يصبح فيما بعد وراثيا، إذ تنتقل الرئاسة من بعده إلى أبنائه، إن دام حكمه لها، ويبقى أمره نافذا عليهم.
وبمرور الوقت تبين للقوى الوطنية في البلاد، أن البريطانيين لم يوفوا بوعودهم التي قطعوها، خاصة بقيام دولة مستقلة، بل زادوا غطرسة وانتقاما من العراقيين بتسخيرهم لخدمتها باتباع «نظام السخرة»، واستغلال ثروات العراق لصالحها، واعتقال من يعارضها وزجه في السجون. وهذا الأمر أدى إلى تفجير ثورة العشرين في 30 يونيو 1920 في العراق.
وبعد مجيء حكومة البعث في العام 1968 برئاسة احمد حسن البكر، مارس البعث بعض الضغوط للحد من نفوذ شيوخ القبائل وحتى بداية الثمانينات، إذ تغيرت الموازين إثر قيام الحرب العراقية ـ الإيرانية 1980، فقد تم تقريب شيوخ القبائل من السلطة الحاكمة، وذلك للحصول على دعمهم القبلي أثناء الحرب، واستمرت هذه العلاقات قوية متينة في مرحلة ما بعد حرب الخليج الثانية 1991، حيث جاء دعم مئات القبائل العراقية للرئيس السابق صدام حسين، إثر الفوضى الداخلية التي مر بها العراق في شماله وجنوبه.
فقد منحت القبائل العراقية سلطات واسعة على المستوى المحلي، وأصبحت جزءا من مؤسسات الدولة، فأخذت تتولى الأمن والقضاء، وفرض الضرائب التي أصبحت من اختصاصها، فلم تعد القبائل تمارس سلطتها في القرى والأرياف فحسب، وإنما تعدتها إلى المدن، وخاصة العاصمة بغداد.
تعاظم الدور
أقرت الحكومة العراقية في ذلك الوقت بان القبائل ساعدت العسكريين على استعادة الوضع الأمني الذي اندلع في الجنوب العراقي ذي الغالبية الشيعية.
وعلى اثر استرداد الوضع الداخلي واستقراره، عمل الرئيس السابق على إجراء مصالحة وطنية بين رؤساء القبائل في العام 1992 في أحد قصوره، ودعاهم للمصالحة.
أما بالنسبة لأكراد العراق فقد انشقت غالبية العشائر الكردية عن الحكومة المركزية في بغداد بعد حرب الخليج الثانية، وقاموا بانتفاضتهم ضد النظام الحاكم في العراق.
وهذا الأمر أدى إلى حدوث هلع كبير بين صفوف الأقلية الكردية، فتدفق ما يقارب نصف مليون كردي عراقي إلى مناطق قريبة من الحدود التركية المحاذية لها، مما أدى إلى تدخل الولايات المتحدة الأميركية في شمال العراق، وجعل تلك المنطقة ملاذا آمنا لهؤلاء النازحين.
وبعد انسحاب القوات العراقية المسلحة إلى جنوب العراق في أكتوبر 1991، تم تأسيس الحكم الذاتي الكردي من ثلاث محافظات عراقية (أربيل، دهوك، السليمانية) من أصل (18) محافظة عراقية، أغلبية سكان هذه المنطقة من الأكراد.
وتم تشكيل أول حكومة إقليمية كردية منفصلة عن حكومة بغداد، سيطر عليها أبرز حزبين كرديين عراقيين هما الحزب الديمقراطي الكردستاني، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني في العام 1992، وظل الأكراد منفصلين عن حكومة بغداد، لغاية سقوط النظام السابق عام 2003، حيث تصرف الأكراد بعدها وكأنهم أصحاب دولة مستقلة.
أما العشائر العراقية في وسط وجنوب العراق فقد ظلت موالية للحكومة العراقية، قبيل الغزو الأميركي ـ البريطاني عام 2003، إذ سلح الرئيس السابق صدام حسين حوالي المليون من أبناء العشائر لمواجهة الأعداء.
وفي هذه الحرب عولت القيادة العراقية على شيوخ العشائر في ضبط الأمن الداخلي في القرى والمحافظات البعيدة عن مركز العاصمة، وتحشيد أبنائها للحفاظ على تربة العراق وسيادته الوطنية.
وأثبتت تلك العشائر دورا رياديا في تلك الحرب في الحفاظ على الوضع الداخلي لمحافظاتها، والذود عن تربة الوطن، ومقاومة الغزو خلال الحرب وبعدها.
فبعد سقوط بغداد في 9 ابريل 2003، سقط العراق بأكمله، نتيجة لتعرضه للاحتلال الأنجلو ـ أميركي المباشر، والذي أدى إلى حل الجيش العراقي، وحل مؤسسات الدولة ووزاراتها، وإقصاء عدد كبير من البعثيين، وإلحاق الضرر بالكثير من المواطنين العراقيين، وقطع أرزاقهم وجعلهم عاطلين عن العمل. كل تلك الأمور أدت إلى تأجيج روح المقاومة العراقية، وانطلاقها من مدينة الفلوجة ـ غرب العراق ـ في النصف الثاني من أبريل/ نيسان في العام نفسه، بانتهاج أسلوب المقاومة المسلحة، لتحرير العراق من قوات الاحتلال وكل من يتعاون معه.
مقاومة الاحتلال
برز دور عشائر الأنبار بشكل جلي في مساندة المقاومة، وتشجيع أبنائها في التصدي للاحتلال، كما كان لها دور كبير في صياغة الموقف السياسي للمقاومة، نظرا لأن عددا كبيرا من قادة هيئة علماء المسلمين، التي شكلت بعد أسبوع واحد من الاحتلال، ينتمون إلى هذه المحافظة.
فقد ساندت هذه الهيئة المقاومة، وضمت عددا كبيرا من شيوخ العشائر، ورجال الدين، كان من أبرزهم الشيخ الدكتور أحمد الكبيسي مؤسس الهيئة، والشيخ الدكتور حارث الضاري أمينا عاما لها.
إن أغلب المجموعات المقاومة هي من القبائل السنية العربية المنتشرة في محافظة الأنبار، الموصل، وديالى، وصلاح الدين.
تألفت المقاومة العراقية من 55 فرقة ومجموعة مسلحة أهمها: الجيش الإسلامي، كتائب ثورة العشرين، جيش محمد، جيش أنصار السلام الذي تحول فيما بعد إلى جيش أنصار السنة، فضلا عن بعض المجاهدين العرب، وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين.
أمدت عشائر المحافظات السنية السالفة المقاومة العراقية بتبرعات شيوخ العشائر، وتمويل العمليات العسكرية الجارية في مناطقهم، وهذا أدى إلى سلسلة من الاعتقالات والاغتيالات التي طالت شيوخ العشائر السنية نتيجة لموقفها الصريح الرافض للاحتلال.
وامتدت المقاومة إلى جنوب العراق حيث نشطت «جماعة الصدر» أو «جيش المهدي»، وهي منظمة شيعية مسلحة تدين بالولاء للسيد مقتدى الصدر، لكنها لا تتسم بالكفاءة القتالية العالية، لأن فيها أناسا غير محترفين، مما أدى إلى وقوع خسائر كبيرة في صفوفها خلال المواجهات التي جرت في العام 2004 مع القوات الأميركية في كل من كربلاء والنجف ومدينة الصدر في بغداد.
تميزت تلك المرحلة بالتضامن بين الجناحين السني والشيعي في مقاومة الاحتلال، حيث أعلن بعض رجال الدين الشيعة تأييدهم للمقاومة المسلحة، أمثال محمد جواد الخالصي وأحمد البغدادي.
وشنت المقاومة العراقية في المناطق الجنوبية بعض الهجمات المتفرقة على القوات البريطانية في البصرة، والايطالية المتمركزة في الناصرية قبل انسحابها من العراق، وكبدتها خسائر في الأرواح والمعدات. إلا أن المقاومة المسلحة التابعة للسيد مقتدى الصدر فضلت بعد ذلك الانضواء تحت قبة البرلمان، والدخول في انتخابات العام 2005 وإعلان المقاومة السلمية بدلا من المسلحة.
وحاولت قوات الاحتلال الأميركي ومنذ البداية تحييد عدد من شيوخ العشائر المهمة، من خلال صرف الأموال وإغداقها عليهم، وخاصة القريبة من مناطق الأحداث الساخنة والملتهبة كالرمادي، والموصل، وسامراء، وبعقوبة، ومدينة الصدر في بغداد، والكوت، والديوانية، حيث وزعت قوات الاحتلال الأموال لهذا الغرض، ولأغراض أخرى على مشايخ آخرين من أجل حماية الطرق والمناطق الزراعية البعيدة عن المدن، والتي عادة تكون مسرحا لعمليات المقاومة، لتأمين الطرق للقوات الأميركية.
ورغم اندلاع الفتن الطائفية عامي 2006-2007 واشتداد أزمة الهوية الوطنية والثقة بين مكونات الشعب العراقي، ووقوع العديد من الضحايا الأبرياء قتلى جراء العنف الطائفي الذي ساد البلاد، إلا أن هذا الوضع المتردي لم يثن المقاومة المسلحة عن استمرارها، بكل فصائلها، في مقاتلة الغزاة فلم تحد عن الدرب لحظة واحدة، فكبدت قوات الاحتلال أكثر من 4340 قتيلا أميركيا حسب التقديرات المعلنة لوزارة الدفاع الأميركية حتى منتصف العام 2009 (95% من المارينز)، أما جمعية قدماء المحاربين الأميركيين فتؤكد أن عدد القتلى وصل إلى 33 ألف قتيل و30000 جريح أميركي، و375 قتيلا بريطانيا، قبل انسحاب القوات الأميركية من المدن العراقية إلى قواعد وثكنات عسكرية خارجها.
وبينما ظل شيوخ العشائر وأبناؤهم رهن الاعتقال والزج في السجون العراقية والأميركية، ورغم المعاناة الكبيرة لهذه العشائر، إلا أنها بقيت مساندة للمشروع الوطني للمقاومة.
إعداد ـ د. سهير عواد الكبيسي