هي وظيفة البحث عن وظيفة، وفق المصطلح المتعارف عليه في لبنان.. البطالة، والتي استحال البحث عن رقم يشير الى نسبتها أشبه بالبحث عن «إبرة في كومة قشّ»، وذلك في ظلّ غياب الإحصاءات الرسميّة الشاملة لهذه الظاهرة، بدءاً من وزارة العمل والشؤون الإجتماعية ووصولاً الى تقارير الأمم المتحدة.. أما العاطل عن العمل، فهو كل شخص لا يستيقظ باكراً. لماذا عليه أن يستيقظ باكراً؟ طبعاً، باستثناء يوم الإثنين وهو يوم توزيع الجرائد الإعلانيّة المجانيّة، إذ يحفظ صفحات الوظائف فيها عن ظهر قلب. الإستيقاظ يكون ظهراً، وأحياناً في ما بعد الظهر.
آخر الإحصاءات الرسمية لهذه الظاهرة تعود الى عام 2004، وتحدّد نسبتها بما بين 8 و10%، مقابل 8, 5% عام , 1970. وبلغة الأرقام أيضاً، وبحسب دراسة للبنك الدولي، فقد خسر حوالى 30 ألف لبناني وظائفهم بشكل دائم بعد حرب يوليو 2006، لترتفع هذه النسبة الى 6, 13% عام 2007، بحسب نتائج دراسة أعدّتها جامعة القديس يوسف في بيروت، فيما تشير تقدرات الخبراء الإقتصاديّين الى أن نحو 25% من اللبنانيين باتوا حالياً عاطلين عن العمل.
ولا يسع الشباب منهم إلا أن يرووا بعضاً من حكاياتهم الأليمة، والتي تبقى أصدق إنباءً من كل الإحصاءات وأرقامها، وهم يقضون أيامهم في الفراغ بين عالمين متضادّين: عالم الحياة الواقعيّة، وعالم الأحلام.. علماً أن الجامعات اللبنانية تخرّج كل عام أكثر من 10 آلاف طالب.
زياد (32 عاماً) شاب عاطل عن العمل، يحرق سنين عمره بدخان سيجارته التي لا تنسيه معاناته سوى لدقائق معدودة. يختصر واقعه المرّ بتعبير يردّده دوماً: «أنا عاطل باطل».. فقد مرّت سنوات عليه من دون عمل أو مال.. وخلال أحد الأيام التي كان يمضيها كالعادة متسكّعاً في الطرقات، وجد نفسه أمام خيارين: إما تفهّم الواقع والتمرّد عليه لتغييره، أو الغرق فيه.. لكن إحباطه جعله أضعف من أن يتمرّد.
«أن تبحث عن وظيفة في هذه المدينة الواسعة هو أن تسهر الليل بطوله تتجوّل في شوارعها من دون سبب ظاهر، أن تنظر الى الأشكال من دون أن تلحظ التفاصيل.. أن تجلس في مقاهي الإنترنت لتتعلّم كيف تحرق الدقائق والساعات وما تبقّى من نقود الدَين.. أن تبتعد عن أصدقاء الطفولة الذين رسموا الخطوات الأولى لنجاحهم..
وأن تتحاشى الناس كلهم لتنجو من أسئلة على شاكلة: شو عم تشتغل بهالأيام«، ينظر فؤاد (28 عاماً) الى البعيد.. هناك، خلف البحار، تستريح بلاد واسعة إسمها أميركا، و«يطلقون عليها إسم أرض الفرص».. يضحك بحرقة، ويشير الى أنه قصد السفارة الأميركية في بيروت، حيث كان وقف مع أصدقائه على قرابة منها خلال التظاهرات، سابقاً، يلعنون سياسة رؤسائها بحق الشعوب العربيّة، وذلك بعدما سدّت كل الأبواب في وجهه، «لبست أحسن تياب عندي، حلقت ذقني، وحكيتلّهن قصة حياتي كلها، بلهجة ما بيستخدموها إلا الممثلين»، لكن كل ذلك لم يجدِ نفعاً، تماماً كأدعية والدته المتكرّرة له بالتوفيق.
بعد تخرّجها من الجامعة، منذ 5 سنوات، رفضت منى (26 عاماً) العديد من الأعمال، كونها لا تتناسب مع طموحاتها «لا أستطيع مزاولة أي مهنة حفاظاً على البرستيج.. فأنا تخصّصت في مجال الكومبيوتر، فهل يعقل أن أعمل نادلة في مطعم أو أنضمّ الى إحدى الشركات الأمنية؟».. وعما إذا كانت تفضّل الجلوس في البيت عن العمل في أي مهنة بشكل مؤقت ريثما تجد الفرصة الملائمة، تقول منى: «أحسن.. لن أزاول مهنة أستحي منها»!
ولا يختلف حال غادة عن حال زميلتها في التخصّص منى، من جهة «قلّة الحظ»، وفق تعبير الأولى.. لكنها تلفت الى أنها تنتظر «واسطة» من أحدهم، لإيجاد أي فرصة عمل بمعاش معقول، «الشهادة علّقتها بالحيط للبرستيج.. وكل شي بالبلد ماشي بالواسطة».
بيروت ـ وفاء عواد