يعاني الاتحاد الأوروبي كثيرا في سبيل الوصول إلى وحدة قراراته السياسية، ويواجه أيضا عددا من التحديات في مقدمتها تفاقم ظاهرة الهجرة بسبب التطورات الاقتصادية والديمغرافية في حوض البحر الأبيض المتوسط.
ذلك أن أوروبا تواجه شيخوخة سكانها عامة وتضاؤل عددهم أو على الأقل عدم زيادتهم عمليا بينما هناك «انفجار» سكاني في بلدان جنوب المتوسط. الهجرة إذن تلوح في الأفق ومهما كان الثمن.وإلى جانب مشكلة الهجرة هناك تحديات أخرى يواجهها الاتحاد الأوروبي وتتعلق بمسائل الهوية وبالمسائل الثفافية بشكل عام. في ظل تنامي البعد الأمني بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 وما أحدثته الليبرالية الاقتصادية من تبدّل على صعيد البنى الاجتماعية.في المحصلة العامة ورغم كل ما قيل وتردد عن وحدة المصالح والتعاون والتضامن، لا يزال الالتزام المالي للدول الأوروبية بالتنمية «المشتركة» متواضعا. ولم يغيّر في هذا الواقع كثيرا إبرام العديد من الاتفاقيات. مع ذلك يبقى الطريق مفتوحا لتعاون أعمق يسمح بالسير في اتجاه التاريخ.
إذا كان الاتحاد الأوروبي قد طوّر العديد من المواقف والأدوات في منظور تعزيز قدرته للتدخل على المسرح الدولي، فإنه يواجه بالمقابل صعوبات كبيرة وكثيرة لممارسة ذلك، خاصة بسبب غياب وحدة قراراته السياسية وتباين مقاربات دوله فيما يتعلق بالمسائل الدفاعية والأمنية.
ويشهد حوض البحر الأبيض المتوسط بنفس الوقت ترديا على الصعيد الأمني لأسباب اقتصادية تتعلق بالفرق الهائل على شاطئيه، ولأسباب ديموغرافية يعبّر عنها الانفجار الكبير في عدد سكان بلدان جنوب المتوسط وتعاظم شيخوخة سكان بلدان شماله الأوروبي، ولأسباب ثقافية لها علاقة بظهور خطاب «الاستبعاد» على الطرفين.
يعيش اليوم على الشاطئ الشمالي للبحر الأبيض المتوسط حوالي 180 مليون نسمة مقابل 240 مليون يعيشون على الشاطئ الجنوبي. وفي أفق عام 2030 سيتضاءل عدد سكان الشمال (دون حساب المهاجرين)، بـ 6 مليون نسمة بينما سيبلغ عدد سكان الجنوب 300 مليون نسمة، أي ضعف عدد سكان الشاطئ الشمالي المتوسطي.
ثم إن منطقة حوض المتوسط هي صاحبة معدّل الهجرة الأكبر في العالم إذ يبلغ متوسط الهجرة فيها 5 بالمائة بينما أن هذا المعدل يبلغ حوالي 2 بالمائة بالنسبة إلى مجموع سكان العالم. وتشير الإحصائيات إلى أن 20 مليون من سكان بلدان جنوب المتوسط قد هاجروا من بلدانهم منذ مطلع سنوات الستينات المنصرمة وحتى اليوم.
وفي الوقت الذي تجد فيه منطقة جنوب المتوسط نفسها في حالة تبعية نسبة 50 بالمائة تقريبا لأوروبا بينما لا يمثل المتوسط سوى حوالي 4 بالمائة من مجمل تجارة الاتحاد الأوروبي، فإن تكدّس الديون الناتج عن عجز كبير في الموازين التجارية العربية لبلدان جنوب المتوسط له نتائج خطيرة جدا. وتجعل الدينامية الديمغرافية لهذه البلدان من الصعب أكثر فأكثر تسوية المشاكل المتعلقة بتحقيق التنمية.
تفاقم ظاهرة الهجرة
يبلغ عدد سكان البلدان العربية التي يضمها «اتحاد المغرب العربي» أكثر من 76 مليون نسمة وهذا يمثل 7, 27 بالمائة تقريبا من مجموع سكان العالم العربي. ويبلغ معدل التنمية في بلدان شمال إفريقيا العربية الأساسية، أي مصر والجزائر والمغرب وتونس حوالي 5, 2 بالمائة سنويا بينما لا يبلغ سوى 2, 0 بالمائة في أوروبا الغربية. هذا الفارق لم يتوقف عن الازدياد منذ سنوات.
ثم إن عدد سكان هذه البلدان العربية الذي كان معادلا عام 1950 لعدد سكان فرنسا، أي 5, 41 مليون نسمة آنذاك، سوف يصل في عام 2025 إلى 194 مليون نسمة، أي ما يعادل عدد سكان البلدان الستة المؤسسة للمجموعة الاقتصادية الأوروبية المتمثلة في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندة واللوكسمبورغ.
مع ذلك تتم الإشارة إلى أن معدل الولادة في بلدان المغرب العربي قد انخفض بشكل ملموس خلال 30 سنة كي يصل إلى نفس المعدّل في أوروبا، أي أقل من طفلين لكل امرأة. لكن هذا لا يمنع واقع أن عدد سكان تونس سوف يزيد نسبة 25 بالمئة من الآن وحتى أفق عام 2050 وعدد سكان المغرب بنسبة 40 بالمائة و40 بالمائة بالنسبة لعدد سكان الجزائر.
هذا الواقع الديموغرافي ستكون له نتيجة مباشرة هي تعاظم ظاهرة الهجرة، ذلك أن أوروبا تعاني من «انهيار» ديمغرافي حقيقي حيث أن سكان الاتحاد الأوروبي، قبل توسيع إطاره في عام 2004، كانوا يمثلون السكان الأكبر سنا، كمعدّل، في العالم. ولا بد إذن من اللجوء إلى اليد العاملة الأجنبية.
تزايد الهجرة لأوروبا
ويوجد في بلدان الاتحاد الأوروبي اليوم 23 مليون أجنبي حيث تستقبل ألمانيا العدد الأكبر منهم بواقع 3, 7 مليون نسمة، أي ما يعادل 9 بالمئة من مجموع السكان وبعدها فرنسا بوجود 2, 3 ملايين أجنبي ونسبة 7 بالمئة من مجموع السكان ثم بريطانيا 7, 2 مليون و4 بالمئة، وتدل التقديرات أن ما بين 120 ألف و500 ألف مهاجر سرّي يدخلون سنويا إلى أوروبا. أما أبواب الهجرة السرية إليها فهي غالبا منطقتي غرب المتوسط وشرقه.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن الدول الأوروبية حاولت منذ توقيع معاهدة روما عام 1957 إعداد سياسة مشتركة للهجرة، وذلك على أساس ضرورة مثل هذه السياسة من أجل السيطرة على تدفقات المهاجرين وتنسيق المكانة القانونية للأجانب ولسياسة دمجهم في مجتمعات إقامتهم. ومنذ توقيع اتفاقيات «شنجن» الخاصة بحرية انتقال الأشخاص داخل حدود الاتحاد الأوروبي مع تعزيز إجراءات الرقابة على الحدود الخارجية والاتفاقيات الأوروبي الأخرى تخلّت الدول الأوروبية المعنية عامة عن بعض سيادتها للتزوّد بسياسة أوروبية للهجرة تؤمّن عملية تنظيم دخول وإقامة الأجانب فيها.
مع ذلك يبدو أنه من الصعوبة بمكان قبول دول الاتحاد الأوروبي بأن تُفرض عليها قواعد مشتركة في مجال الهجرة. وإذا كان قد تمّ تحقيق تقدّم كبير حول المسائل المتعلقة باللجوء السياسي أو الإنساني وبالسيطرة على الهجرة وبين ميل الدول المعنية إلى ممارسة حقها «السيادي» في التعامل معها. ثم هناك خلاف في المصالح بين الشركاء الأوروبيين الذين يعانون من ظاهرة انحسار عدد السكان كألمانيا والذين لديهم فائض من اليد العاملة مثل اسبانيا.
إن مشكلة الهجرة هي موضع نقاشات مستفيضة منذ سنوات في أغلبية البلدان الأوروبية. وقد أصبحت هذه الظاهرة مصدرا للقلق بالتوازي مع مشكلة الأمن ذات الأهمية المركزية بالنسبة للمجتمعات الغربية. ونتيجة لمثل هذا المناخ أصبحت هناك شرائح كثيرة وكبيرة من الأوروبيين ينظرون إلى المهاجرين كمصدر تهديد للهوية الثقافية الأوروبية ولفرص العمل في حقبة تشكّل فيها البطالة أحد أكبر المشاكل الاجتماعية في أوروبا.
تحديات أخرى
إذا كان تحدي الهجرة هو في رأس قائمة اهتمامات بلدان الاتحاد الأوروبي، فإن حوض المتوسط يشهد أيضا تحديات أخرى تتعلق بالهوية وبالمسائل الثقافية. وترى المؤلفة أن النقطة التي تتبلور حولها هذه التحديات في السياق الدولي الراهن هي العلاقة بين أوروبا والعالم الإسلامي.
وتؤكد المؤلفة هنا على ضرورة تدقيق القول أن الحضارة الإسلامية التي يزيد عمرها عن 13 قرنا من الزمن لا يمكن اختزالها إلى الصورة التي تمّ الربط فيها بينها وبين الإرهاب بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001، وذلك في ذهن شرائح واسعة من الرأي العام الأوروبي.
وتؤكد المؤلفة في هذا السياق أن معرفة أوروبا بالعالم العربي-الإسلامي في تراجع، وكذلك في الغرب عامة. وقد كان البعد الثقافي لا يمثل سوى 2 بالمائة من مجمل ميزانية الشراكة الأوروبية - المتوسطية لبرشلونة. وكان البعد الأمني هو الذي سيطر حتى في معالجة المسائل الثقافية. يتم التأكيد هنا أن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 لم تكن بعيدة عن تضخّم هذا البعد الأمني. هكذا اعتبارا من 21 سبتمبر من نفس تلك السنة اعتبر الاتحاد الأوروبي أن «الإرهاب هو التحدي الحقيقي بالنسبة للعالم وبالنسبة لأوروبا». ولا شك أن تفجيرات لندن عام 2005 ثم تفجيرات مدريد قد دفعت في نفس الاتجاه.
من جهة أخرى ساهمت اللبرالية الاقتصادية في إحداث اضطرابات كبيرة في البنى المجتمعية بالبلدان العربية عامة. هذا ما تبدّى عبر تباين كبير على الصعيد الاجتماعي داخل الشرائح الوسطى وحدوث تبدّل عميق في القاعدة الاجتماعية للسلطات القائمة.
هذا إلى جانب تهميش أكثر الشرائح فقرا. وفاقم الوضع الدولي الذي وجد العالم العربي نفسه فيه عاجزا عن أن يصبح أو أن يعود من جديد، قوة فاعلة في الحياة الدولية من الإحساس بالمهانة. بالمقابل غدت الحداثة المرتبطة بصورة الغرب، مشاعر متناقضة تتراوح بين الانجذاب الكبير والرفض العنيف حيال الرأي العام العربي بشكل عام.
نظرة عامة
في المحصلة عرفت العلاقات الأوروبية-العربية مسارا متعرّجا عبر التاريخ الحديث. وكانت الدول العربية قد انتقلت من ولايات عثمانية إلى سيطرة القوى الأوروبية، خاصة فرنسا وبريطانيا.
وبعد الاستقلال، الذي تم الحصول عليه أحيانا عبر ثورات وتمرّدات مسلحة، انتقلت العلاقات بين أوروبا والبلدان العربية من السيطرة الاستعمارية إلى التعاون. لكن لا شك أن المصالح الاقتصادية، وخاصة البترولية منها، كانت وراء انطلاق سياسة أوروبية جديدة باتجاه العالم العربي عامة ومنطقة حوض البحر الأبيض المتوسط بشكل خاص.
ويتم التأكيد في هذا السياق أن النزاعات العديدة التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها النزاع العربي-الإسرائيلي، كانت هي مهّدت وشجّعت تزايد الدور الأوروبي على المسرح الدولي بل وأنها دفعت بصورة إلى تعميق مسيرة التكامل الأوروبي نفسها، وذلك في منظور إطلاق دبلوماسية أوروبية جماعية تحت العنوان العريض: الحوار الأوروبي-العربي.
وكانت أغلبية مواقف السياسة الخارجية الأوروبية والمبادرات المشتركة التي جرى اتخاذها هي حيال مسيرة السلام في الشرق الأوسط والمسألة الفلسطينية. هذا إلى حد تأكيد المؤلفة أن نزاعات الشرق الأوسط شكّلت «حقل تجارب» لسياسة خارجية أوروبية مشتركة هي بطور التكوّن.
دعم أوروبي اقتصادي
وإذا كان الاتحاد الأوروبي لا يزال مستبعدا إلى حد كبير من مسيرة السلام في الشرق الأوسط، رغم ما يبدو من تحركات قد تكون شكلية على غرار الجهد الذي يمثله توني بلير من خلال اللجنة الرباعية فإنه يقدّم مع ذلك دعمه لهذه المسيرة عبر المساهمة الاقتصادية بشكل أساسي حيث أنه في رأس قائمة دافعي الأموال الموجهة للأراضي الفلسطينية. وبكل الحالات تبقى الحاجة إلى السلام والأمن في الشرق الأوسط هي أكثر إلحاحا من أي يوم مضى.
إن مختلف الاتفاقيات التي أبرمها الاتحاد الأوروبي مع البلدان العربية لم تؤد إلى خلق دينامية حقيقية للتنمية الإقليمية الشاملة. هذا وعلى الرغم من الخطابات المتكررة حول تداخل المصالح والتعاون والتضامن، بل وحتى التنمية المشتركة، فإنه لا بد من ملاحظة محدودية الالتزامات المالية للدول الأوروبية، بالطبع أوروبا ليست مسؤولة مباشرة عن الصعوبات الاقتصادية للعالم العربي، فسياسات التنمية فيه هي المسؤولة أولا وأساسا.
في المحصلة ينبغي على أوروبا والعالم العربي تصوّر مستقبلهما عبر السير باتجاه التاريخ. وينبغي عليهما الاستفادة من الفرص التي يسمح بها المحيط الدولي الجديد بعد نهاية المجابهة بين الغرب والشرق، والفرصة التي تقدمها العولمة أيضا. بهذه الكلمات تنهي المؤلفة كتابها.
الصفحات: 224 (متوسط)
الكتاب: أوروبا والعالم العربي منذ عام 1914
تأليف: ناديا حمور
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: ايلليبس ـ باريس ـ 2009