قديماً، كانوا يقولون «نيّال اللّي عندو مرقد عنزة في جبل لبنان». وحكاية هذا المثل الشائع تختصرها أيام كان للحرير اللبناني عزّه، وكان لدودته «الثمينة» مركز الصدارة في الاقتصاد اللبناني وفي يوميّات القروي اللبناني، ما دفع بالفرنسيين الى أن يطلقوا على صناعة الحرير في لبنان تسمية «شجرة الذهب». أما اليوم فبات موسم قطف الشرانق تراثاً وأثراً من الماضي.

وكي لا يبقى الحرير اللبناني مجرّد حكاية تتناقلها الأجيال، «كرّمت» الدولة اللبنانية دودة الحرير، عبر إنشائها مطلع القرن المنصرم مؤسّسة أطلقت عليها اسم «متحف الحرير» في بلدة بسوس (عاليه، والتي لم يحل إغلاقها عام 1982 من دون قيام «جمعية التراث والإنماء» بحمل راية هذا المتحف البيئي- التراثي، عام 2000. لتبدأ رواية العودة الى مواسم عزّ صناعة الحرير في لبنان، وتحديداً في جبله، خلال القرنين المنصرمين.

طرقات متعرّجة تقود الزائر صعوداً الى المكان المقصود، حيث «متحف الحرير» الرابض على تلّة تزنّرها أشجار التوت في حديقة تراثيّة تضمّ 12 نوعاً من النباتات النادرة اللبنانية المصدر، مثل القصعين والخزام والمردكوش والغار.

إضافة الى شجرة «النيلة» المكتشفة حديثاً والتي يستخرج منها اللون النيلي.. طابقان معقودان من الحجر الكبير، وساحة مرصوفة بالحجارة.. أما في الداخل، فأطباق من القشّ المستدير، سطحها مغطّى بورق التوت المفروم الناعم، تسرح فوقها جماعات من دود القزّ، والتي قسّمت بحسب أعمارها، في مكان دافئ... وخشيش ناعم ناتج عن قضم الدود لأوراق التوت يخترق سكون المكان.

وبدء الرحلة يكمن في استقدام البيض ووضعه في درجة حرارة مناسبة (تتراوح ما بين ال23 وال25 درجة مئويّة).. علامة ظهور «الفقس» تكون بتحوّل لون القشرة من الرمادي الداكن إلى الرمادي الفاتح.. وبعد ذلك، تمرّ الدودة بخمسة أعمار تتخلّلها أربع مرات صياماً بين كل عمرين، حيث تمتنع فيها الديدان (اليرقات) عن الغذاء والحركة بعملية «الإنسلاخ» (تبدّل الجلد القديم بآخر جديد أكبر حجماً).. أما مدّة نموّ الدودة وصولاً الى مرحلة غزل الشرانق فتبلغ ما بين ال30 وال35 يوماً.

ثماني وجبات يومياً... والرحلة تبدأ من «البزرة»: «يرقة» ف«دودة» ف«شرنقة» ف«زيز» ف«فراشة».. وذلك، قبل الوصول الى مراحل عمليات الإنسلاخ الأربع، ف«الصيام الأخير» في العمر الخامس، للانصراف الى حياكة شرنقة الحرير (الفيلج الذهبيّ)، حيث تخنق الدودة داخلها.

أما المحطة الثانية من رحلة الحرير فتكون في الأوعية النحاسيّة، حيث تغلى الشرانق لمدة خمس دقائق، ثم توضع في أحواض يكون ماؤها فاتراً. وبعد ذلك، يتمّ سحب طرف خيط الشرنقة، فتكرّ سبحة الخيطان الحريريّة الخام وتضمّ الى بعضها وتربط بدواليب خشبيّة تدور لتلفّ شللاً من حرير يصار الى صبغه بألوان عدّة قبل حياكته على الأنوال الخشبيّة القديمة التي تتوزّعها قاعة كبيرة من الحجر المعقود.

والجولة في «متحف الحرير» ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأرقام لا بدّ من معرفتها: 110 شرانق لصنع ربطة عنق.. 630 شرنقة لصنع قميص، ما يستوجب تربية 800 دودة قزّ تأكل 17 كيلوغراماً من ورق التوت.. ليأتي دور الـ «كيمونو» (ثوب ياباني من الحرير السميك) والذي يستلزم تربية 3000 دودة قزّ تأكل 65 كيلوغراماً من ورق التوت.

بيروت ـ وفاء عواد