شهدت مدينة برشلونة في شهر نوفمبر 1995 التوقيع على الشراكة الأوروبية-المتوسطية، وذلك في سياق بدا فيه من المطلوب قيام تجمعات إقليمية يكون لها وزنها في إطار العولمة. وكان البعد الاقتصادي هو مركز الاهتمام الرئيسي، هذا إلى جانب بعدين آخرين أحدهما سياسي وآني والآخر يخص الجوانب الاجتماعية والإنسانية والثقافية، وذلك كله في أفق تحقيق إستراتيجية شاملة للازدهار الإقليمي في حوض المتوسط. تحقق بعض التقدم المتواضع على الصعيد الاقتصادي عبر توقيع العديد من الاتفاقيات ذات الطابع الثنائي عامة بين الاتحاد الأوروبي وهذا البعد أو ذاك من بلدان جنوب المتوسط.
لكن ظل التعاون متواضعا على صعيد الاستثمارات العامة والخاصة. لكن بالمقابل كانت محصلة الشراكة الأوروبية-المتوسطية متواضعة، بل وشبه معدومة، بالنسبة للميدان السياسي، وذلك في سياق ما بعد 11 سبتمبر 2001 والحرب ضد العراق وتفاقم الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وتراجع الدور الأوروبي. وبقيت المحصلة «رمزية» بالنسبة للمجال الثقافي والاجتماعي والسياسي. وفي الوقت الذي بدا فيه أن أوروبا «تدير ظهرها» لجنوب المتوسط برزت المبادرة الفرنسية الخاصة ب«الاتحاد من أجل المتوسط».
عندما تم التوقيع على اتفاقيات اوسلو عام 1993 بدا أن السلام في الشرق الأوسط في طريقه إلى التحقق. وهكذا رأى الاتحاد الأوروبي، بدفع من اسبانيا وفرنسا، أنه ينبغي الاستفادة من هذه الفرصة.
وظهرت الشراكة الأوروبية-المتوسطية التي عرفتها مدينة برشلونة في شهر نوفمبر 1995 بين دول الاتحاد الأوروبي ال15 آنذاك و21 دولة من بلدان جنوب المتوسط هي المغرب والجزائر وتونس ومصر والأردن ولبنان وسوريا وتركيا ومالطة وقبرص والسلطة الفلسطينية وإسرائيل وكأنها، أي الشراكة، بمثابة نتيجة لانفتاح أفق مسيرة السلام في الشرق الأوسط.
لكن أظهرت لقاءات برشلونة أيضا مدى الفارق الكبير بين الثورة في أوروبا ومستوى التنمية في بلدان جنوب وشرق حوض البحر المتوسط. لقد كان دخل الفرد في أوروبا يزيد 12 ضعفا على دخله على الجانب الآخر. كما برز ما تسميه المؤلفة ب«الشرخ الديموغرافي» وبإمكانية حدوث شرخ إنساني وثقافي بين شاطئ المتوسط.
بالمقابل برزت أيضا عدة عوامل ساعدت على تنشيط الدينامية الأوروبية-المتوسطية. وفي مقدمة هذه العوامل الفرصة التي لاحت في الأفق بإمكانية التوصل إلى سلام بين العرب وإسرائيل، وعامل هام آخر تمثّل في ضرورة أن يوازن الاتحاد الأوروبي بين حدوده الجنوبية وحدوده الشرقية بعد انضمام بلدان أوروبا الشرقية والوسطى إلى مسيرة التوحيد الأوروبي.
ثم إن التغيرات البنيوية التي شهدها الاقتصاد الدولي في ظل العولمة تفسّر أيضا إلى حد كبير تطوّر مفهوم الشراكة الأوروبية-العربية عامة والأوروبية-المتوسطية بشكل خاص.
بداية لتجمعات دولية
وكانت بداية القرن الحادي والعشرين قد شهدت في الواقع توطّد ثلاثة مجاميع إقليمية كبرى هي المجموع الأوروبي، المتوسطي ومنطقة التجارة الحرة الأميركية والمجموع الاقتصادي للمحيط الهادي-الباسيفيكي.
وبما أن أوروبا كانت قد انخرطت في عملية عولمة ذات طابع إقليمي، بمعنى الإقرار بعولمة الاقتصاد وبناء أو تقوية كتل إقليمية، فإنها شرعت بالعمل على بناء مجموعة أوروبية-متوسطية تتماشى مع المنطق السائد. وخاصة أنه كان على الاتحاد الأوروبي أن يوسّع من دائرة نشاطه إلى المنطقة المتوسطية إذا أراد أن يتمتع بحجم اقتصادي يعادل المناطق الاقتصادية الكبرى.
تجسّدت السياسة الأوروبية-المتوسطية على الصعيد الاقتصادي بقيام منطقة تبادل تجاري حر. وقد أقامت الشراكة الأوروبية-المتوسطية في الواقع إطارا عاما يتسم بالانفتاح التجاري عبر التحرير التدريجي للمبادلات بغية تسهيل عملية اندماج الدول المعنية في إطار التعاون الإقليمي. وترافق ذلك كله مع تقديم مساعدات مالية وتقنية وإدارية أكبر.
وبشكل عام تركّزت الشراكة الأوروبية-المتوسطية الشاملة حول ثلاثة ملفات كبرى. الملف الأول ذو طابع سياسي وأمني، والثاني يتعلّق بالاقتصاد والمال، أما الثالث فيخّص الجوانب الاجتماعية والإنسانية. المقصود إذن هو الوصول إلى إستراتيجية شاملة مع المحافظة على الصلات ذات الطابع الثنائي في أفق تحقيق شراكة أوروبية-متوسطية حقيقية تساهم في «ازدهار الجميع».
أهداف الشراكة
وتمّ تحديد هدف الشراكة على الصعيدين السياسي والأمني بإقامة «مجال مشترك للسلام والاستقرار»، كما نصّت الوثائق الرسمية، مع ما ترقب توسيع الأفق أكثر وصولا إلى تشجيع القيم الديمقراطية وتكثيف النضال ضد التهديدات المشتركة وإرساء صلات حسن جوار بين مختلف الشركاء المعنيين.
أما الشراكة الاقتصادية والمالية فهدفها إقامة «منطقة ازدهار مشترك» في حوض البحر الأبيض المتوسط، على أساس ثلاثة أركان تتكامل فيما بينها وتتمثل في إنشاء منطقة تبادل حر أوروبية - متوسطية من الآن وحتى أفق عام 2010 وتعميق التعاون التقني والقضائي بين الاتحاد الأوروبي وشركائه وأخيرا زيادة التعاون المالي وبرامج مساعدة الاتحاد الأوروبي لبلدان جنوب المتوسط.
وترمي الشراكة الاجتماعية والإنسانية، وبالتالي الثقافية، إلى تشجيع التقارب بين الشعوب والحضارات المتوسطية. وتؤكد بشكل خاص على الحوار بين الثقافات والأديان وتؤكّد بشكل خاص على الحوار بين الثقافات والأديان وتشجيع الاتصال والتواصل بين هيئات وتعبيرات المجتمع المدني على شاطئ المتوسط. وترتقب هذه الشراكة أيضا ضرورة التصدّي للأفكار وللمنظمات التي يمكنها أن تعيق مثل هذا التقارب المنشود.
على أرض الواقع العملي جرى توقيع عدة اتفاقيات تجارية ثنائية عدة، وذلك بين الاتحاد الأوروبي وتونس وإسرائيل عام 1995، ومع المغرب عام 1995 ومع السلطة الفلسطينية عام 1996 وهناك مفاوضات جارية مع بلدان أخرى منذ عام 1999. والهدف المحدد هو الوصول في أفق عام 2010 إلى التأسيس التدريجي لمنطقة التبادل الحر. لكن إذا كانت هذه الاتفاقيات كلها تؤكّد على حرية تجارة المنتجات الصناعية والخدمات فإنها وضعت الكثير من القيود على تجارة المنتجات الزراعية.
ورغم الأهداف الكبرى التي جرى تحديدها «نظريا» للشراكة الأوروبية-المتوسطية في برشلونة عام 1995 فإن الواقع كشف عن الصعوبات الكبيرة التي يواجهها الاتحاد الأوروبي من أجل وضع برامج مساعدة اقتصادية متناسقة في مواجهة حكومات بلدان جنوب المتوسط التي تتردد كثيرا في القيام بتحولات اقتصادية مطلوبة.
ثم لا يبدو أن الشراكة الاقتصادية، رغم نجاحها على صعيد الاستثمارات كما على صعيد التعاون الثنائي، قد ساعدت على ردم هوة الفارق الكبير في مستوى المعيشة بين شاطئ البحر المتوسط. وبهذا المعنى لم تحقق الوعود التي كانت قد قطعتها عند البداية. بل تدل الإحصائات على أنه ما بين عام 1995 وعام 2005، تعمّق الفارق على صعيد مستوى المعيشة حيث أن النمو الاقتصادي لدى بلدان جنوب المتوسط لم يتجاوز إلا نادرا جدا عتبة ال1 بالمائة في السنة.
أولوية البعد الاقتصادي
ومن الواضح أيضا أن البعد الاقتصادي قد حاز، كما جرت العادة دائما، على الاهتمام الرئيسي للشراكة الأوروبية-المتوسطية، وذلك بالتماشي مع إرادة الدول الشريكة التي تعطي الأولوية للتنمية الاقتصادية باعتبارها السبيل الذي لا بد منه من أجل استقرار مجتمعاتها وأنظمتها السياسية.
والمطلوب من الشراكة في هذه الحالة أن تقدّم لهذه الدول «الخبرة» في مجال تأسيس وإدارة الشركات الخاصة والمساعدة المالية من أجل امتصاص صدمة الفترة الانتقالية وكذلك فتح الأسواق الأوروبية أمام منتجاتها.
وقد تنامى التبادل التجاري الأوروبي-المتوسطي منذ توقيع شراكة برشلونة عام 1995 وحتى عام 2000 ثم عرف بعض التباطؤ خلال سنوات 2000-2004. بالطبع ظل الميزان التجاري يميل لصالح الاتحاد الأوروبي من حيث الفوائض. وكانت المواد الأولية المتعلقة بالطاقة تشكل في عام 2003 حوالي 30 بالمائة من الصادرات الأوروبية من بلدان الشاطئ الآخر.
أما الصادرات الأوروبية فهي تتركز في قطاعي الآلات وتجهيزات النقل. أما في قطاع الخدمات الذي يمثل الآن حوالي 70 بالمائة من إجمالي الإنتاج الداخلي للاتحاد الأوروبي فإن التبادل فيه ازداد بسرعة أقل مع الشركاء المتوسطين مما هو بين الاتحاد الأوروبي وبقية بلدان العالم، وهذا ما ترى فيه المؤلفة مؤشر فشل واضح في سعي بلدان جنوب المتوسط لتنويع نشاطاتها الاقتصادية في الاتجاه الذي تتطلبه العولمة.
ثبات الاستثمارات الأوروبية
كذلك لم تتطور كثيرا الاستثمارات الخاصة الأوروبية التي كان ينبغي لها أن تلعب دورا حاسما في تحسين المستوى الاقتصادي لبلدان الجنوب فهذه البلدان لم تمتلك ما يكفي من قوة الجذب المطلوبة لاستقدام الاستثمارات الوطنية والأوروبية. ولا يتلقى الشركاء المتوسطيون لأوروبا اليوم سوى حوالي 6 مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، أي ما يعادل بالكاد 1 بالمئة من التدفقات المالية العالمية. لكن هذا لا يمنع واقع أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة من الاتحاد الأوروبي نحو شركائه تتطوّر باتجاه الازدياد.
وإذا كانت المحصلة الاقتصادية للشراكة الأوروبية - المتوسطية قد حققت بعض التقدم، ولو كان متواضعا، فإن المحصلة السياسية معدومة تقريبا. وتعيد المؤلفة ذلك جزئيا إلى السياق الدولي بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن. هكذا لم يتم تحقيق أي تقدم له دلالته حول المسائل الأساسية المرتبطة بتشجيع وتقوية أسس السلام والأمن في المنطقة.
وفي مقدمة هذه المسائل، نزاع الشرق الأوسط وميثاق السلام والاستقرار في حوض المتوسط والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، أي المسائل التي كانت الشراكة الأوروبية-المتوسطية قد أكّدت عليها.
تفاقم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي
على العكس تفاقم الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وشكّل مفهوم «الحرب ضد الإرهاب» والحرب ضد العراق عوائق لم تستطع الشراكة الأوروبية-المتوسطية تجاوزها. وإذا كان الاتحاد الأوروبي لا يزال يحاول منذ أكثر من عشرة سنوات أن يثبت وجوده في كل ما يخص مفاوضات السلام في الشرق الأوسط، فإن التحليلات المقدّمة تعيب على الشراكة الأوروبية - المتوسطية أنها ركّزت على البعد الاقتصادي ولم تبد ما يكفي من الاهتمام لحل نزاع الشرق الأوسط الذي يشكل عنصرا أساسيا في العلاقات الأوروبية-المتوسطية والأوروبية-العربية بشكل عام.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أنه إذا كان الجانب الأوروبي يجهد من أجل أن يذكّر الجميع بانتظام أن شراكة برشلونة هي منفصلة عن مسيرة السلام في الشرق الأوسط ، فإن شركاء جنوب المتوسط، وخاصة العرب منهم، يرون أن السلام في الشرق الأوسط يشكل مسألة مركزية، بل ويشكل شرطا لكل مسيرة تنشد الوصول إلى تقارب سياسي حقيقي بين الجانبين.
أما الشراكة الاجتماعية والإنسانية والثقافية فإنها لا تزال «رمزية». وإذا كان الجانب الاقتصادي هو الذي أولاه الاتحاد الأوروبي الاهتمام الأكبر، والجانب السياسي هو الأكثر حساسية بنظر الرأي العام، فإن الجانب الثقافي والاجتماعي والإنساني الذي جعل هدفه هو التقريب بين شعوب المنطقة وتفاهمها وفهمها المتبادل فإنه لا يزال هو «المدعو الذي لا يحظى بأي اهتمام» في مجمل الحوار الأوروبي-المتوسطي. وفي المحصلة يبقى هذا الجانب هو «الحلقة الضعيفة» في الشراكة الأوروبية-المتوسطية وفي الحوار الأوروبي-العربي عامة.
وبعد أكثر من عقد على ولادة الشراكة الأوروبية-المتوسطية يبدو أن أوروبا قد حوّلت نظرها عن «خاصرتها» الجنوبية، أي عن بلدان جنوب المتوسط، كي تصب اهتمامها الأكبر على الواقع الجديد الذي خلقه ضمّ بلدان شرق القارة للاتحاد الأوروبي وفي سياق تثير فيه الحرب في العراق وتطورات نزاع الشرق الأوسط الكثير من القلق.
وفي مثل هذا السياق أطلق الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مشروعه الخاص ب«الاتحاد من أجل المتوسط» تحت تسمية «الاتحاد المتوسطي» عند الإعلان عنه يوم انتخابه رئيسا للجمهورية الفرنسية في شهر مايو- أيار 2007.
الصفحات: 224
الكتاب: أوروبا والعالم العربي منذ عام 1914
تأليف: ناديا حمور
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: ايلليبس ـ باريس ـ 2009