لا يذكر التاريخ القريب اسم «راند» إلا ويذكر أيضا حكاية «أوراق البنتاغون». من ناحية أولى.. حفرت «راند» اسمها في الذاكرة الأميركية المعاصرة بوصفها معقل البحوث العلمية الرصينة في المجالين العسكري والمدني.. وباعتبارها بمثابة معمل تفريخ أفكار مبتكرة وغير مسبوقة وخاصة في مجالات المنهجية المتبعة في مقاربة القضايا وحل المشكلات. من الجانب المقابل.. تمثل «أوراق البنتاغون» حكاية اقرب إلى وقائع الدراما السياسية.. لدرجة أن شغفت بها هوليوود فعملت على تجسيدها في أكثر من عمل سينمائي ومن ذلك مثل الفيلم الذي أنتجوه عن حقبة ريتشارد نيكسون الحافلة بالأسرار والتحولات.. والانحرافات وحمل عنوانه الشهير «كل رجال الرئيس». في أرض الواقع يسلط كتابنا مزيدا من أضواء البحث على بطل حكاية «أوراق البنتاغون».. دانييل الزبورج. يوضح المؤلف أنه كان شخصية متفردة في طابعها وسلوكها ونبوغها وأيضا غرابة أطوارها..
كان أستاذا لامعا لعلم الاقتصاد في هارفارد.. في إطار الانتاج الأكاديمي كتب دراسات في غاية العمق والرصانة وخاصة حول نظرية صنع القرار ووضع الاستراتيجيات والتحق بالخدمة العسكرية ملازما أول في سلك مشاة الأسطول (المارينز).يعترف المؤلف بأن الزبورغ كان متقلب الأهواء.. تزوج في سن العشرين وبعد 5 سنوات كان لديه طفلان. في السياسة كان مؤيدا للحزب الديمقراطي ومنتميا إلى صفوف اللبرالية الاجتماعية ؟ التيار الأقرب إلى الفكر اليساري، في حين كان الزبورغ كما يؤكد مؤلفنا معاديا بشدة للفكر الشيوعي. وربما كانت هذه المؤهلات ؟ فضلا عن ميزة النبوغ العلمي - هي التي استند إليها قرار «إعارته» من دوائر البنتاغون العسكرية إلى مؤسسة «راند» بوصفه باحثا مرموقا في الاقتصاد والإستراتيجية.. وسرعان ما احتفلت به صفوف «الراندايت» داخل المؤسسة العتيدة التي عقدت عليه آمالا طموحة وفتحت أمامه كل الملفات وأتاحت جميع الأسرار.. في تلك الفترة تمكن من الاطلاع على خطط البنتاغون التي كان يشرف عليها وزير الدفاع..
وخاصة مع اشتداد الصراع المسلح في فيتنام.. وكان ذلك في السنوات الأخيرة من عقد الستينات.. راعته المشاريع الرهيبة التي كانت تقضي باستخدام الجبروت العسكري ضد خصوم واشنطن.. حتى ولو بلغ الأمر حد الاحتكام إلى السلاح النووي.. بكل ما قد يلحقه بملايين البشر في أقطار هؤلاء الخصوم من خسائر فادحة في الأرواح أو في المصابين.. وصدمته أيضا حقيقة أن رؤوس الإدارة الأميركية أصدروا قرارات بتفويض مرؤوسيهم باتخاذ قرارات جسيمة الخطورة ومنها بالذات استخدام تلك الأسلحة الفتاكة بحق الأقطار والشعوب لهذا عكف الزبورغ على كتابة مذكرة تحذر من النتائج الفادحة التي يمكن أن تنجم عن هذه الأوضاع.
يقول مؤلف الكتاب (ص162): في مذكرته أكد الزبورغ مراراً على ضرورة ألا تحمّل أميركا شعوب روسيا أو الصين أو شرق أوروبا المسؤولية عن تصرفات قادة تلك الشعوب.. ومن ثم يتعين على واشنطن أن تسعى في استجابتها العسكرية في حال نشوب حرب إلى التقليل إلى أدنى حد من حجم الخسائر البشرية.. وهذا معناه الامتناع عن شن هجمات عشوائية على المراكز (أو التجمعات)المدنية..
هكذا جمعت منطلقات دانييل الزبورغ بين البحث العلمي والفكر الاقتصادي والفهم العسكري مع مسحة من التفكير ؟ السلوك المثالي.. وربما مع لمسة إنسانية تتعاطف مع ملايين السكان المدنيين الذين كان هذا المثقف الأميركي يعرف ويتابع ويعايش مدى معاناتهم الفظيعة خلال اشتعال حرب فيتنام.
معاناة مثقف وإنسان
يوضح المؤلف كيف استمرت معاناة هذا المثقف الأميركي حين كان عاكفا على أداء واجباته البحثية والتحليلية بين جدران مبنى «راند» في سانتا مونيكا ؟ كاليفورنيا.. دامت هذه المعاناة أكثر من سنتين.. حاول خلالهما ؟ كما يؤكد كتابنا ؟ (ص213)أن يوقف الحرب من داخل صفوف الحكومة موضحا مدى فشل سياسة إدارة المجهود الحربي لأميركا في فيتنام.. ومؤكدا أن السياسة التي تتبعها واشنطن لن تفضي ؟ في رأيه ؟ سوى إلى طريق مسدود مخضب بالدماء.
يواصل المؤلف الحديث.. يقول: لم يسمع له أحد.. لا وزير الدفاع ماكنمارا.. ولا رئيس الجمهورية جونسون.. ولا المستشار السياسي هنري كيسنغر.. بل لم يجد آذانا صاغية حتى من جانب رؤسائه داخل مؤسسة «راند» نفسها. ويعلق المؤلف أيضا فيستطرد قائلا: بالنسبة للقادة الأميركان.. كان التغيير يعني التراجع وكان التراجع يعني العار.. والموت أهون من هذا كله..
ومن المفارقات التي يوضحها كتابنا، والتي كان لها أعمق وربما أسوأ الآثار على نفسية الباحث الراندايتي الزبورج، حقيقة النفاق السياسي الذي لمسه الرجل شخصيا في سلوك الرئيس الأميركي الجديد ريتشارد نيكسون: حين دخل الرئيس إلى البيت الأبيض مع أوائل عام 1969 أعلن أنه ينوي تحجيم ومن ثم وضع نهاية لحرب فيتنام..
ورغم ما ساد من تفاؤل في أميركا والعالم.. فإن البرقيات الشفرية والتعليمات السرية التي أتيح أن يطلع عليها الزبورغ كانت تعبر عن صورة معاكسة على طول الخط، صورة تؤكد عزم نيكسون على مواصلة الحرب بل وتوسيع مداها مستخدما في ذلك أساليب الاستخبارات السرية.. وربما يصل الأمر إلى أن يأمر نيكسون بالقاء قنبلة ذرية على هانوي ؟ عاصمة الشمال في فيتنام!
هنالك استجمع دانييل الزبورغ شجاعته وربما غرابة أطواره أيضا وخلص إلى نتيجة يلخصها الكتاب على النحو التالي (ص214): إذن.. فالطريقة الوحيدة لوقف هذا الجنون هي أن يوضع هذا التاريخ بأكمله أمام الجمهور الأميركي..
ومرة أخرى يعلق المؤلف قائلا: كان الزبورغ على يقين بأن، أميركا، جديرة بأن تعلن تمردها بحق الذين ارتكبوا جرائم الحرب في هذا الصراع باسم الوطن.
وتشاء المقادير أن يكون الزبورغ هو المدني الوحيد المسؤول عن حفظ وصون محتويات ومفردات هذا التاريخ.. الذي كان وزير الحربية قد أمر بتدارسه واستخلاص دروس التورط الأميركي في فيتنام. و.. هكذا استقر رأي الزبورغ على كشف الأمور.. مدعومة بالوثائق والمستندات. ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟
اقتحام أسوار السرية
كانت السرية في «راند» أصعب وأشد إحكاماً حتى من السرية بالدوائر العسكرية في البنتاغون وكم تمكن الزبورغ خلال خدمته بوزارة الدفاع أن يحمل في حقيبته برقيات ومراسلات ممهورة بخاتم «سري للغاية» دون أن يراجعه في ذلك ضابط الأمن في البنتاغون ؟ لكن داخل «راند» كانت كل المواد السرية محفوظة في خزائن فائقة السرية لا يقربها أحد إلا وفق ترتيب معين.
«صحيح أن الزبورغ يتعرض لأي تفتيش وهو خارج من مبنى «راند».. لكن من يضمن أنه لن يتعرض لتفتيش مباغت ليلة تنفيذ ما فكر في الإقدام عليه.
السؤال: ما الذي فكر في الإقدام عليه؟
جواب من المؤلف باختصار شديد إنه السرقة.
هذا هو بالضبط عنوان الفصل 15 من كتابنا الذي يبدأ بتاريخ الإقدام على اختلاس أوراق (وثائق) البنتاغون يوم الأول من أكتوبر عام 1969. تبدأ دراما هذا الفصل كما يلي: (البروفيسور) دانييل الزبورغ يحشو حقيبته المنتفخة بالمستندات ويسير بعصبية عبر أروقة مقر «راند» في سانتا مونيكا.. الوثائق التي يحملها.. كلها ممهورة بخاتم «سري للغاية» هي جزء من سلسلة قوامها 47 مجلدا من دراسات حرب فيتنام.. لم يبق من هذه السلسلة سوى جزءين لا غير وفي حوزة الزبورغ واحد منهما ؟ في حين تم توزيع الجزء الثاني في إطار من السرية الكاملة على مكاتب كبار المسؤولين في مكتب وزير الدفاع الجديد «ملفين ليرد».
يواصل المؤلف الحديث قائلاً: كانت الأوراق تتبع مسار تاريخ التورط الأميركي في جنوب شرقي آسيا ؟ ولكن بالنسبة إلى الزبورغ كانت تحوي أيضاً تفاصيل سنوات من الخداع القاتل ؟ وكان الرجل عاقدا العزم على أن يحكي القصة المؤسفة بكاملها.. حتى ولو قيض له أن يمضي ما تبقى من سنوات حياته خلف القضبان بوصفه مداناً بالخيانة.
بين الأمن والشرطة
تتابعت دقات قلبه وهو يفتح أبواب الأمن المزدوجة.. يجلس ضابطا أمن إلى مكتب ومن خلفهما ملصقات على الحائط تحمل شعارات من أيام الحرب العالمية الثانية.. إلى جوارها لوحة تصور عددا من المحققين وأمامهم يجلس متهم تعيس مشبوه.. دق قلبه بعنف.. ترددت خطاه لحظة فاستجمع كل ما تبقى في كيانه من رباطة جأش وهو يعبر الباب الزجاجي.. ثم إشارة للتعرف من أحد الحراس.. بعدها ابتسم قائلا: ليلتك سعيدة يا دان. من ناحيته لوح دان ؟
الزبورغ بيده الخالية من الحقيبة.. أومأ برأسه مجيبا.. وخرج مفارقا المبنى إلى ساحة السيارات.. التي يجاورها أيضا مركز شرطة سانتا مونيكا.. بشعور من الارتياح دلف إلى سيارته الألفا روميو.. التي قادها وقد تنفس الصعداء حريصا على ألا يتجاوز السرعة التي حددها القانون.
في مسكن أصدقائه.. بدأ العمل على آلة النسخ بالتصوير ؟ زيروكس ؟ كان جهدا شاقا فالمجلدات سميكة والمستندات غزيرة والمطلوب استخلاص أكبر عدد ممكن من صورها المنسوخة.. و.. فجأة سمعوا دقتين على الباب الخارجي ؟ ليظهر أمامهم اثنان من رجال الشرطة.. ساعتها ترددت بين ضلوع الزبورغ عبارات ومعان من قبيل: يا إله السموات.. هؤلاء قوم في غاية المهارة فكيف اكتشفوا الأمر بهذه السرعة؟ تمثلت في مخيلته ولاشك صورة المحققين..
المحاكمة.. الإدانة والسجن.. فما الذي سيحدث لطفليه وقطع هذه التأملات المفزعة صوت الضابط يقول: عفوا يا سيد.. سمعنا جهاز إنذار انطلق بأصواته. وبين عبارات الأسف ومجاملات الشرطة.. استرد الزبورغ بعض أنفاسه.. خاصة وقد كان يخاطب رجلي الشرطة وهو يخفي بيديه معالم مستند سري للغاية مهيأ للنسخ في آلة التصوير.
و.. هكذا جرى تسريب (أو سرقة)أوراق البنتاغون وكانت حدثاً أشبه بانفجار قنبلة سياسية وإعلامية يقول عنها المؤلف في السطور الأولى من الفصل السادس عشر ما يلي: جاء الكشف عن أوراق البنتاغون بمثابة ضربة وحشية لمؤسسة «راند» ذاتها. كيف لا وقد أقدم على ارتكاب الفعل شخص مثل دانييل الزبورغ الذي كانوا ينظرون اليه بوصفه الفتى الذهبي في قلعة البحوث الشامخة.. فما بالك وقد أفشى الفتى الذهبي كل هذه الأسرار إلى جريدة «نيويورك تايمز» التي أذاعتها على مسمع ومرأى من الدنيا كلها.
اضاءة
من المفارقات التي يوضحها كتابنا، والتي كان لها أعمق وربما أسوأ الآثار على نفسية الباحث الراندايتي الزبورج، حقيقة النفاق السياسي الذي لمسه الرجل شخصيا في سلوك الرئيس الأميركي الجديد ريتشارد نيكسون: حين دخل الرئيس إلى البيت الأبيض مع أوائل عام 1969 أعلن أنه ينوي تحجيم ومن ثم وضع نهاية لحرب فيتنام..
ورغم ما ساد من تفاؤل في أميركا والعالم.. فإن البرقيات الشفرية والتعليمات السرية التي أتيح أن يطلع عليها الزبورج كانت تعبر عن صورة معاكسة على طول الخط، صورة تؤكد عزم نيكسون على مواصلة الحرب بل وتوسيع مداها مستخدما في ذلك أساليب الاستخبارات السرية.. وربما يصل الأمر إلى أن يأمر نيكسون بالقاء قنبلة ذرية على هانوي ؟ عاصمة الشمال في فيتنام!
هنالك استجمع دانييل الزبورج شجاعته وربما غرابة أطواره أيضا وخلص إلى نتيجة يلخصها الكتاب على النحو التالي (ص214): إذن.. فالطريقة الوحيدة لوقف هذا الجنون هي أن يوضع هذا التاريخ بأكمله أمام الجمهور الأميركي..
الصفحات: 388 (متوسط)
عرض ومناقشة : محمد الخولي
الناشر: هاركور، نيويورك