في تحليله النقدي لمحتويات كتابنا، يعمد الكاتب الأميركي «جاكوب هلبرون» إلى الربط بين مؤسسة «راند» وبين فصيل المحافظين الجدد الذين تمكنوا من السيطرة على مقاليد الإدارة الأميركية طيلة السنوات الثماني من ولاية الرئيس جورج بوش ـ الابن في البيت الأبيض.

نلاحظ أولا أن «جاكوب هلبرون» أصدر من جانبه كتابا عن صعود المحافظين الجدد وحمل هذا الكتاب عنواناً آخر هو: «كانوا يعرفون أنهم على حق»..

ومن ثم فقد أصاب مؤلف كتابنا عندما توقف مليا بدوره في كتابه عند العلاقة بين راند وبين المحافظين الجدد، خاصة وقد حاول إغناء هذه النقطة بالتركيز على جوانب مثيرة من قبيل ما يلي: اتباع سياسة التخويف المستمر من العدو.. الآخر ـ المتربص دوما بأمن أميركا وشعبها وكيانها، إلى جانب إبقاء الجماهير.. في حالة ترويع متواصل من الخطر النووي وخاصة حين كان الآخر هو الاتحاد السوفييتي.

على صفحات هذا الكتاب تتجلى معالم اثنين من أهم الشخصيات القيادية التي تولت زمام الأمور في توجيه مؤسسة راند: الشخصية الأولى هي «هيرمان كاهن».. الزميل الباحث في راند.. يصفه مؤلفنا بأنه كان نموذجا يجسد بكل معنى شخصية محللي مؤسسة راند من حيث اعتقاد الفرد منهم بما يشبه اليقين بأنهم صفوة متفوقة فكريا وعقليا..

وبأن مؤسستهم العنيدة مشغولة بأمر محوري تجسده عبارة واحدة المحنا إليها وهي: التفكير فيما لا يجوز التفكير فيه. بمعنى أنها تتجاوز ما تعارف عليه الناس.. وأنه مسموح لها ـ بحكم التفوق العلمي والحرية البحثية ـ أن تطرق موضوعات وتناقش قضايا في غاية الأهمية والخطورة.

كان هيرمان كاهن شخصية غير مألوفة يعيش ويعمل وسط سحابات دخان التبغ على نحو ما ساد عقدي الخمسينات والستينات مفرط الطول والبدانة.. موضوعه الأثير هو أن نهاية العالم ليست بالأمر المستبعد بسبب أسلحة الدمار النووي..

يتبنى أفكارا مخيفة وأحيانا مرعبة.. يعبر عنها مؤلف كتابنا كما يلي (ص95): كان الموت هاجسه الأكبر: موت الملايين من البشر.. وربما عشرات أو حتى مئات الملايين وكان يحلو للبروفيسور كاهن أن يردد قائلا: إذا كان موت 180 مليون إنسان ثمنا فادحا لمعاقبة السوفييت على عدوانهم علينا فما هو الثمن الذي مازلنا على استعداد لأن ندفعه؟

هوس الحرب النووية

في سنة 1960 نشر البروفيسور كاهن كتابا بعنوان «عن الحرب النووية».. ومن سطور هذا الكتاب انتشرت أفكار ودعايات وأقاويل في أنحاء عالم ذلك الزمان حول عدوان نووي.. وخراب بسبب قصف القنابل الذرية وضرورة وإنشاء الملاجئ والمخابئ التي يأوى إليها الناس في محاولة اتقاء خطر القصف والإشعاع النووي.. وبلغ الأمر أن طالب البروفيسور كاهن بتمييز أصناف الأطعمة المباعة للناس على أساس نسبة تلوثها بالمواد النووية ـ الاشعاعية..

أدى الكتاب إلى نشر موجات من الفزع العام وبالتالي إلى زيادة حدة التوتر الخطير في علاقات المعسكرين الشرقي (السوفييتي) والغربي (الأميركي بالذات).. ولهذا قوبل الكتاب برفض شديد حتى من جانب زملاء البروفيسور كاهن من كبار الأساتذة والباحثين في مؤسسة راند وبلغ استفزازهم لدرجة أن قال أحدهم في صيحة مبالغة بطبيعة الحال: هذا الكتاب يستحق.. الحرق.

بدرت هذه الصيحة الغاضبة من أستاذ باحث آخر هو البروفيسور «ألبرت هولستر».. وكان منافسا عنيدا للبروفيسور «كاهن».

من ناحيته كان هولستر مؤمنا بفداحة الخطر العسكري السوفييتي. لكنه كان مدركا لجسامة النتائج التي يمكن أن تترتب على استخدام السلاح النووي سواء للهجوم أو للدفاع.. ولهذا كانت دعوته أو بالأدق تبشيره بأهمية تطوير أسلحة جديدة غير تقليدية طبعا ولكنها تكفل تلافي استخدام الأسلحة النووية بما ينجم عنها من اشعاعات هكذا كانت دعوته لحشد جهود العلماء والباحثين في «راند» إلى تطوير تكنولوجيا أرقى نوعية وأكثر فاعلية وأبعد في مضمار التقدم العلمي.

ميزان الرعب الحساس

يومها كتب مقالا أصبح الآن له أهمية تاريخية فضلا عن أهميته العلمية ـ الاستراتيجية واختار له عنوانا مازال يتردد في أدبيات السياسة والإعلام وهو: ميزان الرعب الحساس نشرت المقال مجلة «فورين أفيرز» الشهيرة المعنية بالشؤون الخارجية والعلاقات الدولية وبلغ من أهمية هذه المقالة التحليلية الضافية أن يقارنها المؤلف (ص118) بالمذكرة الشهيرة التي حملت عنوان «المذكرة إكس».

وقد بعث بها من موسكو جورج كينان، أشهر الدبلوماسيين الأميركان وكان سفيرا لبلاده لدى الاتحاد السوفييتي في تلك الفترة المحورية من ذروة الحرب الباردة، ودعا فيها إلى تطبيق نهج سياسي ظل معتمدا في السياسة الأميركية تجاه الخصم السوفييتي طيلة النصف الثاني من القرن العشرين.. ويميزه العنوان التالي، سياسة الاحتواء من جانبة دعا رجل «راند» القوي، البروفيسور هولستر، إلى ما وصفه بأنه الردع الاستراتيجي..

وحلل باستفاضة علمية قدرات الخصم السوفييتي مؤكدا كما يوضح مؤلف كتابنا ـ على أهمية التكنولوجيا الحديثة المتطورة وابتكار نظام للتسلح غير النووي وهو ما يجعل الرد النووي أمرا غير ضروري.. وبهذا فقد استبق المقال المذكور ما شهده عقد التسعينات من تغيير في عقيدة الجيش الأميركي التي حملت عنوانا مختصرا من حروف هي: «آر.. إم.. إيه» وترجمتها الكاملة هي: «ثورة في الشؤون العسكرية»..

تطوير البحوث العسكرية

الشاهد في هذا كله أن مؤسسة «راند» بكل ما احتوته من توجهات في مضمار البحث العلمي والفكر الحر والدراسات الرصينة ـ وكل من كانت تضمه في مبناها الشهير في سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا ـ كانت في التحليل الأخير معملا أو مختبرا لتطوير البحوث العسكرية واستنباط أساليب الدفاع والاستجابة..

والرد والردع خلال حقبة الحرب الباردة، صحيح أن «راند»، ومعها المؤسسة المنافسة بالتوازي التي تحمل اسم «بروكنغنز» يحف بهما العديد من مؤسسات ومراكز البحوث في الولايات المتحدة.. أصبحت في مجملها تتناول العديد من قضايا السياسة والاقتصاد. ومنها ما يركز على مناطق جغرافية بعينها من خارطة العالم.. كالشرق الأوسط أو جنوب آسيا أو أميركا اللاتينية..

ومنها ما قد يهتم بجانب من علوم الإنسانيات وفي مقدمتها علم النفس وتطبيقاته في مجال العلوم السلوكية أو يهتم ببحوث الإعلام والاتصال الجماهيري نظريا وميدانيا (أمبريقيا) ـ إلا أن المنطلق الأساسي في حالة «راند» وهي محور كتابنا، بقدر ما أنها تجسد نموذجا لهذه النوعية من مؤسسات البحث العلمي، هو الشأن العسكري الذي يرتبط وثيقا بقضايا الدفاع الوطني والأمن القومي.

ولعل هذا الشأن هو الذي أمد ولا يزال يمد هذه المؤسسات باعتمادات مالية بالغة السخاء من جهة، كما أنه يضفي أهمية فائقة على بحوثها التي لاشك يحرص على متابعتها واستيعابها كبار الساسة وصانعي القرار.

هذا الارتباط بين الشأن العسكري والبحث العلمي.. كان لابد وأن يتم ويتفاعل إلى حيث يصل بين النظرية والتطبيق العملي.. بين الفكر والتفعيل على أرض الواقع.. بين العلم والتكنولوجيا.. هنا دخل على أرضية العنصر العسكري عامل حيوي هو دوائر التصنيع وهي الكفيلة بداهة بنقل القضايا العسكرية من مجال البحث العلمي المجرد إلى مجال التنفيذ والتطبيق العملي الملموس.. هذا الزواج ؟ كما قد نسميه ؟

بين الدوائر العسكرية والدوائر الصناعية كان يقتضي عنصرا ثالثا يرتب له ويهيئ لاتمامه. وجاء هذا العنصر الثالث متمثلا في رجال السياسة بشكل عام.. وفي أعضاء الكونجرس الأميركي على نحو خاص وهذا هو بالضبط ما تنبه إليه بل وعايش عن قرب وقائعه ـ فلمس خطورته ـ الرئيس الأميركي الأسبق دوايت ايزنهاور.

خطاب ايزنهاور الوداعي

في الفصل التاسع من كتابنا يتوقف بنا المؤلف عند يوم 17 يناير عام ,1961. كان ايزنهاور يستعد لتسليم مقاليد الرئاسة في البيت الأبيض لرئيس أميركي جديد هو جون كينيدي يومها بلور أيزنهاور خلاصة تجربة الطويلة سواء في المضمار العسكري حيث قاد جيوش الحلفاء إلى النصر النهائي على هتلر في الحرب العالمية الثانية أو تجربته عبر 8 سنوات رئيسا لبلاده مع اندلاع الحرب الباردة على مهاد الصراع السياسي.. المهدد بنذر الخطر العسكري وأودعها في خطاب رئاسي.

يتوقف بنا المؤلف عند مسودات هذا الخطاب الوداعي الذي كان ايزنهاور يستعد في مساء ذلك اليوم البارد من يناير لتوجيهه إلى الأمة الأميركية.. يوضح مؤلفنا أن المسودة قبل الأخيرة من الخطاب كانت تحوي تحذيرا من جانب ايزنهاور ضد خطر رآه ماثلا وداهما يتمثل في تحالف ثلاثي أراد أن ينبه الأمة الأميركية إلى خطورته وعناصر هذا التحالف هي:

العنصر العسكري والصناعة والكونجرسوعمدت مسودة الخطاب إلى استخدام مصطلح «المجمع» بمعنى المحالفة المترابطة الوثيقة بين مصالح رجال العسكرية ومصالح دوائر الصناعة ومصالح أعضاء الكونجرس البرلمانيين.. وبمعنى أن أهل العسكرية يريدون أسلحة متطورة يتولى الصناعيون انتاجها مستفيدين من المخصصات المالية الطائلة.. وهي المخصصات التي يتولى رصدها وإقرارها في الميزانيات القومية أهل البرلمان في مجلسي الكونجرس في واشنطون.

يقول مؤلف الكتاب في الفصل التاسع: كان الرئيس ايزنهاور قد أودع آخر مسودات الخطاب اشارته إلى ما وصفه بخطورة «المجمع العسكري ـ الصناعي ـ البرلماني» وكانت الأجواء السياسية وقتها مشحونة بما نشرته وسائل الإعلام نقلا عن إحدى مؤسسات البحث العلمي المسموعة الكلمة.. بأن أميركا تواجه خطرا داهما إزاء الخصم الروسي ويتمثل هذا الخطر فيما وصفوه أيامها بأنه «ثغرة الصواريخ» بمعنى أن واشنطون متخلفة عن منافستها موسكو في مجال القاذفات الصاروخية المدمرة. ولم تكن الجهة البحثية الموقرة سوى مؤسسة «راند» محور الكتاب الذي نحلل مضمونه في هذه السطور..

تحذير محوري

وبينما كان الرئيس المستجد كيندي يستعد لتسلم السلطة.. عاود الرئيس السابق ايزنهاور مراجعة المسودة.. وعمد ـ كما يضيف مؤلفنا ـ إلى حذف العنصر الثالث ـ الخاص بالكونجرس من تحالف المصالح الذي يحذر منه.. وجاء خطابه محذرا كما أصبح معروفا من خطورة المجمع العسكري ـ الصناعي وهو التحذير الذي ما لبث أن ما برح جزءا متبلورا من الأدبيات السياسية الأميركية حتى كتابة هذه السطور.

يمضي المؤلف ليوضح أيضا أن الرئيس كينيدي الذي فاز على منافسه الجمهوري ريتشارد نيكسون بفارق ضئيل في الأصوات.. جاء فوزه بفضل مؤسسة «راند» التي كان مستشاروها وباحثوها يطلقون تحذيراتهم إزاء استضعاف أميركا أمام خصمها الشيوعي وفي مجالات السلاح والدفاع على وجه الخصوص.

الصفحات: 388 (متوسط)

الكتاب: راند وصعود الإمبراطورية الأميركية

تأليف: اليكس ابيللا

عرض ومناقشة : محمد الخولي

الناشر: هاركور، نيويورك، 2009