بعد أن عرض المؤلف بالتفصيل لرؤيته ومنهجه في الكتاب بشكل مفصل، انطلاقاً مما قد يبدو للقارئ من غرابة الفكرة المتعلقة بمحاولة التنبؤ بمسار العلاقات الدولية على مدار قرن مقبل، يبدأ في تفصيل فرضيته الرئيسية التي يبني عليها كتابه، والتي تثير أكبر قدر من الجدل والمتمثلة في أن القرن الجاري إلى نهايته سيكون قرنا أميركيا. وواعيا بمدى النقد الذي سيوجه له يحاول المؤلف أن يفند الرأي المخالف انطلاقا من عدة حقائق يرى أنها تدعم رؤيته.

في معرض تناوله لهذا الجانب يشير المؤلف إلى وجود اعتقاد راسخ داخل أميركا بأنها على حافة الهاوية، الأمر الذي يكشف عنه العديد من المظاهر، ويمكن ملاحظته من رسائل القراء للصحف، أو عبر شبكة الإنترنت، أو حتى مجمل الخطاب العام. ويقوم هذا الاعتقاد على أساس أن الحروب الكارثية والعجز المتواصل الذي أفلت من السيطرة، وارتفاع أسعار الوقود وحالات إطلاق النار في الجامعات والفساد في القطاع والحكومة ذاتها.. كل ذلك يوحي بأن الحلم الأميركي قد انهار وأن أفضل أيام أميركا في الماضي وليس المستقبل.

يقول المؤلف في معرض التقليل من وقع الأقوال والحجج بشأن تراجع القوة الأميركية: الغريب أن كل هذه المؤشرات كانت موجودة أيام نيكسون ما يعبر ـ من وجهة نظره ـ عن خوف مستمر من أن الازدهار والقوة الأميركية قاب قوسين أو أدنى من الزوال. ويوضح أن هذا الشعور لا يرتبط بأيديولوجية معينة، ولكنه موجود بين المسيحيين المحافظين ـ اليمين ـ وأيضا النشطاء من أجل البيئة ـ اليسار. فهناك حالة بالحنين للخمسينات ـ وقت البساطة لكن التاريخ يشير إلى أن الخمسينات كانت عصر القلق والتشاؤم العميق.

غير أن المؤلف يشير إلى أن حقائق القوة الأميركية لا تخفى على أحد، فإذا كان الأميركيون يشكلون نحو ؟% من سكان العالم، فإنهم ينتجون نحو 26% من الإنتاج العالمي. وفي عام 2007 وصل معدل الناتج القومي إلى 14 تريليون دولار مقارنة بمعدل عالمي قدر بـ 54 تريليونا.

وفيما يشير إلى حجم الفارق فإن الدولة الثانية التي تأتي بعد الولايات المتحدة وهي اليابان يقدر معدل ناتجها القومي بنحو 4,4 تريليونات دولار، أي نحو ثلث الناتج القوم الأميركي. كما أن حجم الاقتصاد الأميركي بالغ الضخامة إلى حد أنه يتجاوز أكبر أربعة اقتصادات عالمية تشمل اليابان وألمانيا والصين والمملكة المتحدة.

القدرة على النمو

على هذا النحو يواصل المؤلف تفنيد الحجج الخاصة بتراجع الوضع الأميركي، سواء على مستوى التصنيع أو على مستوى موارد الطاقة سواء كانت النفط أم الغاز بمعنى آخر إن الولايات المتحدة ما زال لديها القدرة على النمو.

وفي مجال تفسير القوة الأميركية على الصعيد الاقتصادي ينسب المؤلف جانبا كبيرا منها إلى القوة العسكرية فهي تسيطر بشكل كامل على قارة غير معرضة بشكل أو بآخر للغزو أو الاحتلال وتهيمن بفعل قوتها العسكرية على الجيران. بينما واجهت مختلف القوى العالمية الأخرى حروبا مدمرة أثرت على قدرتها خلال القرن العشرين.

وإذا كانت الولايات المتحدة شنت حربا بالفعل، فإنه لم تعايش خبرة الحرب على أرضها. لقد أوجدت هذه الحقائق العسكرية والجغرافية حقائق أخرى على الصعيد الاقتصادي. ففيما قضت دول أخرى وقتا كبيرا في التعافي من آثار الحروب التي خاضتها، لم تواجه الولايات المتحدة وضعا مماثلا.

وفي تعداد لمظاهر القوة الأميركية يقول المؤلف إن الولايات المتحدة تسيطر على كل محيطات العالم.. ففي أي مياه دولية تتحرك السفن فإنها تقع تحت أنظار الأميركيين، وهذا أمر لم يحدث من قبل في تاريخ البشرية. وهذا يعني حسب المؤلف أن الولايات المتحدة يمكنها أن تغزو دول عديدة في العالم، دون أن يكون هناك إمكانية لغزوها، وهو ما يعني كذلك تحكم الولايات المتحدة بالتجارة الدولية.

هنا يحاول المؤلف التقليل مما يراه عوارض أمام القوة الأميركية ويراها عوامل مؤقتة معتبرا أن العامل الأكثر أهمية في الشؤون العالمية هو التفاوت الاقتصادي الهائل والعسكري والسياسي.

وعلى ذلك يقرر أن أي محاولة لتوقع مسار القرن الحادي والعشرين دون الأخذ في الاعتبار الطبيعة غير العادية للقوة الأميركية تتجاوز نطاق الواقع. بل يصل المؤلف في انحيازه لفكرة القوة الأميركية إلى حد التأكيد على أنه يقدم فرضية خاصة به تتمثل في أن الولايات المتحدة تقف على أعتاب ممارسة قوتها ما يجعله يؤكد على فكرته الرئيسية بأن القرن الحادي والعشرين سيكون قرنا أميركيا.

حالة مراهقة ممتدة

إن أميركا ـ حسب فريدمان ـ تعيش ما يصفه بحالة مراهقة ممتدة، إنها صغيرة السن ولهذا فهي مجتمع غير ناضج، وهو التوصيف الذي يراه مسوغا للقول إن أميركا في مرحلة مبكرة من قوتها ولم تكمل تحضرها وأنها مثل أوروبا في القرن السادس عشر ما زالت بربرية ـ وصف وليس حكما أخلاقيا حسبما يقول فريدمان. ففي مرحلة البريرة لثقافة الشعوب يعتقد أهل القرية أن عاداتهم هي قانون الطبيعة وكل من يخالفها يستحق الاحتقار.

المرحلة التالية هي مرحلة التحضر كأوروبا في القرن الـ 18 و19 حين يكون من الممكن أن يوازن المتحضر بين أفكار متناقضة ويعتقد أنه يقترب من الصواب مع احتمال الخطأ وقليلا ما يحارب ولكنه يحارب بكفاءة عالية وآخر المراحل هي الانحلال حين لا يكون هناك ما يستحق القتال من أجله.

هذا التأكيد، حسب فريدمان، يقوم على نقطة عميقة تتمثل في أنه على مدى الخمسمئة سنة الأخيرة قام النظام الدولي على هيمنة أوروبا (الأطلسية)، الدول الأوروبية التي تطل على المحيط الأطلنطي: البرتغال، أسبانيا، فرنسا، انجلترا، وإلى حد ما هولندا. لقد غيرت هذه الدول العالم من خلال إنشاء أول نظام سياسي واقتصادي عالمي في التاريخ الإنساني.

وقد انهارت هذه القوى الأوروبية خلال القرن العشرين وأوجد ذلك حالة من الفراغ الذي تم شغله من قبل الولايات المتحدة القوة المهيمنة في شمال أميركا، والقوة الدولية والقوى العظمى الوحيدة التي تطل على المحيطين الأطلنطي والهادي. لقد شغلت أميركا الشمالية المكانة التي احتلتها أوروبا لخمسة قرون بين رحلة كولومبوس عام 1492 وسقوط الاتحاد السوفييتي 1991 بشكل أصبحت معه مركز الجاذبية في النظام الدولي.

تطور القوة الأميركية

يقدم المؤلف تحليلاً شاملاً يستعرض من خلاله كيف وصلت الولايات المتحدة إلى هذا الوضع من القوة مستعرضا موقفها من الحرب العالمية الأولى والتي كانت المؤشر على بزوغها ثم تطورات الحرب الثانية وكيف كانت الفرصة لتسلم القيادة من بريطانيا ثم تطورات الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي من أجل احتوائه كقوة منافسة لها على قيادة النظام الدولي. ويخلص من خلاله إلى أن الولايات المتحدة لاتزال تملك مقومات القوة التي تجعلها على رأس العصر الجديد. فالقوة الأميركية متأصلة في الاقتصاد والتكنولوجيا والحقائق الثقافية بأن الدولة ستستمر في الصعود عبر القرن الحادي والعشرين.

وفي تاريخه للعصر الأميركي يقول فريدمان إنه بدأ في ديسمبر عام 1991 عندما انهار الاتحاد السوفييتي تاركا الولايات المتحدة وحدها على رأس النظام الدولي.

غير أنه يضيف أن القرن الحادي والعشرين بدا حقيقة مع 11 سبتمبر 2001 بعد ذلك بعشر سنوات عندما وقع الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي والبنتاغون. لقد كان ذلك، حسب فريدمان، أول اختبار حقيقي للعصر الأميركي. ويضيف أنه قد يكون من الجوانب المثيرة للجدل ما إذا كانت الولايات المتحدة انتصرت أم لا في الحرب التي خاضتها على خلفية تلك الهجمات، عير أنه من المؤكد أنها حققت أهدافها الإستراتيجية.

هنا وفي تفنيد غير مباشر لأطروحة الرئيس الأميركي بوش بشأن الحرب المستمرة على الإرهاب يقول المؤلف إن الناس يتحدثون عن «الحرب طويلة الأمد» وفكرة أن الولايات المتحدة والمسلمين سيكونون في حالة حرب على مدار القرن الجاري.

ويعتبر ذلك، كما هو العادة، بمثابة نوع من التناول غير الصحيح للأمور يقوم على اعتبار ما هو عابر شيء دائم ومتواصل. ويضيف انه في حال اعتماد المعيار المتعلق بالعشرين عاما الذي أشار إليه من قبل، فإن الصراع قد يستمر، ولكن التحدي الإستراتيجي للقوة الأميركية سيصل إلى نهايته، فالقاعدة فشلت في أهدافها والولايات المتحدة نجحت، إلى حد ما في حربها للحيلولة دون أن يحقق خصومها مكاسب. ومن منظور جيوسياسي فإن هذا جيد بما فيه الكفاية.

تداعيات الانهيار السوفييتي

يشير فريدمان إلى أن سقوط الاتحاد السوفييتي كان له تأثير واضح على النظام الدولي. لقد كان وجوده يلقي بتأثيره على توازن هذا النظام. هنا يذكر أنه من المهم تأمل السنوات العشرين الأخيرة والتي ستشكل أساسا لما سيأتي خلال المئة عاما المقبلة. كان من توابع هذا التطور أحداث سلمية على شاكلة توحد ألمانيا وتفكك تشيكوسلوفاكيا.

وأخرى اتسمت بالعنف، وتركزت بشكل أساسي في المنطقة الممتدة من شمالي أفغانستان وحتى يوغوسلافيا فمع تفكك الاتحاد السوفييتي تأثرت هذه المنطقة بشدة حيث انهارت يوغوسلافيا أولا وتبع ذلك حروب عدة، وسادت، الفوضى أجزاء أخرى من المنطقة. هنا يعتبر المؤلف أحداث سبتمبر امتداد لتطور الأوضاع في تلك المنطقة قائلا أن الولايات المتحدة في مواجهتها مع الاتحاد السوفييتي حرصت منذ أواخر السبعينات حتى لحظة انهياره على دعم قوى مختلفة في أفغانستان لتقاوم السوفييت.

ومع انهياره تحولت هذه القوى ضدها بفعل الخبرات التي استمدتها من الدعم الأميركي ذاته وهو ما تبعه كما هو معروف غزو أفغانستان ثم العراق.

باختصار كان من جراء انهيار التوازن الدولي أن وجدت الولايات المتحدة نفسها تواجه حالة من الفوضى بدءا من الحدود النمساوية إلى جبال هندوكوش ما فرض عليها التدخل لوضعها تحت السيطرة بنتائج متباينة. من منظور أشمل يقول المؤلف أن 11 سبتمبر أنهى فترة تنظيم الأوضاع فيما بين الحرب الباردة وبداية الحقبة الجديدة.

وهنا يصل المؤلف في تبنيه المنطق الأميركي ـ وقد أشار هو نفسه في مقدمة كتابه ـ إلى القول إنه حتى لو أن الولايات المتحدة هزمت في المنطقة فإن ذلك لم يكن يقوض أساس قوتها العالمية وأن مثل تلك الهزيمة كانت ستعتبر مثل حرب فيتنام مرحلة عابرة. وعلى ذلك فإن حرب الولايات المتحدة على خلفية تلك القضية التي تثير التوتر مع العالم الإسلامي لن تتواصل في تقدير المؤلف أكثر من عقدين، ومع حلول 2020 ستكون قد انتهت، وستبدأ الولايات المتحدة تجد نفسها في مواجهة تحديات مختلفة.

أميركا والعالم الإسلامي

في عبارة محددة لوصف خلاصة التطورات على صعيد هذه القضية، يقول المؤلف إن بقاء العالم الإسلامي الذي تنطلق منه الحرب على الولايات المتحدة في حالة فوضى يمثل بمثابة تحقيق هدف إستراتيجي أميركي، وأن كان يشير إلى أن الولايات المتحدة في سعيها لتحقيق ذلك الهدف أوجدت حالة من العداء البالغة لها في العالم الإسلامي بالشكل الذي قد يجعلها عرضة لهجمات خلال المستقبل المنظور الذي يحدده بعام 2020.

والمهم هو أن الزلزال الذي حدث بالمنطقة جراء هجمات سبتمبر لم يحول المنطقة إلى قوة عظمى، إن لم يكن على العكس، حيث أصبحت المنطقة مفككة أكثر من ذي قبل. ورغم إدانته للتبسيط الأميركي في معالجة الأمر على صعيد خوض حربي أفغانستان والعراق، إلا أنه يؤكد أن ذلك ليس له دلالة على المستوى الإستراتيجي، فما دام المسلمون يقاتلون بعضهم البعض فإن الولايات المتحدة تعتبر قد كسبت الحرب.

ويضيف المؤلف أن هناك أكثر من عنصر في تفسير الحيوية الأميركية ومن بينها الإستراتيجية الكبرى التي تقود السياسة الأميركية الخارجية. وفي هذا الخصوص يشير إلى أن هناك خمسة أهداف حيوية في إطار هذه الإستراتيجية تتداخل وتتكامل من أجل الحفاظ على وتعزيز التفرد الأميركي.

ويتمثل الهدف الأول في الهيمنة الكاملة على شمال أميركا من قبل الجيش الأميركي، القضاء على أي تهديد لها من قبل أي قوى في نصف الكرة الغربي، السيطرة الكاملة على الطرق البحرية إلى الولايات المتحدة من أجل وأد أي إمكانية لغزوها، الهيمنة الكاملة على المحيطات العالمية لتعزيز الأمن الأميركي وضمان السيطرة على نظام التجارة الدولية، منع أي دولة أخرى من تحدي قوتها البحرية العالمية والتي تضمن لها السيطرة على كافة نقاط المرور في العالم.

الصفحات: 253 (متوسط)

الكتاب: المئة عام المقبلة

تأليف: جورج فريدمان

عرض ومناقشة : مصطفى عبدالرازق

الناشر: دبل داي، نيويورك، 2009