جانب مؤلفه، فإذا كان جورج فريدمان قارئاً جيدا للتاريخ، ومحللاً سياسياً ذا رؤية عميقة بشأن الحاضر، فإنه يغامر بتقديم تصورات للمستقبل البعيد تضعه حسب الانطباع الذي قد يخرج به الكثير من القراء في إطار العرافين. غير أن الميزة الأساسية أنه يملك الأدوات التي تمكنه من خوض هذه المغامرة الجسورة، رغم ما يقدمه من توقعات قد تتصادم مع ما نعيشه.
وبعيدا عن رؤاه وعما يبدو من انحيازه الواضح، والذي يبرره بسياقات بالغة المنطقية، للولايات المتحدة فإن الكتاب يمكن أن تقرأه باعتباره سياحة في العلاقات الدولية على مدار ثلاثة قرون، انقضى اثنان منها، والثالث في الطريق نحيا بعض فصوله في اللحظة الحالية. وأما عن تصورات أو نبوءات فريدمان المثيرة للدهشة في الكتاب فهي كثيرة، يأتي على رأسها أن روسيا والصين إلى أفول، وأن هناك قوى أخرى، وهي اليابان وتركيا وبولندا والمكسيك. وعلى هذا المنوال يمكن متابعة كتاب جدير بالاهتمام والقراءة. انطلاقا من موقعه كخبير يقوم على تحليل الواقع، يحاول المؤلف وضع القارئ في سياق التجربة التي يخوضها، حتى لا يظن به سوءا، فيشير إلى أنه ليست لديه كرة سحرية يرى من خلالها المستقبل، ومع ذلك فإنه بناء على الفهم الجيد لمسار التاريخ وما يدور في العالم من حولنا الآن، يمكن لنا توقع ما قد يحدث في المستقبل. وعلى ذلك يضيف أن مهمته تركزت على توقع الأحداث والاتجاهات.
ولأن الفكرة قد تبدو عقيمة يحاصر المؤلف قارئه قائلا: ان محاولة التنبؤ بمسار مئة عام مقبلة يمكن أن تبدو بلا قيمة غير أنها ليست كذلك معترفا مع ذلك بأنه قد يقع في العديد من الأخطاء ولكن الهدف هو تحديد الاتجاهات الرئيسية على الصعيد الجيوسياسي والتكنولوجي والديمغرافي واليقافي والعسكري. وعلى ذلك وفي تواضع بشأن الهدف الذي يأمله من تأليف الكتاب يقول فريدمان إنه سيكون قانعا لو أنه نجح من خلال الكتاب في الكشف للقارئ آلية عمل النظام الدولي اليوم، بالشكل الذي يمكننا معه من تصور كيف سيعمل في المستقبل.
توقع المستحيل
في توضيح لنهجه في التوقع يقول المؤلف إنه ينطلق من تغيير جوهر الشعار الذي يقول: كن عمليا واطلب المستحيل. مؤكدا ان ذلك يمثل الأساس الذي يبني عليه كتابه معتبرا أن ذلك يمثل جوهر الجغرافيا السياسية أو فن ممارسة واستخدام القوة السياسية على الصعيد الدولي، معتبرا أنها ليست ببساطة طريقة طموحة لتفسير العلاقات الدولية، وإنما كذلك طريقة تتعلق بتوقع ما يمكن أن يحدث.
وأنه إذا كان الاقتصاديون يتحدثون عن اليد غير المرئية والتي تقود المصالح الذاتية والأنشطة قصيرة المدى للأفراد من خلالها - حسبما ذهب آدم سميث - الى ما أسماه ثروة الأمم، فإن الجغرافيا السياسية تمثل مفهوم اليد غير المرئية لسلوك الأمم والفاعلين الدوليين الآخرين، فممارسة المصالح الذاتية المنطلقة من المدى القصير على صعيد الأمم من قبل قادتها تؤدي، إذا لم يكن إلى ثروة الأمم، فإنه تؤدي على الأقل إلى سلوك يمكن توقعه بما يمكننا معه توقع شكل مستقبل النظام الدولي.
وكمثال تطبيقي يدعم به المؤلف فكرته، يقدم لنا رؤية تخيلية بشأن المفارقة ما بين ما كان وما جرى خلال القرن العشرين، منطلقا في ذلك من أن المبدأ الحاكم في العلاقات الدولية يتمثل في أن الوضع الذي يبدو عليه العالم في أفضل حال الآن ليس بالضرورة مؤشرا على ما سيكون عليه خلال العشرين عاما المقبلة.
ويضرب مثلا على ذلك ببدايات القرن العشرين، داعيا إيانا لتخيل وجودنا أحياء خلال 1900 ونعيش في لندن حيث مركز حكم العالم وحيث تسيطر أوروبا على العالم .
لقد كانت أوروبا في تلك الفترة تتمتع بحالة سلام ورخاء غير مسبوقين. وكان التفاعل بين الأوروبيين كبيرا بالشكل الذي يجعل البعض يؤكد أن الحرب بين الدول الأوروبية مستحيلة وأنها إذا لم تكن كذلك فإنها ستنتهي خلال أسابيع، نظرا لصعوبة تحمل الأسواق العالمية مثل هذا الوضع بما ستلقيه من آثار كارثية على الأوروبيين.. هكذا بدت صورة المستقبل تقوم على السلام وأن أوروبا التي تتمتع بالرخاء سوف تحكم العالم.
صورة بالغة الاختلاف
لكن ـ يضيف المؤلف ـ إذا ما تخيلنا أنفسنا نعيش في 1920 فإن الصورة ستبدو بالغة الاختلاف، فأوروبا تمزقت بحرب مدمرة كما أن الإمبراطوريات النمساوية ـ المجرية ، والروسية والألمانية والعثمانية قد زالت وقتل ملايين الأشخاص بسبب الحرب التي استغرقت أعواما.
لقد انتهت الحرب عندما تدخلت الولايات المتحدة، بجيش جاء سريعا ورحل بالسرعة نفسها وسيطرت الشيوعية على روسيا ولم يكن يبدو واضحا ما إذا كانت تستطيع البقاء أم لا. كما أن دولا على هامش القوى الأوروبية مثل الولايات المتحدة واليابان بزغت فجأة كقوى كبرى.
على هذا النحو يصحبنا المؤلف في رحلة على تحولات القرن العشرين على صعيد النظام الدولي يؤكد من خلالها أن العديد من التطورات كان من الصعب وضعها في الحسبان رغم أن القراءة الدقيقة للأمور قد تشير إلى إمكانية حدوثها. وفي ذلك يذكر مثلا أن الشيء الوحيد الذي كان يبدو مؤكدا بعد الحرب العالمية الأولى أن معاهدة السلام التي فرضت على المانيا تضمن عدم صعودها ثانية، وهو ما لم يتحقق، حيث ظهرت ثانية وخاضت حربا عالمية ثانية. كما أن الاتحاد السوفييتي الذي لمع نجمه خلال معظم القرن انهار تماما وهو أمر كان من الصعب تخيله.
على هذه الخلفية يقول المؤلف أن التحليل السياسي التقليدي يعاني من فشل عميق في القدرة على التخيل، حيث إنه يتصور أن الرياح العابرة يمكن أن تكون دائمة، فيما يصيبه العمى عن إدراك التحولات ذات المدى الطويل. ومن ذلك مثلا أنه من خلال تحليل وضع ألمانيا في اوروبا خلال القرن التاسع عشر (توحدت عام 1871 وتوجد في موقع يفتقد للأمن بين كماشة الاتحاد السوفييتي وفرنسا وتريد إعادة صياغة النظام الأوروبي والعالمي)، فإن هذا الوضع كان يشير إلى أنها ستكون سببا في أزمات عدة في القارة بشكل يمكن معه توقع نشوب حروب.
أما كيف وأين ومتى على النحو الذي جرى في الواقع فهذا مما يدخل في التفاصيل التي قد يصعب توقعها. ويدعم المؤلف رؤيته التوقعية بالإشارة إلى أن صعود الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي خلال القرن العشرين كان أمرا تم طرحه خلال القرن التاسع عشر. فألكسيس دي توكفيل وفردريك نيتشه توقعا بزوغ نجم هاتين الدولتين.
منتقلا من هذه التهيئة للقارئ إلى الموضوع يصحبنا المؤلف إلى بدايات القرن الحادي والعشرين فيذكر أننا بحاجة إلى تحديد عامل حيوي يمكن القول إنه سيكون منطلق تحريك الأوضاع في القرن الحادي والعشرين على شاكلة عامل توحيد ألمانيا في القرن التاسع عشر والذي حرك الأحداث خلال القرن العشرين.
فيذكر أن هذا العامل يتمثل في القوة التي تتمتع بها الولايات المتحدة وسيطرتها على مقدرات النظام الدولي، فهي بكل المعايير، بغض النظر عن بعض التفاصيل التي تمثل عوارض للقوة الأميركية، تعتبر القوة المهيمنة الأولى على الصعيد الدولي اقتصاديا وعسكريا وسياسيا ولا توجد قوة تناظرها في القوة يمكن أن تمثل منافسا لها، على نحو يقول معه المؤلف، أن العالم يدور في الواقع حول الولايات المتحدة. وهو ما ذكرنا بدعوة باراك أوباما إلى شراكة عالمية وتساؤل المراقبين عن مفهومه عن هذه الشراكة.
الثقل الأميركي
على هذا الأساس يقرر المؤلف بثقة أن القوة التي تتمتع بها الولايات المتحدة، وتدخل بها القرن الحادي والعشرين إلى جانب ثقلها السكاني، تجعل منها الفاعل الأكثر تأثيرا خلال القرن الذي نحياه. ومن هنا كذلك يذكر فريدمان أن تاريخ القرن الجاري وبشكل خاص النصف الأول منه سيتمحور حول الصراع بين طرفين. الأول يمثل القوى الثانوية التي تحاول تشكيل تحالف لاحتواء الهيمنة الأميركية وتقويضها، والثاني يتمثل في الولايات المتحدة التي ستحاول القيام بمبادرات استباقية للحيلولة دون تشكيل مثل هذا التحالف.
يقول المؤلف إنه إذا نظرنا لبدايات القرن الحادي والعشرين باعتباره فجر العصر الأميركي فسنجد أنه بدأ بهجوم عليها من قبل جماعة تدعي انتماءها إلى الإسلام وتسعى لاعادة إنشاء الخلافة الإسلامية ومن هنا كان من الضروري وفقا لمثل هذه الجماعة القيام بهذا الهجوم لإظهار ضعف الولايات المتحدة وجرها الى حرب وإثارة غضب العالم الإسلامي تجاهها. وسترد الولايات المتحدة بعمليات غزو في العالم الإسلامي ليس هدفها الأساسي النصر.
حيث إن مفهوم النصر في هذا المجال ليس له معنى، ولكن هدفها ببساطة هو ضبط الأوضاع في هذا العالم على نحو يحول دون انبعاث هذه الإمبراطورية، وبالتالي الحيلولة دون أن يمثل هذا العالم تحديا لها.
ورغم أن أحداث سبتمبر التي يشير إليها المؤلف جاءت في سياق ما يمكن اعتباره رفضا للولايات المتحدة إلا أن المؤلف يضخم بشكل مبالغ فيه من هدف القائمين على هذا الهجوم، في الوقت الذي يتجنب الخوض في الأسباب التي دفعت هؤلاء للقيام بذلك، بغض النظر عن صحة موقفهم من عدمه. ويعتبر المؤلف أن حرب الولايات المتحدة مع من يصفهم بالإسلاميين قد انتهت وأن المشهد المقبل يحمل صداما جديدا مع قوى جديدة يخصص لها الفصول المقبلة من كتابه.
ويختتم المؤلف تناوله في معرض توضيح فكرته بالإشارة إلى أن القرن الحادي والعشرين سيكون مثل كل القرون السابقة، فسوف يكون هناك حروب وسيكون هناك فقر، وسيكون هناك انتصارات وهزائم. سيشهد القرن العديد من المآسي والأوضاع الجيدة. في القرن الحادي والعشرين سيذهب الناس إلى أشغالهم كالمعتاد..
ولكن القرن سيكون مختلفا بمعنيين: إنه سيكون بداية عصر جديد سيشهد قوى كبرى جديدة على الساحة العالمية. ويضيف نحن الآن في قلب العصر الأميركي ولكي نفهم هذا العصر يجب أن نفهم الولايات المتحدة ليس بسبب أنها بالغة القوة ولكن بسبب أن ثقافتها متغلغلة في العام وتشكله. وعلى شاكلة ما مثلته الثقافة الفرنسية والبريطانية خلال فترة سيطرتهما على النظام الدولي، فإن دراسة القرن الحادي والعشرين يعني دراسة الولايات المتحدة. ويخالف المؤلف بذلك الكثير من الرؤى والتحليلات العميقة التي تؤكد على أن الولايات المتحدة تواجه خطر التراجع على صعيد النظام الدولي لتكون مجرد قوة كبرى بين مجموعة قوى.
انتهاء العصر الأوروبي
يقرر المؤلف أنه اذا كانت هناك من فرضية يقدمها بشأن القرن الحادي والعشرين، فإنها تتمثل في أن العصر الأوروبي قد انتهى، وأن عصر شمال أميركا قد بدأ وأن شمال أميركا سوف تهيمن عليه الولايات المتحدة على مدى المئة سنة المقبلة، وأن الولايات المتحدة ستكون نقطة ارتكاز الأحداث في القرن الحالي وإن كذا لا يعني بالضرورة أن النظام الأميركي يتسم بالعدل أو يستند الى الأخلاق ولا يضمن أن أميركا وصلت إلى مرحلة الحضارة الناضجة، ولكن يعني بشكل أو بآخر أن تاريخ الولايات المتحدة سيكون تاريخ القرن الحادي والعشرين.
الصفحات: 253 (متوسط)
الكتاب: المئة عام المقبلة
تأليف: جورج فريدمان
عرض ومناقشة : مصطفى عبدالرازق
الناشر: دبل داي، نيويورك، 2009