يبدو للكثيرين أن خيارات الاتحاد الأوروبي السياسية والإستراتيجية مرهونة بالنهج الذي يسلكه «الحليف الأكبر»، الأميركي، لكن مقابل ذلك هناك أصوات عديدة، ومؤلف هذا الكتاب من بينها، تطالب بضرورة أن تساهم أوروبا في صياغة مسيرة العالم.
وذلك على قاعدة ما اكتسبته في تاريخها الحديث والمعاصر من تجارب في إدارة الأمور التي تتشارك فيها أطراف متعددة. ثم إن أوروبا تمثل القوة الاقتصادية والتجارية الأولى في العالم.وتتم المطالبة أيضا بأن يأخذ الاتحاد الأوروبي دوره في تكريس الاستقرار والسلام في عالم يتعاظم العنف تحت آفاقه، ويتحوّل في حالات كثيرة إلى حروب مفتوحة، يمثل ما يجري في العراق أحد الأمثلة البارزة عليها.لكن أوروبا تواجه تحدي التبدّل الجاري في العالم وما يرافقه من تباين آراء الدول ـ الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، حيال مسائل مثل الموقف من روسيا وكثير من الملفات الدولية. بكل الحالات يبقى بيد أوروبا العديد من الأوراق الرابحة.
يشير مؤلف هذا الكتاب إلى أن تعبير «المصالح الأوروبية» لم يتم ذكره في وثيقة «الإستراتيجية الأوروبية للأمن»، التي تم تبنّيها من قبل المجلس الأوروبي في بروكسل بتاريخ 12 ديسمبر 2003، إلا مرتين، وبالصيغتين التاليتين: «إن الجغرافيا تحتفظ بكل أهميتها، حتى في عصر العولمة. ومن مصلحة أوروبا أن تكون البلدان المتاخمة لها ذات حكومات جيدة». ثم: «ليس في صالحنا أن يخلق التوسيع ؟ توسيع الاتحاد الأوروبي- خطوطا جديدة للتقسيم في أوروبا».
كانت بداية تلك السنة ـ 2003 ـ قد شهدت التدخل العسكري الأميركي في العراق. ويرى المؤلف أن ذلك ساهم في دفع واضعي تلك الوثيقة المهمة إلى الحد من استخدام تعبير «المصالح الأوروبية» وإعطاء الأولوية إلى أهداف ورهانات وتحديات غير بعيدة عن الهموم الإستراتيجية ل«الحليف الكبير»، أي للولايات المتحدة. لكن هل يمكن أن يقيم اتحادا «أوروبيا» له طموحه السياسي والجيوستراتيجي على أحداث تجري خارجه، مختزلا بذلك العمل المشترك إلى ردود أفعال حيال ظروف أثارتها قوى أخرى؟ يتساءل المؤلف.
مساهمة ضرورية
مع ذلك يرى المؤلف أنه يمكن للاتحاد الأوروبي أن يساهم في صياغة القواعد الدولية الضرورية، وذلك في عالم يتسم بوجود «قوة نسبية» و«تاريخ مشوش». ثم إن مثل هذه المساهمة ممكنة، ولو كان ذلك فقط لكون أن الاتحاد الأوروبي يمثّل السوق الأولى في العالم وكذلك التجربة الأكثر اكتمالا للاندماج السياسي الإقليمي على قاعدة ديمقراطية.
ويلفت المؤلف الانتباه إلى أن الميدان الوحيد الذي يتم فيه التعبير صراحة عن المصلحة الأوروبية هو ميدان المفاوضات التجارية الدولية، حيث يتمتع المفوض الأوروبي «المكلّف بالملف التجاري» بمهمة واضحة، وهذا يبدو بمثابة استمرار منطقي لاتحاد تأسس تاريخيا على إنشاء سوق إقليمية كبرى إقليمية وحيدة.
أما المصلحة الأوروبية الأولى فيتم تحديدها في عدم التخلي عن الورقة الرابحة الأولى للاتحاد والمتمثلة في النجاح بتكامله الإقليمي القائم على بعض عناصر السيادة مع تبنّي معايير جماعته تمثلها هيئات توافقية. وفي هذه الصيغة التعاقدية يتقيّد الجميع بكل قاعدة جرى إقرارها.
ثم على أساس مثل هذه الأسس تمكن إشادة قطب أوروبا بكل ما يمتلكه من تجارب ومن مستودع للأفكار ويكون أكثر انفتاحا من القطب الذي تمثله تجربة الولايات المتحدة الأميركية. بالطبع لا يمكن نقل التجربة الجارية في أوروبا كما هي، ذلك أن الظروف التي أنتجتها لم تتكرر في مجالات جغرافية أخرى.
والدول الداخلية في اللعبة العالمية الشاملة لها مصلحة في الاستقرار، هذا إذا لم يكن في تحقيق قدر مهم من الانسجام فيما بينها. ولا شك أن الأوروبيين أصبحت لديهم خبرة عميقة في إدارة الشراكات المتداخلة. ثم إن الاتحاد الأوروبي، باعتباره القوة الاقتصادية والتجارية الأولى في العالم، له مصلحة في أن يتحمل مسؤولياته في تحديث قواعد اللعبة العالمية كلها، وفيما هو أبعد من مجرّد المفاوضات التجارية.
ولا يمكن للاتحاد الأوروبي كنتاج ومجال للسلام أن يبقى لا مباليا حيال استمرار العنف في العالم. إنه في المقام الأول فيما يتعلق بمبالغ المساعدة المكرّسة للتنمية وبحصة المساهمات في ميزانية الأمم المتحدة، لكن هذا لا يكفي، كما يؤكد المؤلف. ذلك أن تحديات السلام، كما يعبر ساركوزي، حاسمة في سياق من الانهيارات، مثلما يبدو من تزايد النزاعات والأزمات.
ففي عام 1989 شهد العالم 210 نزاعات ووصل العدد إلى 278 نزاعا عام 2006 من بينها 35 تتسم بالخطورة. ويشهد عام 2009 ستة حروب مفتوحة في الصومال والسودان وشمال غرب باكستان وسريلانكا وأفغانستان والعراق، هذا بالإضافة إلى عشرات الأزمات تمتد من النيجر حتى تايلاند.
أوروبا وتغيّر العالم
هناك فرضية تقول أن العالم الذي هو بطور التبدل قد يؤدي إلى تهديم تلاحم مجموعة الدول-الأمم الأوروبية المنضوية في إطار الاتحاد الأوروبي.
وما تم تحقيقه عبر تحويل «الحلبة» الأوروبي التي شهدت حربين عالميتين خلال القرن العشرين وحده إلى منتدى يتوسّع أكثر فأكثر قد لا يمكن إنقاذه بسهولة في عالم تحكمه «المدافع» في العلاقات بين الأمم. وكان قد بدا أنه في مواجهة الأزمة المالية العالمية الراهنة كان رد الفعل الأول ذا طابع وطني قبل أن يتم التنسيق بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لاتخاذ مواقف مشتركة في ربيع عام 2009. لكن ليس من السهل دائما الوصول إلى مثل هذا التنسيق.
وهناك بالمقابل عدة مواضيع سياسية خارجية تميل نحو شتى الصفوف الأوروبية مثل العلاقات مع روسيا ودرجة دمج بلدان منطقة البلقان وإمكانية التأثير أو توجيه الانتقاد حيال القوى السياسية في إسرائيل والإستراتيجية المناسبة حيال بحث إيران عن الاعتراف بها كقوة إقليمية.
وينقل المؤلف عن أنغيلا ميركل اعتقادها بأن العديد من هذه الملفات قد يمكن التوصل إلى إدارتها، رغم تباين المواقف حيالها. على الصعيد الاقتصادي، وعلى مدى أطول، ستنتج الهند في أفق سنوات 2025-2030 ما يعادل 10 بالمئة من إجمالي الإنتاج العالمي، لكن الفارق في مستوى المعيشة مع الولايات المتحدة سيكون واحدا إلى عشرة.
وسيكون واحدا إلى خمسين بالنسبة للصين وواحد إلى ستة بالنسبة للبرازيل. هذا يعني أن هذه الدول الأربع سوف تحافظ على هدف تأمين تنميتها الداخلية وسوف تتمثل دائما وسائل بلوغها ذلك في البحث عن منافذ إلى الأسواق وعن رؤوس الأموال الخارجية.
ومن السمات التي يؤكد عليها المؤلف في سلوكيات هذه الدول الصاعدة هو أنها تبقى «متحفظة» حيال العديد من الملفات الحساسة مثل حماية البيئة والتغيرات المناخية بينما تتابع الولايات المتحدة لعب دور القوة الراجحة على صعيد العلاقات الدولية وعلى المسرح الدولي عامة.
وتبقى إحدى نقاط قوة الأوروبيين هي في قدرتهم على تقديم اقتراحات واتخاذ مبادرات. ومن هنا بالتحديد تأتي أعمية الوصول إلى القيام بحوار أوروبي- أميركي نوعي حول مختلف القضايا العالمية.
ويؤكد المؤلف، في هذا السياق، أن الصين هي الدولة الوحيدة الخارجية التي يمكنها أن تحوّل نموها الاقتصادي إلى قوة على الصعيد العالمي. وكي تستكمل بذلك ما تستكمله أصلا من أوراق رابحة ليس أقلها المساحة والسكان والشتات الصيني في العالم والميزانية العسكرية والقوة الإقليمية الكبرى والعلاقات المتميزة، المتداخلة والمتناقضة بنفس الوقت، مع الولايات المتحدة الأميركية.
ويبدي المؤلف هنا دهشته من مدى الأهمية التي يؤكد عليها الخبراء الأميركيون في نظرتهم إلى الصين بسبب «السمة المركزية» للعلاقات الصينية-الأميركية المتداخلة.
هذه الأهمية الكبيرة للعلاقات الصينية-الأميركية دفعت شخصية سياسية أميركية من وزن زبيغنيو برزنسكي إلى استخدام تعبير «صناميركا» ـ كدمج بين الصيني والأميركي ـ للدعوة إلى قمة الاثنين الكبار بين البلدين على قاعدة تداخلهما الاقتصادي والمالي الذي دفعته أزمة 2008-2009 إلى الواجهة.
أوراق أوروبا الرابحة
تمتلك أوروبا إرثا غنيا وتاريخها وتقاليدها القانونية والسياسية. وتمتلك أيضا جغرافيتها وما تفرضه من حدود مشتركة، هذا فضلا عن مبادلاتها التجارية والثقافية والبشرية وسهولة حركة انتقال رؤوس الأموال بين بلدانها. ويضيف المؤلف لهذه الأوراق الرابحة كلها، الإنجازات التي حققها الاتحاد الأوروبي على صعيد القارة وكذلك في جميع المحافل الدولية.
هذه العوامل كلها يترتب عليها بروز عدة مجالات. المجال الأوضح يخص بلدان الجوار الأوروبي بما يفرضه من قرب جغرافي وتداخل اقتصادي. وهذا المجال هو في سبيل الاندماج تحت تأثير الجذب الذي يمارسه الاتحاد الأوروبي. لكن تحوّل مثل هذا الجذب إلى نفوذ مستدام يصطدم بعدة عوامل منها ما هو سياسي وجيوسياسي مع روسيا وما هو تاريخي واقتصادي وسيكولوجي مع بلدان المغرب، وإستراتيجي ودبلوماسي مع بلدان الشرق الأوسط.
والقارة الإفريقية جنوب الصحراء وحتى جنوب إفريقيا لها علاقات وثيقة مع أوروبا التي تعاني في الظرف الحالي من منافسة متزايدة من قبل الصين والهند والولايات المتحدة واليابان. وهذا يسمح لقادة البلدان الإفريقية بالتحرر من الضغوط السياسية للاتحاد الأوروبي الذي من الصعب عليه أن يتخذ موقفا محايدا حيال إفريقيا بسبب «وزن التاريخ».
ومع المجال الذي يضم أميركا الشمالية، أي الولايات المتحدة وكندا، والهند واستراليا، فإن للدول الأوروبية تاريخ طويل مشترك معها، وخاصة وجود الأنظمة الديمقراطية ودولة القانون. هذا التقارب يجد ترجمته غالبا في اتخاذ مواقف مشتركة في إطار منظمة الأمم المتحدة (باستثناء الهند) وفي تبادل موجات من الهجرة.
فعالية مرهونة
أما حيال مجموع «متنافر»، يمتد من منطقة الخليج العربي وحتى شرق آسيا، فإن الحضور والنفوذ الأوروبيين كانا هما الأضعف تاريخيا، مع وجود تباينات لغوية وثقافية كبيرة.
لكن يبقى المعطى الجديد المهم الذي يؤكد عليه المؤلف هو في بروز آسيا المسالمة والحديثة. هذا مع التأكيد أيضا على أن النجاح الذي حققته بلدان آسيوية عديدة على الصعيد الاقتصادي وتمكّنها من تعزيز البناء السياسي لدولها، إنما هما تعبير عن كونية «الموديلات» التنموية والسياسية التي أنتجتها أوروبا. وفي المحصلة يتم التأكيد أنه «ليس ممنوعا على الأوروبيين أن يرفعوا صوتهم. بل العكس هو الصحيح».
وفي خاتمة هذا الكتاب، يرى مؤلفه أن فعالية الصوت الأوروبي على صعيد العالم الذي نعيش فيه مرهونة بثلاثة شروط أساسية، هي «التصرّف كمركز للسلطة» و«المحافظة على التضامن» وأخيرا «وعي الذات، تاريخيا وجيوسياسيا وثقافيا».
الصفحات: 267 صفحة
الكتاب: أوروبا ومستقبل العالم
تأليف: ميشيل فوشيه
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: أوديل جاكوب ـ باريس ـ 2009