هناك عالم متعدد الأقطاب يرسم في أفق العالم اليوم. الاتحاد الأوروبي يريد أن يكون قوة فاعلة فيه، والصين تطمح إلى أن تكون قوة مقابلة للولايات المتحدة الأميركية، لكنها تطرح الكثير من التساؤلات حول ما يجري حولها. هذا مع النظر إلى تجربة «البناء الأوروبي» على أنها قد تكون مفيدة جدا بالنسبة للصين. كما يتم التأكيد على ضرورة أن تكون لها مساهماتها في صياغة إستراتيجية سياسية عالمية وليس بعدا تجاريا عالميا فقط.
والعالم يتسم اليوم، قبل كل شيء، بالتبدل حيث ترفع بلدان الجنوب رأسها من جديد، كما برزت دول أربع خلال العقدين المنصرمين ،هي الصين والهند وروسيا والبرازيل. وإذا كانت هذه الدول تشكل قوى هائلة على صعيد الاقتصاد وعدد السكان، فإن المؤلف لا يرى أنها تمتلك مقومات أن تشكّل مجموعا منسجما وفاعلا على المستوى الإستراتيجي العالمي. لا شك أن الاتحاد الأوروبي ليس أمة ولا دولة، ولكنه يتمتع بالعديد من عوامل التوحيد، على رأسها العملة الموحّدة اليورو، والانتماء الثقافي والسياسي، وما يجعله مدعوا لصياغة رؤيته الخاصة للعالم.
يشير مؤلف هذا الكتاب، في بداية حديثه، عن علاقة الأوروبيين في عالم اليوم إلى محاضرة كان قد ألقاها في مطلع شهر أبريل-نيسان من عام 2001 في العاصمة الصينية بكين بدعوة من رئيس المدرسة المركزية للحزب الشيوعي، والذي لم يكن سوى رئيس جمهورية الصين بنفس الوقت. كان موضوع المحاضرة هو «البناء الأوروبي». ودارت الأسئلة حول قدرة الاتحاد الأوروبي في أن يصبح قوة فاعلة في العالم الجديد متعدد الأقطاب. الإستراتيجيون الصينيون يثمّنون كثيرا مفهوم التعددية القطبية بدافع طموح إيجاد ثقل مقابل للولايات المتحدة. لكنهم يطرحون الكثير من الأسئلة حول مرامي التوسع الجغرافي للحلف الأطلسي شرقا وحول الاتفاقيات التي جرى إبرامها مع دول آسيا الوسطى بالقرب من الصين، وكذلك حول التسهيلات التي قدّمتها عدة دول للأميركيين وللأوروبيين من أجل التدخل في أفغانستان.
ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أن دراسة «البناء الأوروبي» تتم في الصين على أساس أنها مختبر للتنسيق بين مجموعة من الدول. ويرى الكثير من الإستراتيجيين الصينيين أنه يمكن الاستفادة من دروس التجربة الأوروبية في الصين التي لا تزال تعاني، برأيهم، من وجود نزعة قومية اقتصادية. في مختلف المقاطعات الصينية، التي لا تزال تعزل بينها حواجز متنوعة. بهذا المعنى تمتلك النخب الصينية رؤية للاتحاد الأوروبي ليست بعيدة عن تلك الرؤية التي قال بها الجنرال شارل ديغول عندما رأى في التوحيد الأوروبي سبيلا لتحديث فرنسا.
أما الدرس الأساسي الذي استخرجه مؤلف هذا الكتاب من معايشته وتفحّصه الدقيق للتجربة الصينية «الصاعدة» فهو أن ربط النخب فيها بين الاقتصاد والعملة والجيوستراتيجيا ينبغي أن يكون دافعا للأوروبيين كي يعيدوا النظر والتفكير في «الموديل» الأوروبي ونقل مستوى تصوره من مشروع للتكامل الإقليمي إلى المستوى العالمي. ذلك أن هذا «الموديل» يثير الاهتمام في جنوب شرق آسيا ولدى بلدان الجنوب. ثم إن الاتحاد الأوروبي الذي يضم 27 دولة يشكّل سوقا إقليمية ذات أهمية تجارية عالية، والحالة الجديدة للعالم قد تستدعي أن يغدو أيضا مجموعة جيوستراتيجية عالمية لا تقتصر نشاطاتها على التجارة والبيئة بل تكون قادرة على المساهمة في صياغة إستراتيجية سياسية عالمية.
العولمة من جديد
لم تعد الحداثة احتكارا غربيا ولا أوروبيا. ويشير المؤلف هنا إلى «راتان ن. تاتا» رئيس المجموعة العائلية التي تأسست عام 1868 من أجل النهوض بصناعة هندية وطنية. إنه خريج جامعتي كورنيل وهارفارد، وكان قد اشترى مجموعتي «جاكوار» و«لاند روفر»، لكنه حرص على أن يصرّح بسرعة على أنه سيتم الاحتفاظ باسم المؤسستين، ذلك أنه حصل على «ماركات» شهيرة وليس فقط على موجودات صناعية.
إن العالم يتبدّل والثقة التي استعادها، أو وجدها الجنوب بنفسه تذكّر كثيرا بعقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي «العشرين» حيث شهد العالم الثالث نهاية الحقبة الاستعمارية. وكان في مقدمة رموز تلك الحركة المناهضة للسيطرة الغربية مجموعة من طلبة أكسفورد والسوربون الذين استلهموا مواقفهم من أفكار عصر التنوير، الأوروبية. وفي مثل هذا السياق لا بد للأوروبيين وللآخرين أن يعيدوا النظر برؤيتهم للعالم.
وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ساد قاموس استخدم تعبيرات شاعت وترسخت مثل «الشرق والغرب» و«الشمال والجنوب». وكانت تعبيرات ذات مضمون إستراتيجي وإيديولوجي. وشاع في ذلك السياق أيضا مفهوم «العالم الثالث» الذي «اخترعه» باحث الديمغرافيا الفرنسي الفريد سوفي وجرى استبداله بعد ذلك ب«الجنوب». ويتم اليوم توصيف العالم على أساس الأبعاد الاقتصادية والمالية، كانعكاس منطقي لانتصار السوق وتراجع دور الدول، على الأقل حتى اندلاع الأزمة المالية العالمية الكبرى 2008-2009.
واستجدّ في هذا السياق مفهوم «الأسواق الصاعدة» من اختراع أرباب بنوك في نيويورك خلال مطلع عقد الثمانينات المنصرمة وبغية جذب المستثمرين. وبقي تعبير «العالم الثالث» عندما يتم استخدامه مرادفا ل«الفقر». وبرزت في نفس السياق دول أربع هي روسيا والصين والهند والبرازيل والتي جرت الدلالة عليها بتعبير «بريك» المؤلف من الحرف الأولى من اسم كل منها.
هذه المجموعة «الرباعية» تتمتع بأسواق هائلة وبعدد سكان كبير وبوزن إقليمي راجح ومعدل نمو اقتصادي مرتفع حتى عام 2008. لكن مؤلف هذا الكتاب يرى أن كل الخصائص المذكورة لا تكفي لإقامة مجموع متناسق وله دلالته على الصعيد الجيوستراتيجي. ثم إن أزمة 2008-2009 زادت من حدة الخلافات بين هذه الدول.
ملاحظات عن الواقع
ويقدّم المؤلف الملاحظات التالية على واقع هذه الدول اليوم. إن روسيا تعاني من تناقص عدد سكانها، وهي لم تعد تمتلك الإمكانيات المادية والبشرية لتكون قوة كبرى، هذا بعيدا عن قاموس البلاغة المستخدم في قدرتها على فرض «قانونها» على بلدان الجوار في آسيا الوسطى.
باختصار فقدت روسيا الكبرى كما يتم وصفها، من قوة جذبها. لذلك تبحث عن ضمانة أميركية على دائرة نفوذ تتطابق مع إمبراطوريتها القديمة، باستثناء بلدان البلطيق. لكن من المحتمل قليلا أن تتوصل إلى قبول واشنطن بتقديم تلك الضمانة.
أما الصين والهند فهما في تنافس ثقافي حول جميع الموضوعات تقريبا. والنظامان السياسيان متعارضان. فالصين تعطّل دخول الهند إلى مجلس الأمن الدولي، كما أنها أبرمت عددا من التحالفات مع الدول المجاورة لحيازة بقصد امتلاك سلسلة من القواعد البحرية في محيط ليس فيه ما هو هندي سوى اسمه في السياق الراهن.
والصين تدعم الخصم الباكستاني والسباق مع الهند على أشدّه من أجل الحصول على موارد الطاقة من آسيا الوسطى حتى القارة الإفريقية، وهناك سباق آخر بين البلدين على صعيد الميزانيات المكرّسة للدفاع. لكن هذا كله لا يمنع إدراك الدولتين على أن التبادل التجاري يشكل عاملا لتلطيف الأجواء وعدم الدخول في مواجهات صريحة.
بالنسبة للبرازيل، فإنها عززت من وجودها في إفريقيا، لكن يبقى اهتمامها الأساسي متركّزا على أوضاعها الداخلية أولا وعلى جنوب أميركا ثانيا حيث يتعاظم نفوذها. وهذا ما تلخصه الجملة التالية التي نقلها المؤلف وجاء فيها: «الأغلبية الساحقة من البرازيليين لا يولون سوى أهمية قليلة لبقية العالم. ومعظمهم لم يسافروا أبدا إلى الخارج، فسكان مناطق التجمع السكاني الكبرى يعيشون على بعد 2000 كيلومترا أو ما يزيد عن أقرب الحدود.
والصحافة لا تساعدهم كثيرا في التعرّف على العالم الخارجي فهي تتحدث عنه قليلا ولا تقران إلا نادرا البرازيل مع البلدان الأخرى». ثم إن الأرجنتين والمكسيك تعطلات دخولها إلى مجلس الأمن. هكذا الصين وحدها هي التي تنظر إلى نفسها كقوة فاعلة على الصعيد العالمي، لكنها دون حليف ولا صديق.
الأوروبيون والعولمة
يبدو أن البناء الأوروبي محكوما منذ الأصل بمجموعة من الظواهر التي تتجاوزه وتحدد مساره. ففي الأمس القريب كان يشكل جزءً من الغرب على الحلبة الدولية التي كانت تتصارع على الفور فيها كل من واشنطن وموسكو، وذلك على مسرح القارّة الأوروبية نفسها على في العالم الثالث.
ومنذ انهيار جدار برلين عام 1989 أصبحت المهمة الأولى للمجموعة الأوروبية هي إعادة تنظيم القارّة، وهذا ما نجحت فيه إلى حد كبير في سياق متبدّل واقتصاد معولم. ذلك بالمعنى الذي تدل فيه العولمة على قدرة الشركات والمؤسسات في التحرك مباشرة «بالزمن الحقيقي» على الصعيد العالمي، ذلك بواسطة تكنولوجيات المعلوماتية وما ترتّب عليها بالنسبة لاقتصادات الخدمات.
الدول الأوروبية أعطت، في مثل هذا السياق، الأولوية لتحقيق مطلب الأمن على الصعيد الإقليمي. بنفس الوقت قدّم التوسيع السياسي للاتحاد الأوروبي فرصة للشركات، عبر الاستفادة من فروق الأجور، كي تتأقلم بشكل أفضل مع المنافسة الدولية وأن تنشّط صادراتها في السوق الأوروبية كما إلى الدول الصاعدة ذات الطلب المتزايد على التجهيزات. هذا إلى جانب الشركات الأميركية واليابانية. ولا يتردد المؤلف في القول أن أسواق البلدان الصاعدة تشكّل فرصا حقيقية بالنسبة للاقتصادات الأوروبية.
إن العولمة، كما يقدّمها المؤلف، لم تعد تقتصر على السوق، ذلك أن العالم غدا مثل حلبة تعمل على أساس موازين القوى بين المصالح المشروعة، وأحيانا على أساس «المواجهات» غير المعلنة. ويبدو هذا العالم متنافرا جدا بالقياس إلى مجموعة أوروبية يتم تسيير الأمور فيها على قاعدة القانون والمفهوم التعاقدي مع وجود نوع من «المصالحة» بين المصالح الوطنية لمختلف البلدان.
والاتحاد الأوروبي ليس، ولن يكون، أمة ولا دولة، لكنه يتمتع بمجموعة من عوامل التوحيد في مقدّمتها العملة «اليورو»، هذا إلى جانب ما يثيره من مشاعر الهوية السياسية والانتماء الثقافي. ومما يدفع المؤلف إلى تشبيهه بـ «جوقة الأمم» في نهاية القرن التاسع عشر.
لكن هذا ما رأى فيه كُثر نوعا من الضعف. وهذا ما عبر عنه هنري كسنجر، وزير خارجية أميركا الأسبق بالقول أن الأوروبيين لم يعودوا قادرين على التضحية التي يفرضها عليهم طموح القوة، القوة القادرة على التحرك في حالة الأزمات.
لكن بالمقابل يؤكد المؤلف أن معطيات الواقع الدولي الراهن وتجربة التوحيد الأوروبي تدعو إلى القول إنه حان الوقت الذي يتحمّل فيه الأوروبيون مسؤولية تاريخهم القريب ويصيغوا رؤيتهم الخاصة للعالم الذي نعيش فيه.
المؤلف في سطور
ميشيل فوشيه جغرافي فرنسي معروف ومستشار، لمدة سنوات، لدى وزير خارجية فرنسا الأسبق هوبير فدرين للمسائل السياسية والإستراتيجية. شغل منصب مدير مركز التحليل واستشراف آفاق المستقبل في وزارة الخارجية الفرنسية، ثم عمل سفيرا لفرنسا لدى جمهورية ليتوانيا.ويعمل في الوقت الحالي أستاذا في مدرسة المعلّمين العليا في باريس.
والمؤلف هو كذلك أحد الاختصاصيين الفرنسيين الفرنسيين البارزين المهتمين بالشأن الأوروبي. وقدم للمكتبة العالمية عدة مؤلّفات، منها: «وسواس الحدود» و«الجمهورية الأوروبية بين التاريخ والجغرافيا» و«جبهات وحدود».
الصفحات: 267 صفحة
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: أوديل جاكوب ـ باريس ـ 2009