هم أطفال لم يقيّض لهم يوماً أن يعرفوا شيئاً عن «غربتهم».. «ذنبهم» يتلخّص بكونهم مولودين من أمهات لبنانيات وآباء غير لبنانيين.. قصدوا السرايا الحكومية عشرات المرّات برفقة أمهاتهم، وتحت لواء حملة «جنسيّتي حقّ لي ولأسرتي».. أما الردّ على سؤال: لماذا؟.. فيأتي على لسان أحمد سعد (7 سنوات)، ليختصر معاناة أترابه الصغار بعبارة واحدة: «جنسيّة بيّي المصريّة ما بتخليه يكون مع الماما بلبنان.. وكل مرّة كانوا يقولولنا روحوا عالسرايا خدوا الجنسية.. ولهلأ ما خدناها.. أنا مشتقلو لبيّي كتير كتير»!
الجنسيّة اللبنانية تعني لشيرين (سودانيّة) «إنّو نضلّ بالمدرسة، والبابا يرجع»، ولطارق (عراقي) «ألا أعيش على أعصابي مع تجديد الإقامة».. ولسهى «إنو ما حدا من الجيران يفكّرني غريبة».. وهؤلاء الصغار لا يطلبون أكثر من أن تتوسّع احتمالات الحياة أمامهم، وأن تخرج عن كونها «أكل وشرب ونوم وخوف»، كما تقول راما المحكومة بالبقاء في خانة «المجاملة» في سجلّات الأمن العام اللبناني.
مواطنيّة «منقوصة»
وريثما يصدر قانون عادل للجنسيّة يلغي مفاعيل «حقّ مهدور» في لبنان منذ عام 1925، وهو الاعتراف للمرأة اللبنانية بمواطنتها الكاملة غير المنقوصة، فإن عماد لا يزال يفتقد الجرأة على السهر مع رفاقه حتّى ساعة متأخّرة، فيضطر كلّ يوم إلى الاستئذان باكراً خوفاً من النوم في «النظارة» التي اعتادت على استقباله مع كلّ سهرةٍ خارج المنزل..
هذا المراهق لم يكن يوماً مجرماً ولا فارّاً، ولكن «غربته» التي فرضتها جنسيّته غير اللبنانيّة، تحتّم عليه تسيير حياته وفق ما يقتضيه قانون بلد أمه الذي لم يعترف به إلّا لصّاً وهارباً، ليس أكثر.. أمام هذا الواقع وهذه الجنسيّة التي لم يكن مسؤولا عنها، يشعر عماد بالخوف من البلد الذي يحبّ، لأنّه مستعدّ في أيّة لحظةٍ لترحيله إلى بلد والده الذي لا يعرف عنه سوى اسمه: مصر.
اليوم، أصبح عمر عماد 17 عاماً، لكنّه لم يصبح مواطناً بعد رغم أنّه «لبناني منذ أكثر من عشر سنوات»... بالولادة.. وهو بحاجةٍ في مطلع كلّ عام إلى تجديد وجوده في لبنان بورقة إقامة قد تنتهي صلاحيّتها في أيّة لحظة.. ورقة إقامة ستحرمه في وقت لاحق من العمل والتملّك، وحتّى البقاء إلى جانب أمّه.
هذا «القانون العادل» كان ولا يزال يشكّل محور «أمنيات» نحو 18 ألف لبنانيّة، متزوّجات من أجانب، واللواتي ما مللن قطّ من المطالبة بحقّهن، عبر التظاهر أمام السراي الحكومية لسنوات طوال، وهنّ يرفعن اللافتات، ك«دماؤنا في عروق أبنائنا.. فلماذا جنسيّتنا مختلفة؟»، ويحملن في جعبهنّ قصص حياة لم تنته فصولها البائسة.. قصصا يجمع بينها الخوف والفقر والترحيل من البلاد التي اختاروها وطناً.
في انتظار كلمة «العدل»
تخاف منى زوجة «الغريب»، من الموت قبل أن يحظى أطفالها الثلاثة بهويّة تجنّبهم الرحيل الذي قد يواجههم في غيابها.. وما يثلج صدرها أن هناك مشروعا معلّقا في أدراج الحكومة اللبنانية، يرمي إلى تعديل الفقرة الأخيرة من المادة (4) من الرقم (15) الصادر عام 1925، عبر المطالبة بإقرار حقّ اللبنانية التي اقترنت بأجنبي بمنح الجنسية إلى أولادها.. ويقترح التعديل رأيين: أوّلهما يتعلّق بحقّ اللبنانية التي اقترنت بأجنبي بأن تمنح أولادها منه الجنسية أسوة بحق الرجل، توفيقاً لمبدأ المساواة المنصوص عنه دستورياً..
أما في ما يخصّ الرأي الثاني، فيقول بضرورة إدخال ضوابط ترتبط بالنص الدستوري المتعلق بمنع التوطين، وبالتالي، اشتراط أن تكون جنسية الأب صادرة عن دولة معترف بها أو لا تتعارض مع أحكام الدستور لجهة منع التوطين.
وفي انتظار صدور «القانون العادل»، و«الإفراج» عن اقتراح قانون مقدّم من النائبين السابقين بهيج طبّارة وبيار دكّاش إلى رئاسة مجلس النواب، يقضي بتعديل الفقرة الأولى من المادة الأولى من قانون الجنسية اللبنانية، بحيث تصبح: «يعدّ لبنانياً كل شخص مولود من أب لبناني أو من أم لبنانية»، لا بدّ من الإشارة إلى أن القضاء اللبناني حكم للسيدة اللبنانية منذ الولادة، سميرة سويدان، في 16 يونيو الماضي، بحقّ منح جنسيّتها لأولادها من زوج أجنبي.
وتعود قصة سويدان إلى عام ,1985. يومها، تعرّفت إلى العامل المصري في مرفأ بيروت، محمود عبد العزيز أحمد، فتزوّجته ورزِقت منه أربعة أطفال: زينة، فاتن، سمير ومحمد.. حتى عام 1994، لم تشعر سميرة يوماً بحجم «الخطأ» الذي ارتكبته حين اختارت محمود شريكاً لحياتها، وخصوصاً أنه كان يعمل ويسدّد بدل إقامته في لبنان..
لكن، شاء القدر أن يتوفّاه الله، في العام نفسه، تاركاً إياها وأطفالها بلا معيل.. وحينها، بدأت تكتشف حجم «المأساة» وتعضّ أصابع الندم لارتباطها برجل «حرمها» إعطاء أولادها جنسيّتها وجنسية البلد الذي ولدوا وعاشوا فيه كلّ حياتهم.. «أكيد ما كنت تجوّزتوا لو من الأساس كنت عارفة بدّي أوصل للّي وصلتلّلو»، وفق قولها ل«البيان».
بعد وفاة الزوج، تحمّلت سميرة مسؤولية إعالة أولادها، فعملت في تنظيف المكاتب، لقاء أجر يومي زهيد. في السنوات الأولى، لم تبرز مشكلة الإقامة لأن الأولاد كانوا في المدرسة، لكنهم «عندما بدأوا يكبرون، بات عليّ تسديد بدل أقامات تصل إلى 250 ألف ليرة سنوياً عن كلّ طفل.. صرت أشترك في جمعيات وأسدّد بدل الاقامات، وأحياناً كنت أستدين بالفائدة.. وفي إحدى المرّات تأخّرت شهراً عن تسوية أوضاع أولادي، فهدّدوني بترحيلهم.. لا أنسى هذا اليوم كلّ حياتي.. بكيت كثيراً، وصرت أخاف أن أموت قبل تسوية أوضاع أولادي».
منذ خمس سنوات إلى الوراء، تجرّأت سميرة وخطت خطوتها الأولى نحو القانون، فزارت أكثر من محامٍ رفض الدعوى.. إلى أن جاء عام 2007، والتقت بالمحامية في الاستئناف سهى إسماعيل وأخبرتها قصّتها.. لم تتردّد المحامية الشابة في قبول الدعوى، وخصوصاً أن المعطيات المتوافرة بين يديها كانت تتيح لها تعليل مطالبتها..
ولأنها تحبّ التحدّي، سارت في القضية «للآخر»، وفق تعبير سميرة.. صدر الحكم عن القاضي جون قزّي، في محكمة الدرجة الأولى في جديدة المتن (جبل لبنان)، وقضى باعتبار أولاد سميرة القاصرين لبنانيّين، وبتسجيلهم على خانة والدتهم في سجلّ الأحوال الشخصية وإعطاء كل منهم بطاقة هوية.
وفيما ينصّ الدستور اللبناني على المساواة بين المرأة والرجل، فإن المفارقة تكمن في السماح للرجل اللبناني بمنح جنسيته لأولاده دون النساء.. وهذه المفارقة تأتي وسط معارضة عدد من السياسيين اللبنانيين حول حصول أبناء اللبنانيات المتزوجات من فلسطينيّين على الجنسية اللبنانية، بحجّة منع توطين الفلسطينيين.
وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال إبراهيم نجّار، وخصوصاً مع تواتر أخبار عن انتقاده للحكم الصادر حيال دعوى سميرة، نفى الأمر قائلاً: «الحكم يخالف الاجتهاد الراجح، لكننا لا نعرف إن كان سيثبّت في المستقبل أو سيُفسخ.. الأمر عائد إلى القضاء».
تضحك سميرة وهي تقول إنها لم تصدّق أنها ربحت الدعوى عندما اتصلت بها إسماعيل تبلغها بذلك، بل اعتقدت أن قانون الجنسية قد صدر.. ذهبت إلى المحكمة، والتقت القاضي الذي أعطاها حقّها وشكرته، فقال لها إنه قام بواجبه لا أكثر، وطلب منها أن تضيء له شمعة وتصلّي لعائلته!
بيروت ـ وفاء عواد
