ربما تكون النسب المئوية، كلها، التي تتحدث عن البطالة في العراق غير دقيقة، إذ لا يمكن لأية جهة إجراء إحصاءات، حتى عن عدد الجثث التي تلقى في الشوارع، في بلد يشهد أقسى موجات العنف والاحتراب الداخلي، والاحتلال.

وبدأ مسلسل البطالة، التي كانت موجودة إلى حد بعيد في العهد السابق، وخاصة خلال سنوات الحصار المأساوية الثلاث عشرة، بالتفاقم منذ الغزو وحتى الاحتلال في عام 2003، الذي شهد انهيار الدولة ومؤسساتها.

وحل العديد من الوزارات، وتسريح العاملين فيها، ومن ثم الشروع ببرنامج «الخصخصة» للمصانع والمؤسسات الإنتاجية، ما اقتضى تعطيل وزارة الصناعة، بل إلغاءها، ومن ثم الاضطرار إلى إعادتها شكليا، في حين بقيت أكثر من 90% من المؤسسات الإنتاجية متوقفة لحد الآن، أما النسبة الباقية فهي تعمل بطاقة ضئيلة تكاد لا تسد تكلفة التشغيل، في انتظار عرضها للبيع إلى القطاع الخاص.

ولما كان القطاع الخاص في العراق ضعيفا جدا، فهو لا يستطيع شراء مؤسسات الدولة، التي ستكون من حصة الاستثمار الأجنبي أو المختلط، إذا ما استقر الوضع الأمني والسياسي.

وعند التطرق إلى القطاع الخاص، لابد من الإشارة إلى انهياره هو الآخر، بسب انهيار البنى التحتية، وخاصة الكهرباء والاتصالات والمواصلات، إضافة إلى اعتماد سياسة الباب المفتوح أمام البضائع الأجنبية، كما أدى انهيار قطاع الكهرباء، ومعه الصناعات البترولية، إلى ارتفاع حاد في أسعار الوقود، ما تسبب بدوره في توقف مضخات المياه التي تستخدم لسقي المزارع والبساتين، وتوقف الإنتاج الزراعي والحيواني إلى حد بعيد.

لا يمكن أن تكون هناك دقة أو مصداقية للتقارير والإحصائيات الرسمية أو الأجنبية، ومنها ما أعلنته منظمة اليونسكو، بان نسبة البطالة «بين الشباب» في العراق بلغت 2 .37%، رغم أن بعض المحللين وصفوها بأنها «تثير الذهول»، وأنها «حقيقة مفزعة»، حيث تقتصر على خريجي المدارس الإعدادية والجامعات.

مساطر المياومين

توجد في أماكن متعددة من العاصمة بغداد، وكذلك في المدن الأخرى تجمعات تسمى «المساطر»، للعاطلين، الذين يقفون طوال النهار في صيف تتجاوز الحرارة فيه 50 مئوية أملا في ان يأتي من يستأجرهم لعمل ما، خاصة في مجال الإنشاءات، وغالبية المتجمعين في هذه «المساطر»، عادة يأملون في فرصة عمل ليوم واحد فقط، وفرصة العمل هذه، حسب ما يقول محمد علوان «29 سنة» ، لا تأتي كل يوم.

ويضيف: «نحن نحضر منذ الصباح الباكر، وكثيراً ما يطول بنا الوقوف على الرصيف حتى الظهيرة دون عمل، ثم نعود أدراجنا إلى بيوتنا. ويقول علي حساني «30 سنة» :ليس هناك، وسط هذا الاشتعال في الأسعار، ارخص من اليد العاملة.. أنا الآن مستعد للعمل بأي أجر، وبأي عدد من الساعات، فقط لأعود إلى أهلي وأنا احمل لهم ما يأكلونه.

اختلاف التقديرات

وليس «المسطر» وعماله وحدهم من يعاني من البطالة اليوم في العراق الجديد، إذ هناك شرائح عدة في المجتمع تعاني من هذه الحالة، بعد أن فرضت البطالة نفسها على المجتمع العراقي. وحسب بحث أكاديمي: لا توجد إحصاءات مؤكدة عن حجم البطالة في العراق ، لكن التقارير الرسمية تشير إلى 30بالمائة من مجموع قوة العاملين، وتقول بعض التقارير إنها تفوق الـ 60في المائة.

وحسب إحصائية لمركز دراسات وبحوث الوطن العربي في الجامعة المستنصرية، شملت شرائح مختلفة في المجتمع العراقي، ان نسبة البطالة الآن في العراق تبلغ 42%، وان نسبة الخريجين بين العاطلين تشكل 40%. وأبرزت الإحصائية أن القطاع الصناعي وقطاع الخدمات كانا الأكثر تضررا، نتيجة لتفشي البطالة فيهما.

ويقول الباحث الاقتصادي الدكتور ستار جبار خليل إن البطالة من اخطر القضايا التي شهدها الاقتصاد العراقي خلال أعوام الاحتلال، لاسيما وان لها تداعيات اجتماعية وحتى أمنية، فالعاطلون كما يرى الباحث هم دائما «قنبلة موقوتة»، فهناك تقديرات تشير إلى ان البطالة قد تصل إلى 10 ملايين شخص من إجمالي سكان العراق البالغ 27 مليون نسمة، «فبعد تسريح الجيش العراقي وحل عدد من الوزارات وتوقف وزارات أخرى عن العمل بلغ عدد العاطلين عن العمل أكثر من 5 ملايين شخص، في حين أدى توقف الأعمال الصناعية والتجارية والزراعية للقطاع الخاص إلى انضمام 5 ملايين آخرين إلى صفوف العاطلين.

النجاح تقابله البطالة

ومن معالم البطالة ما شهدته الجامعات عند تخرج طلابها.. نشوة فرحة التخرج لم تنسهم المصير المجهول الذي ينتظرهم خارج حدود الجامعة، فظهرت لافتات تقول «ما نفع النجاح إذا كان طابور البطالة بالانتظار»، وفي مكان آخر لوحة خطت بشكل واضح تقول «البطالة مقبلة»!، وثمة قضية فرضت نفسها إلى جانب زيادة حجم البطالة، وتتمثل في ازدياد مساحة البطالة المقنعة من خلال ذلك الفائض الكبير في أعداد الموظفين غير المنتجين، بسبب توقف الإنتاج وقلة المشاريع المنفذة.

بغداد ـ عراق احمد