كانت أوروبا باستمرار جزءا من العالم، ولكن الأوروبيين تجاهلوا بقية العالم في عصر نهوضهم القائم على ثالوث «السلام والديمقراطية والازدهار الاقتصادي». لكنهم مدعوون اليوم، بعد انهيار جدار برلين وفقدان الثقة بالمركز الأميركي، إلى المساهمة بقيام عالم يقوم على التعاون والتوافق على غرار النموذج الذي يمثله الاتحاد الأوروبي نفسه.
وبعد أن يستعرض مؤلف الكتاب ما شهده عام 1989 من أحداث كبرى، جعلته منعطفا له تأثيره على المسيرة الأوروبية نفسها، يؤكد على أهمية ما حققته القارة على صعيد مسيرة توحيدها. هذا مع الإشارة إلى ما خلقه توسيع إطار الاتحاد الأوروبي من إحساس بالقلق السياسي، وحيث أن البحث عن إعادة التوازن بين فرنسا وألمانيا لا يزال جاريا. ومثل هذا التوازن يبدو حاسما من أجل إمكانية اتخاذ قرارات أوروبية مشتركة حيال قضايا العالم الكبرى. لكن يبقى الاتحاد الأوروبي وآليات عمله واتخاذ القرارات فيه نموذجا له أهميته على صعيد العالم كله. عرّفت أوروبا نفسها منذ القديم بأنها إحدى مناطق العالم المعروف. حيث لم تكن في أي يوم من الأيام سوى جزء من هذا الكوكب، وهكذا رسمها الجغرافيون وواضعو الخرائط باستمرار.
لكن مع النهوض الذي عرفته القارة، بعد عصر النهضة والثورة الصناعية، وعلى قاعدة ما يسميه مؤلف هذا الكتاب ب«الثالث المؤسس» المؤلف من ثلاث ركائز هي «السلام والديمقراطية والازدهار» تمركز اهتمام الأوروبيين على أنفسهم، وأهملوا لفترة طويلة العالم الذي يحيط فيهم وما يدور فيه من أحداث. وبعد عام 1989 وانهيار جدار برلين، أدرك الأوروبيون أن نجاحهم يمارس قوة جذب كبيرة لأولئك الذين يعيشون في البلدان المحيطة بهم، وأنهم يريدون الانضمام إليهم. بالتوازي مع هذا بدا المجال الجغرافي الأوروبي مشوشا وحدود أوروبا غير معرّفة بدقة. ويتنامى لدى الأوروبيين اليوم الإحساس بأنهم يعيشون في عالم يتبدّل بسرعة، بل ويشكل مصدرا للتهديد. بالتوازي مع هذا بدا المرجع الأميركي الكبير بفقدان الثقة فيه، إلى جانب فقدان الثقة بالاقتصاد المفتوح وفضائله.
اوضاع مستعصية
ويعود المؤلف بقارئه إلى عام 1989، أي عام انهيار جدر برلين، كي يذكّر بسلسلة من الأحداث التي جرت خارج القارّة الأوروبية وأدّت إلى أوضاع لم تزل مستعصية على الحل بعد مرور عقدين من الزمن. ففي منتصف شهر فبراير ـ شباط من تلك السنة ـ 1989 ـ أكملت القوات السوفييتية انسحابها من أفغانستان بأوامر من ميخائيل غورباتشوف، وبدأت القوى المناوئة للسوفييت، والمدعومة خاصة من الولايات المتحدة وباكستان، بهجمات على كابول خلال سنتين كاملتين. وبدت حركة طالبان كسلطة بديلة لدولة غائبة. بنفس الوقت كان لا بد من الشروع بمفاوضات معها. لقد كانت هناك قوات أوروبية في أفغانستان، لكنها لم تكن تمتلك أية رؤية واضحة عما ينبغي عليها أن تفعله.
وفي شهر يونيو من نفس السنة ؟ 1989- سحقت دبابات الجيش الشعبي الصيني المتظاهرين فيما عُرف ب«ربيع بكين»، عندما كانوا يتظاهرون احتجاجا في ساحة بوابة السلام السماوي بالعاصمة الصينية. وقرر الحزب الشيوعي الصيني آنذاك «تمييع» موجة الاحتجاج عبر تشجيع نموذج للنمو الاقتصادي المتسارع. ولا يشك أن هذا المزج بين النجاح الاقتصادي والنظام التسلطي يمارس قوة جذب كبيرة على العديد من الحاكمين في العالم الثالث، ولكن أيضا على المستثمرين الأوروبيين والأميركيين.
باختصار غدت الصين «طرفا» صعبا بالنسبة للجميع، وهي الوحيدة التي تتجرأ على طرح أسئلة علنا جول صلابة المنظومة الاقتصادية الأميركية. وينقل المؤلف عن «وين جياباو»، رئيس الوزراء الصيني تصريحه للنيويورك تايمز بتاريخ 14 مارس 2009 أنه «قلق» حيال الاستثمارات المالية الصينية في الولايات المتحدة. هذا دون التطرّق لدور المشتريات الصينية لسنوات الخزانة الأميركية حيث يقوم النمو الاقتصادي على الاستدانة وما لذلك من آثار سلبية على الصادرات الصينية.
وفي شهر سبتمبر من نفس السنة ـ 1989 ـ أعلن رئيس جمهورية جنوب إفريقيا آنذاك فريديريك دو كليرك الذي كان قد جرى انتخابه قبل فترة وجيزة، عن إلغاء نظام التمييز العنصري الذي كان سائدا في البلاد منذ عقود طويلة. وأصبح الإلغاء نافذا بعد عامين من ذلك الإعلان. لقد انتصر النهج الذي كان يجسده نيلسون مانديلا، ابن البلاد، على «الشرعية» التي كانت حكرا على البيض لفترة طويلة وحيث كانوا قد سيطروا تماما على البلاد. كان ذلك النجاح الديمقراطي سابقة ليس لها ما قبلها على صعيد القارة الإفريقية. وقد ساهم في تغيير صورة إفريقيا التي أصبح ورثة مانديلا يمثلونها في جميع المحافل الدولية.
ويشير المؤلف في هذا السياق إلى انطلاق مشروع «شبكة الانترنت» العالمية اعتبارا من شهر مارس 1989. وكان ذلك بمثابة نقطة تحوّل جذري بالنسبة للاقتصاد العالمي حيث أن تكنولوجية جديدة سمحت للشركات والمؤسسات «التحرّك» على صعيد العالم كله «فوريا» وسمحت للأفراد بالاعتقاد أنهم أحرار ومستقلّون. ولا يتردد المؤلف في القول أن التواصل الإلكتروني، عبر الانترنت، بشكل اختراعا ثوريا لا يقل أهمية عن اختراع الآلة التجارية.
تلك الأحداث والمستجدات كلها التي عرفها عام 1989، كان لها آثارها على مسار الأمور في أوروبا. وخلال عقدين من الزمن 1989-2009 «جعلت بالطبع من أوروبا غير تلك التي كنا نعرفها قبل نصف قرن من الزمن. لقد كانت تابعة في الأمس للقوتين العظميين ؟ الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي- وها هي ستدخل من جديد، مثل الذين يدخلون إلى بيوتهم، في تاريخها وفي جغرافيتها»، كما ينقل المؤلف عن الرئيس الفرنسي الأسبق الراحل فرانسوا ميتيران في رسالته المتلفزة للفرنسيين في 31 كانون الأول 1989 بمناسبة تمنياته لهم بالعام الجديد.
لقد أطلق ميتران يومها، كما ينقل المؤلف أيضا عن تعليقات المحللين، فكرة قيام كونفيدرالية ـ اتحاد ـ أوروبية تسمح بتجسيد المجال الأوروبي داخل مؤسسة تقوم على الحوار والتعاون وتضم جميع الأمم الديمقراطية في القارة. وكان يرى في ذلك الوسيلة الأفضل بالنسبة لأوروبا كي تحصّن نفسها من انبثاق النزعات القومية، التي كانت تبدو بعض ملامحها في منطقة البلقان شكل خاص، كما تحصّن نفسها من نزعة عدوانية تقوم في روسيا على أنقاض الإمبراطورية السوفييتية.
وعلى مدى عقدين تاليين، غيّرت المجموعة الأوروبية من طبيعتها، وحققت القسط الأكبر من بناء نفسها، ولا تزال تتابع توسيع إطارها. لكن هذا يتم على خلفية نوع من «عدم الوعي الحدودي» والذي يشكل، برأي مؤلف هذا الكتاب، عاملا أوّليا في عدم الثبات السياسي. وتجد أوروبا الموحّدة صعوبة في إعادة تعريف «تداخلاتها» مع روسيا الصاعدة وفي تحسين تعاونها مع الولايات المتحدة حول الملفات المشتركة.
هزة حقيقية
وتعاني أوروبا فيما بعد فترة الحرب الباردة من هزة حقيقية بسبب عملية إعادة التوازن الجارية بين الدولتين الأساسيتين في مسيرة التوحيد الأوروبي، أي فرنسا وألمانيا، ذلك أن إعادة توحيد شطري الأمة الألمانية اعتبارا من شهر نوفمبر 1990 كان لها آثارها على توازن أوروبي كان لصالح أوروبا حتى ذلك التاريخ.
وينقل المؤلف في هذا الإطار عن وزير الخارجية الفرنسي الأسبق، جان فرانسوا بوشيه، قوله في عام 2008: «إن مشكلة التوازن الصعبة بين فرنسا وألمانيا تشكّل بنظري المسألة المركزية في البناء الأوروبي منذ البداية». كما يعرب الوزير الفرنسي السابق في نفس السياق عن قلقه من تزايد «هوة الحيوية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي والصحة المالية» بين فرنسا التي تجد صعوبات في القيام بإصلاحات وفي استعادة الثقة بنفسها وبين ألمانيا طليقة اليدين وخرجت من «ثقافة التحفظ» التي كانت مفروضة عليها.
ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول أن التوازن الصعب بين فرنسا وألمانيا يزيد من تعقيد إمكانية اتخاذ مواقف مشتركة تفرضها معالجة التحديات العالمية. وهذا يتطلب البحث عن أفق جديد للمسار الأوروبي وحيث أصبح مثل هذا الأفق ضرورة ملحّة أكثر فأكثر. ذلك أنه ليست هناك أية دولة أوروبية تمتلك إمكانية النجاح في التحرك وحدها فيما يخص التعامل مع القضايا الدولية.
ما يحاوله المؤلف هو إيجاد الرابطة بين الماضي الأوروبي وبين مستقبل الأوروبيين اليوم القلقين حيال هذا المستقبل. لكنه يؤكد بنفس الوقت أن أشياء وإنجازات هامة جرى تحقيقها على صعيد القارة خلال العقدين المنصرمين مما ينبغي أن يعزز الثقة بالنفس. الشرط الأول لهذا يحدده في إعادة الاعتبار للوعي التاريخي ولكن أيضا في رؤية الأوروبيين لمصيرهم كمجموعة من الأمم لها وزنها في توجيه مسيرة العالم.
ويفتح المؤلف هنا قوسين ليشير إلى أن الأوروبيين يواجهون عالما تحكمه خاصة موازين القوى فيما يبدو كسحلبة» تشهد المنافسات والمعارك، بينما أن الأوروبيين يتبنّوه مفهوم «المنتدى» بما يعرفه من نقاش مفتوح ومن التزامات تقوم على «القبول التعاقدي». كما يؤكد أن الأوروبيين قد نجحوا في أن يقيموا على قسم كبير من المجال الجغرافي الأوروبي علاقات جوار تقدم على التأمل المتعقل وعلى المواجهة الديمقراطية.
المستقبل والوعي
وبعد التأكيد على القيمة الكبيرة لما حققه الأوروبيون من مكتسبات، يشير المؤلف إلى أن تجربتهم الديمقراطية منعتهم غالبا من رؤية واقع أن العالم يسير حسب نمط آخر، وبالتالي «دون التخلّي عن المكتسبات، علينا مع ذلك القبول في النزول إلى الحلبة»، كما نقرأ، ولكن دون التخلّي عن مفهوم «المنتدى»، والسبيل الأفضل لتحقيق ذلك يتم تحديده في تشجيع المفاوضات المستمرة على الصعيد العالمي وبين القوى الفاعلة الكبرى في اتخاذ القرارات الدولية.
وما يتم تأكيده أيضا هو أنه لا يمكن لأوروبا «الجديدة» أن تقتصر على تأمين الحماية وتكوين مجموع مُغلق. وبالتالي ينبغي عليها أن تقدم إجابات على أسئلة جوهرية مثل: كيف يمكن لأوروبا أن تتحرك في عالم تحكمه مصالح جيوسياسية وطنية خاصة كبرى بينما أن الاتحاد الأوروبي ليس دولة ولا أمة؟ وكيف يمكن التأثير على قوى تميل إلى ممارسة علاقات القوة أكثر من ميلها للبحث عن مصالحات؟ باختصار كيف يمكن لأوروبا أن تؤثر دون أن تهيمن؟
ويركز المؤلف على القول أنه في مواجهة ما يشهده العالم اليوم من أخذ البعد الاقتصادي وحده في الاعتبار ونفي أهمية التاريخ والجغرافيا، يمكن للاتحاد الأوروبي بما يمتلكه من ثقافة التوفيق بين منظورات وطنية متباينة في الرؤية ومن ممارسة اتخاذ القرارات بالمشاركة أن يقدم نموذجا تعاونيا قد يجذب الآخرين ويكون له وزنه في التأثير على مسار التاريخ. وهذا بالتحديد، كما يؤكد المؤلف، ما ينتظره الأوروبيون من الاتحاد الأوروبي. هذا شريطة الاتفاق بطريقة واقعية ومستدامة على مجموعة من المصالح الأوروبية المشتركة والمحددة بوضوح. لكن لن يمكن تشجيع الآخرين للاقتراب من «نمط العيش الأوروبي» دون أن يمتلك الأوروبيون أنفسهم جرعة قوية من معرفة ما يجري في العالم ودون إرادة التأثير على مساره.
ويرى المؤلف في محصلة هذا النهج من التحليل أن المستقبل السياسي للاتحاد الأوروبي مرهون بتحركه كمجموعة جيوسياسية واعية وكمركز سلطة متقدم ومجدّد في عالم المراكز المتعددة الذي يتشكّل. إن العالم بحاجة إلى «حلم أميركي جديد»، كما يقال أحيانا، أفلم يحن الوقت الذي يقتنع فيه الأوروبيون بتفرّدهم وبصلاحية نموذجهم وأن يصيغوا أنفسهم صورة للعالم؟ كما يتساءل المؤلف.
المؤلف في سطور
ميشيل فوشيه جغرافي فرنسي معروف ومستشار، لمدة سنوات، لدى وزير خارجية فرنسا الأسبق هوبير فدرين للمسائل السياسية والإستراتيجية. شغل منصب مدير مركز التحليل واستشراف آفاق المستقبل في وزارة الخارجية الفرنسية، ثم عمل سفيرا لفرنسا لدى جمهورية ليتوانيا.ويعمل في الوقت الحالي أستاذا في مدرسة المعلّمين العليا في باريس.
والمؤلف هو كذلك أحد الاختصاصيين الفرنسيين الفرنسيين البارزين المهتمين بالشأن الأوروبي. وقدم للمكتبة العالمية عدة مؤلّفات، منها: «وسواس الحدود» و«الجمهورية الأوروبية بين التاريخ والجغرافيا» و«جبهات وحدود».
الصفحات: 267 صفحة
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: أوديل جاكوب ـ باريس ـ 2009