تستعيد هذه الحلقة الأخيرة ـ مقولة الرئيس الأسبق «أيزنهاور» بأن مقاليد أميركا بيد المجتمع (أو التحالف) بين الدوائر العسكرية ودوائر الصناعة.. ويدعو الكاتب إلى تحالف يجمع بين النظام السياسي والإداري مع فعاليات الصناعة والإنتاج في أميركا مستهدفا في ذلك تشجيع البحث والتطوير العلمي وتعزيز روح الابتكار وملكة الاختراع والتجريب التي يراها الميزة التي أتاحت لأميركا مكانة فريدة في مجتمع الدول.
يختتم الحلقة باقتراح 10 تحولات أساسية في تصور المؤلف بالنسبة لأجندة إدارة الرئيس أوباما الراهنة حيث تغطي المقترحات مجالات شتى ما بين الغذاء والمياه إلى الطاقة وشبكة الإنترنت إلى المرأة والصحة والتركيبة السكانية بشكل عام. وفي هذا السياق يؤكد المؤلف مقولته بأن أفضل السبل المتاحة لأميركا أن تنطلق من قاعدة أن العالم يتغير وأنه لا ينبغي لأي قوة أو دولة أن تنفرد بالهيمنة على مقاليد هذا العالم. على الصفحات الأخيرة من الفصل السابع ـ ما قبل الأخير ـ من الكتاب يتحدث المؤلف عن ظاهرة مستجدة حقا على ساحة الحكم في أميركا. ويوجزها المؤلف في العنوان التالي: جهود المجمع (التحالف) الإداري ـ الصناعي. عند هذا المنعطف من الكتاب يروي المؤلف (ص 341) الحكاية التالية: في مارس عام 2008 قرر أكثر من 50 من كبار قادة القوات المسلحة الأميركية المتقاعدين في تصرف جماعي أن يضغطوا على أعضاء الكونجرس من أجل إعادة التفكير في الأسلوب الذي ظل متبعا في أميركا إزاء حالات ما بعد الصراع وحالات ما بعد الكوارث التي تشهدها مناطق وأصقاع فيما وراء البحار.
ماذا كانت مطالبهم؟... كانوا يطالبون بمعاودة النظر في السياسة الخارجية الأميركية وتوسيع نطاقها من أجل إسناد دور محوري يضطلع به فيلق من العاملين المدنيين المدربين والموفدين للعمل مباشرة مع الأفراد العسكريين من أجل المساعدة على بناء المدارس وسبل النقل والنظم الاقتصادية والسياسية في البلدان التي تعاني من المشاكل. وفي هذا السياق بالذات يلخص الأمر واحد من كبار هؤلاء القادة هو الجنرال «انتوني زيني»، القائد السابق للمنطقة العسكرية الأميركية فيقول: نحن بحاجة أكثر من ماسّة إلى شركاء مدنيين ممن يتمتعون بنفس القدرات التي يتمتع بها العسكريون. * ومرة أخرى يمكن طرح السؤال: ماذا لو تتم هذه الشراكة بين الدور العسكري والدور المدني؟ ـ ومرة أخرى كذلك ينقل المؤلف الإجابة عن أحد كبار محللي شؤون الدفاع هو الكاتب الأميركي شيت ريتشارد الذي يقول: لا يمكن أن تستمر الأمور على حالها: وها نحن قد تكبدنا نحو 4 آلاف من خسائر الأرواح أو أجبرنا الجيش (الأميركي) على أن يدفع 40 ألف دولار على شكل مزايا واستحقاقات لكل فرد من المجندين الجدد، وبدأنا برنامجا لشراء عربات جيب مدرعة يكلف كل منها مليون دولار وحمّلنا الأجيال القادمة أعباء فادحة... ولقد فعلنا هذا كله دون أن يكون في مواجهتنا عدو جدير بهذه الصفة، بمعني أن يكون مسلحا بالدبابات، مدججا بالصواريخ ومستخدما لأحدث الطائرات، ولا خضنا حربا اشتبكنا فيها مع جحافل من أمهر القوات العسكرية في ساحات المعارك. بل ولا تكبدنا كل هذه المصاريف في مسعى من جانبنا لقمع المقاومة ضد احتلالنا للعراق وأفغانستان. ناهيك بأنها مقاومة يقوم بها مدنيو ن يحملون أسلحة خفيفة وتشنها ميليشيات سيئة التجهيز.
حكاية الصدمة والرعب... على مثل هذه التحليلات والرؤي الصريحة (هل نقول والشجاعة أيضا) يعلق المؤلف قائلا: مشكلتنا (يقصد إدارة بوش السابقة) أننا انطلقنا من مقولة عقائدية مريحة لنا حملت شعار الصدمة والرهبة.. (أو الصدمة والرعب) مضافا إليها شعارات ومنطلقات من قبيل شعور التفوق .. الهيمنة والانفراد بالقرار دون حاجة إلى مشاورة الآخرين. ثم يلخص المؤلف رؤيته هذه في جملة موحية هي: لن نستطيع أن نسكب باستخدام المدافع. والمعنى أن الجهود المدنية .. ومشاريع التنمية والتطور الاقتصادي. وتوظيف الاستثمارات لمنفعة أطراف شتى داخلية وخارجية .. ومن ثم بناء جسور من التواصل والتفاهم بين تلك الشعوب هي بوليصة التأمين السحرية كما قد نسميها ضد تيارات العنف والجريمة والانحراف والخروج على القوانين الوطنية في الداخل، بقدر ما أنها سياج الأمان ضد تيارات العنف المتعصبة أو الشعوبية العرقية والإرهاب والحزازات والصراعات الطائفية وأيضا الخروج على القوانين والأعراف الدولية.
دعوة إلى تحالف جديد
تلك هي الدوافع التي جعلت كاتبنا يقترح على صفحات الفصل الثامن والأخير تحوير مقولة الرئيس الأسبق أيزنهاور التي وصف فيها مقاليد الأمور في أميركا بأنها بيد التحالف (المجمع) العسكري ـ الصناعي.
والتحوير الذي ينادي به مؤلف الكتاب ينشأ بين النظام السياسي والإدارة الحكومية مضافا إليهما دوائر الصناعة والإنتاج أو هي بحكم التعريف (في النسق الأميركي على الأقل) دوائر لا تتردد في عن توظيف استثمارات لا يستهان بها لأغراض البحث العلمي وتشجيع ملكة التجديد والإبداع والابتكار إن لم تحدوها في ذلك نوازع الضمير لخير المجتمع، فقد تدفعها ـ ولا تثريب عليها ـ رغبة المزيد من تحقيق المكاسب وجني الأرباح.
أجندة من 10 بنود
في ضوء هذه الدعوة إلى سبل جديدة في التفكير والسلوك .. يعمد مؤلفنا على صفحات الفصل الأخير من هذا الكتاب ـ إلى طرح ما يصفه بأنه «أجندة تقدمية» للعمل في المستقبل. وبديهي أولا أن بنود جدول الأعمال موجهة في الأساس إلى مسؤولي بلده في أميركا من ساسة ومخططين ومفكرين.
من هنا يختتم المؤلف كتابه ببنود هذه الأجندة المطروحة على إدارة أوباما ويمكن أن يشهدها العقدان القادمان وبحيث تؤدي هذه التحولات إلى ما يسميه «تنظيف أو تنوير زوايا وأركان مظلمة شتى من دنيا العولمة».
10 تحولات أساسية يعرضها مع السطور الختامية من الكتاب على النحو الموجز التالي:
(1) الغذاء والمياه
تزداد رغبة الاستهلاك واحتياجاته في مجالات الأغذية والمياه.. وهي زيادة كمية مع زيادة السكان في كوكبنا وزيادة نوعية على ضوء رغبة طبقات وشعوب في الارتفاع بمستوى معيشتها ونوعيات غذائها. هذا التحول يزداد صعوبة في ظل تغيرات المناخ وقيود الاستيراد والتصدير للأغذية وشحة موارد المياه. الأمر الذي يدفع إلى إنشاء وتعهد شبكة عالمية للتجارة في الأغذية.
(2) دنيا الطاقة
هنا تترافق مشكلة خفض الانبعاثات الكربونية مع مشكلة خفض تكاليف الطاقة بحد ذاتها في ضوء الارتفاع الشامل في الطلب على موارد الطاقة. هنا أيضا تلوح نزعة الاتجاه المتزايد نحو موارد الطاقة غير النفطية وغير الكربونية (الفحم) وفي مقدمتها الطاقة النووية بكل أهميتها.
وهنا أيضا ينبغي للعالم أن يفتح عينيه لكي يحقق التوازن المرهف المطلوب بين الاستخدام المشروع للطاقة النووية (في الأغراض السلمية) وبين خطورة التحول بهذه الطاقة إلى أغراض غير سلمية. فضلا عن خطورة أي أخطاء ترتكب في إدارة هذه الطاقة (التسرب الإشعاعي على سبيل المثال).
(3) الأمن
وبالذات الأمن البيولوجي وأمن المحاصيل والأغذية المنقولة عبر اليابسة والمحيطات وأمن التأهب ضد الكوارث الطبيعية التي لوحظت زيادة تواترها في أرجاء شتى من كوكبنا.
(4) الإنترنت
هناك مليار إنسان يتواصلون معا في هذه المرحلة ـ وربما في هذه اللحظة باستخدام السبل الإلكترونية ـ وفي صدارتها بالذات شبكة الإنترنت الكوكبية.. في السنوات المقبلة من المتوقع أن يدخل المليار الثاني ثم الثالث من البشر إلى حلبة هذا التواصل الذي يتوقع أن يبلغ مستوى اتصال النظير مع النظير .. بمعني اتساع وتعميق الاتصال الشخصي بين الأفراد عبر الأقطار والأنساق والثقافات.
(5) العامل الديني
يتوقع المؤلف مع تنامي عامل التدين أن يسفر ذلك عن اتجاه سياسي نحو المحافظة مع اتجاه اجتماعي نحو الحراك الاجتماعي. ومع ذلك سوف تنجم في رأي المؤلف ـ دعوات إلى التحالف بين الفريقين لمواجهة شرور العدو المشترك المعروف باسم «اكس»، وهو عدو مجهول وغير محدد الهوية وفي هذا الإطار أيضا يتوقع المؤلف تعاونا متسعا بين الحكومات والمنظمات ذات الطابع الخيري.
(6) التحول الحضري
المستقبل للمدن والتجمعات الحضرية على حساب القرى والتجمعات الريفية أو البدوية وما في حكمها: ثمة نتيجة إيجابية يمكن الإفادة منها في هذا المضمار، وتتمثل في سهولة الاتصال والربط الشبكي والمادي بين المدن بحكم ما يتوافر لها من هياكل وبنى أساسية في مجالات النقل والاتصالات.
ومع اتساع العولمة تتسع رقعة التصنيع، وكل هذه التحولات ستكون مع نهاية المطاف في صالح تنامي شخصية المرأة وتقلص سطوة الرجل.. ومن ثم يتحقق نوع من المساواة أو فلنقل التكافؤ بين الدور والمسؤوليات التي يضطلع بها كل من الجنسين.
فيما أنه بالنسبة التحولات الديموغرافية وعلى عكس المتوقع من بديهية الاهتمام بالشباب والأجيال الطالعة .. يتوقع المؤلف زيادة الاهتمام بكبار السن نتيجة تقدم أساليب الطب والعلاج وبحوث إطالة العمر.. والمتوقع أيضا أن تشهد أصقاع شتى من كوكبنا هذا التفاعل .. وأحيانا التنافس بين اهتمامات الشباب الذي يؤكد ذاته باستمرار (تأمل إسهام الشباب في اتصالات الإنترنت ودنيا الحواسيب) وبين مشاكل الشيخوخة وخاصة في أقطار ارتفعت فيها معدلات الأجل العمري إلى حد ملفت للأنظار (اليابان في آسيا وإيطاليا وألمانيا في أوروبا .. على سبيل المثال)
(8) التحول الصحي
مع ما أشارت إليه هذه الأجندة من ارتفاع معدل الأعمار، سيشهد عالم العقدين القادمين ارتفاعات ـ فلكية أحيانا ـ في تكاليف العلاج والصحة العامة، وخاصة رعاية المسنين وقد يشكل ذلك أحد عوامل زعزعة الاستقرار سياسيا واجتماعيا حيث يقول المؤلف: ستكون المشكلة هي أي يسعى الناس إلى التماس أساليب علاجية لن تقدر حكوماتهم على تحمل تكاليفها.
(8) السوق
سوف تشهد تطورات على المستويين المحلي والعالمي يأتي في مقدمتها: زيادة مرموقة في كفاءة استخدام الموارد الطبيعية وخطط فعالة للتعامل مع النفايات والمخلفات والتحول من تجارة السلع إلى تجارة الخدمات. وإذا كان الفرقاء طالما روجوا لدعوة «دع يعمل .. دعه يمر» .. وركزوا في هذا المقام على عدم تدخل الدولة ـ الحكومة في أنشطة الاقتصاد والتجارة ودنيا المال والأعمال .. ورفعوا شعار حرية الاقتصاد .. إلخ.. فإن المؤلف في هذا البند من الأجندة يتوقع تزايد دور الدولة باتجاه المزيد من الانضباط والرقابة والمزيد من تطبيق وتفعيل اللوائح والقواعد التي تنظم النشاط الاقتصادي من أجل ترشيده وتوجيهه لصالح المجموع.
(10) التحولات الطبقية
يتصور المؤلف في ختام الكتاب أن أكبر ظاهرة، أو فلنقل أكبر تحدٍ سياسي نواجهه اليوم، هو صعود طبقة وسطى معولمة بمعنى طبقة ذات مطالب واسعة وطموحات بالغة ولكن دون أن تقتصر رؤيتها على موقع بعينه على خارطة العالم. وطبعا دون أن نعترف بمكانة محجوزة باستمرار في مقدمة القيادة لبلد أو دولة اسمها أميركا.
التوافق بين الآراء
وسواء كان هذا التصور مقبولا أو كان محفوفا بالشكوك فقد نقبل من مؤلف هذا الكتاب تأكيده في آخر عناوينه الفرعية (ص 413) لأهمية التوافق بين الآراء.. بمعنى محاولات التواؤم والتماس الحلول الوسط بعيدا عن سلوك الانفراد أو الفرض والإملاء.
وفي كل حال، فنحن أن نحمد للمؤلف تركيزه على أمرين جوهريين:
أولهما: أن أميركا لا ينبغي أن تنفرد وحدها بقيادة مقاليد العالم.
الثاني : أن هذا العالم دائم التغير. والمطلوب أن نرصد أحوال هذا التغير في محاولة لكي نستفيد منه لصالح البشر، كل البشر بغير استثناء.
المؤلف في سطور
توماس بارنت مفكر أميركي بارز، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفارد، وعمل فترة بالتدريس والبحث العلمي في الكلية البحرية الأميركية، كما تولى العديد من مناصب الخبير والاستشاري في وزارتي الدفاع والخارجية وفي قيادة العمليات بالقوات المسلحة الأميركية في واشنطن، وفي مواقع شتى فيما وراء البحار، إضافة إلى إلقاء المحاضرات في العلوم السياسية والفكر الاستراتيجي في دوائر الجيش والكونغرس والاستخبارات بالولايات المتحدة.
ويتولى الدكتور «بارنت» حاليا منصب مدير مركز «انتيرا» للبحوث، ويمارس كتابة المقالات في نفس الموضوعات بالصحف، فضلا عن إصداره عددا من الكتب المهمة التي كان من أهمها كتاب بعنوان «خارطة البنتاغون الجديدة» وكتاب «مخطط للعمل».
الصفحات: 488 صفحة
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: ج. ب. بوتمان ـ نيويورك ـ 2009