تتأهب مئات الآلاف من العائلات التي تقطن المدن الجزائرية الكبيرة بالإضافة للعاملين في دول المهجر، للانتقال إلى الأرياف لقضاء العطلة الصيفية بعيدا عن ضجيج وصخب المدينة. ويستعد الجميع لتغيير العادات والسلوكيات بما يتناسب وعالم القرية، حيث يصبح الجلوس على الأرضية الترابية أمرا عاديا بل ومحببا، فيما تدخل الفتيات المطابخ لمساعدة الأمهات، بعد انقضاء العام الدراسي أو العمل في المجالات المختلفة.
في الوقت الذي يغلب على أحاديث الشباب مسائل كالصيد وطرق الزراعة وتربية الماشية والنحل وجمع المحاصيل وما إليها من الجوانب التي تطبع حياة القرويين. ويقل الازدحام في المدن الكبرى بفعل هذا النزوح المؤقت، وبالمقابل تنتعش الحياة والتجارة والمواصلات في الأرياف.
وتعتبر علاقة الريف بالمدينة في الجزائر عضوية، فكثير من العائلات تجد لها فروعا في المدن والعكس، وفي معظم الأحيان تجد العائلة الواحدة منقسمة بين الجانبين، وتستغل الأمهات فرصة العطلة لدفع بناتهن وسط الجدات والعمات والخالات وحتى الخادمات المقيمات بالريف لتلقينهن فنون إعداد الأطباق الشعبية الشهية، خاصة «الكسكسي» و«الكسرة» بمختلف أنواعها.
ومن الوجبات التي تتناولها معظم العائلات عند تواجدها بالريف، الكسرة بالفلفل الأخضر المشوي على نار الحطب. حيث يفرم الفلفل المشوي ويعجن بزيت الزيتون ويسمى في بعض المناطق «لحميس» وفي مناطق أخرى «شليطة» وهي أكلة تختلف عما يتم تناوله في المدينة طوال العام. كما يتناول معظم الناس في مناطق الهضاب العليا الكسرة باللبن.
وتقوم النساء مبكرا لعجن طحين القمح الصلب وطهي الكسرة أو «الرخسيس» ، كما تسمى في بعض الجهات، على «الطاجين» على أفران الغاز لكن الكثيرين يفضلونها تقليدية على نار الحطب.
وتشارك الفتيات في مختلف مراحل إعداد الأطعمة الشعبية، ويطلق على إعداد الكسكسى«الفتيل» وهي مرحلة تخلط فيها المرة دقيق القمح الصلب مع الماء وقليل من الملح وتديره بيديها بطريقة تحول الخليط إلى حبات صغيرة متساوية كما لو صنعتها آلة دقيقة الحساب.
كما تتعلم الفتيات والنساء اللائي تربين في المدن خلال هذه الفترة أنواعا من الطرز الريفي و طريقة أعداد خيوط النسيج وإقامة «المنسج» لانجاز «برنوس» وهو لباس جزائري تقليدي للرجال أو «الحنبل» الذي يستخدم للفراش والغطاء أيام البرد.
وتصل الجرأة على التأقلم مع الريف ببنات المدن أحيانا الى حلب بقرة أو عنزة أو نعجة وهي مرحلة عليا في التعايش مع أجواء العطل خارج المدن. وتحلب البقرة في «محلب » وهو إناء من الفخار أو المعدن.
ويستهلك الحليب بطرق عدة منها تناوله طازجا مباشرة بعد حلبه أو بجمعه يومين أو ثلاثة أيام «يمخض» بعدها ليفصل اللبن عن الزبدة. كما تصنع أنواع الجبن التقليدي بإضافة مواد طبيعية للحليب.
ويستغني سكان الريف ومعهم الوافدون من المدن في عدة جهات بالجزائر خاصة بالقبائل والأوراس وأقصى غرب البلاد خلال الصيف عن قهوة الصباح، ويعوضونها بتناول فاكهة الموسم خاصة التين العادي الطازج والتين البربري أو الشوكي ويسمى أيضا «الهندي».
وتقطف هذه الفاكهة في الصباح الباكر قبل طلوع الشمس وتؤكل في حينها.
في قرية المرج بمنطقة القبائل الصغرى بنى سعيد بدَّار مسكنا جديدا ليقيم به خلال العطلة. المسكن تقليدي جدا ويماثل الطريقة المعتمدة في القرون الماضية، أربع غرف أرضية فسيحة يتوسطها فناء يمتد 120 متراً. والمواد المستخدمة في البناء هي الحجر والتراب، كما كان يفعل الأجداد وعرض الجدار 50 سنتمترا. أما السقف فمن لوح الخشب المحلي مغطى بقرميد تقليدي. ولُبّست الجدران في الداخل بالجبس أما في الخارج فظلت على طبيعتها حجرية.
وعاد النشاط لنساء مسنات يشاركن في تلبيس البيوت بالجبس وصناعة الأرضية الترابية بالطين ومواد طبيعية محلية بينها أنواع من الأعشاب التي تساعد على تماسك التراب المبلل وتحويله الى ما يشبه الاسمنت.
كما تبني المسنات خاصة في منطقة القبائل «الكوفي » وهو إناء كبير من طين يتخذ شكلا أسطوانيا أو مستطيلا قائما يثبت في زاوية من زوايا البيت. وفي السنوات الأخيرة صارت نساء أقل سنا وبنات يتعلمن هذه الصناعة ما يبشر بإطالة عمرها. ويجمع في الكوفي التين المجفف والقمح والشعير وغيرها من المواد الزراعية الصالحة للتخزين.
ويحن حسين بارة، وهو مغترب في السابعة والستين عاد من فرنسا قبل عامين بعدما حصل على التقاعد، الى جلسات الماضي تحت أشجار «الدردار» العملاقة التي ترد حر الصيف في بلدة «واسيف » بولاية تيزي أوزو. فقد وجد الطبيعة كما هي لكن الناس تغيروا.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي