يثير الإعلام الفلسطيني الكثير من الشفقة والانتقاد في آن واحد، حيث يعاني من أزمات عدة ومشاكل معقدة أفقدته أهميته ودوره، بل أفقدته القدرة على معالجة القضايا والمشاكل الوطنية ففي الوقت الذي يعيش فيه الإعلام في شتى أنحاء العالم فرصة ذهبية لإثبات رقيه وسموه لخدمة قضاياه المعقدة والمتشعبة في مختلف الاتجاهات، لا نجد ذلك فلسطينياً بما يجعله على مستوى التحدي المطلوب، بل يعتقد بعض المختصين والخبراء ان الإعلام الفلسطيني سجل عجزاً كبيراً في تحقيق الأهداف المرجوة، رغم حصول عدة صحافيين على شهادات تقدير وجوائز وأوسمة عالمية على أدائهم في غزة والضفة الغربية.
ويؤكد الخبير الدكتور فريد أبو ظهير أستاذ الصحافة في الضفة الغربية ان الإعلام المحلي يعاني إشكالات بالغة الخطورة.
أما عن المضمون فيقول: رغم إن مسألة التشخيص مهمة، إلا أن معرفة الأسباب تعتبر أكثر أهمية، لأنها تساعد على تلمس طرق العلاج. وأضاف إن إعلامنا لا يتحلى بالجرأة والشجاعة في تناول القضايا التي تهم المواطن.
واتهم الخبير إعلام السلطة الوطنية بأنه أسهم في تعميق الانقسام خلال السنوات الأخيرة،كما انه افتقر في كثير من الأحيان إلى أبسط المعايير المهنية، بل وأغفل الكثير من القضايا التي يحتاجها المواطن. كما أكد انه لم يقم بدوره في خدمة المجتمع، وتزويد الإنسان بالمعرفة التي تساعده على اتخاذ القرار، والمشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية، ولم يتصد للثقافة الدخيلة، ولم يعمل على معالجة مشاكل المجتمع في المجالات الاجتماعية والتنموية.
تراجع القيم
أما من حيث الشكل فمن المؤسف القول انه اهتم بما يثير انتباه الجمهور، وافتقر في كثير من الأحيان للشكل الراقي الذي يهم أصحاب الذوق الرفيع. وقال إن أسباب هذا ليست مرتبة حسب الأهمية، لكنها تتكامل لتشكل خارطة غير سوية للواقع الإعلامي الفلسطيني. وعدد أبو ظهير بعضاً من الأسباب منها الجانب السياسي، وحالة الاستقطاب التي يرفضها العقل والمنطق وأبسط قواعد وأصول مهنة الإعلام.
وأعرب عن الأسف لأن هذا الأمر أدى إلى سبب آخر لا يقل خطورة، وهو تراجع قيم المهنية إلى مرتبة متدنية، ولتتحول لمصلحة الحزبية. ولذلك، فإن غياب المهنية يعزز حالة التشويه التي صبغت الشكل والمضمون في الإعلام الفلسطيني.
وهناك أمر آخر، يتمثل في غياب دور الجمهور. فمن غير اللائق بشعب مثقف، ويعيش تحت احتلال، أن يترك معظم إعلامه يوغل في البعد عن أصول المهنة. فمن المعلوم أن الجمهور بعمومه يمتاز بالذكاء والقدرة على التمييز. ولكن ذلك الذكاء يجب أن يكون ملموساً، وأن يظهر من خلال تعاطي الجمهور مع الإعلام.
وخلص أبو ظهير قائلا :صحيح أن الواقع المعقد الذي يمر به الفلسطينيون، في ظل الاحتلال والحصار، يسهم في إضعاف الإعلام ، لكننا نتحدث عن العوامل الذاتية، التي تحتاج منا فقط إلى تطوير قدراتنا على الصعيد المهني، وكذلك معالجة الارتباط العضوي للمهنة بالاتجاهات السياسية.
مضمون باهت
أما الباحث في الضفة الغربية خالد معالي فقال: بشكل عام فإن إعلامنا العربي يعاني كثيرا بين الشكل والمضمون.
وأضاف إن المضمون باهت ويكاد يفتقد للمصداقية، وتلبية رغبات الجمهور في كثير من الأحيان وفي مختلف وسائل الإعلام وأرجع ذلك في المقام الأول للحالة السياسية المعاشة ما أنعكس على المضمون، فكلما ارتفع منسوب الحريات تصاعد معها منسوب وتناسق الشكل مع المضمون، وهنا يمكننا السير في الاتجاه الصحيح نحو شكل متناغم ومتماسك مع المضمون.
الانسجام مفقود
الصحافي والكاتب مخلص سمارة فمن جانبه يرى ان الإعلام الفلسطيني لا يتحقق خلاله الانسجام من حيث الشكل والمضمون وقال بصراحة فإنه وفي اغلب أحايينه إعلام فصائلي بحت، وبات يقدم المصلحة الحزبية على أي شيء آخر، وهذه نقطة مهمة بل وتعتبر مقياسا ضروريا للحكم على أي وسيلة إعلامية كانت.
وأوضح إن : الفضائيات المحلية لم ترتق إلى المستوى المطلوب على الساحة المحلية، ولم تلعب دورها في إيصال الرسالة التي تخاطب المواطن كفلسطيني وليس كابن فصيل.
وأشار سمارة فيما يتعلق بالصحافة المقروءة المتمثلة بالصحف والمجلات أو المواقع الالكترونية فإنها هي الأخرى يشوبها الكثير من العيوب إذا ما صح تسميتها بذلك، لفقدانها للكثير من معايير الدقة والحيادية والصدق التي تعتبر من أهم مضامين وأشكال مهنة الصحافة ومتطلباتها وهذا في النهاية يجعلنا نقف مليا عند صحافتنا الوطنية والمضمون الحقيقي التي يجب أن تكون عليه.
غزة ـ ماهر إبراهيم