منذ أن وقعت الحكومة الباكستانية اتفاقية وادي سوات مع حركة «طالبان» في شهر فبراير الماضي، والتي وصفت بأنها الإنجاز الأكبر للحركة منذ أحداث الـ11 من سبتمبر، فتحت إسلام أباد الباب على مصراعيه للمجهول ليستحوذ على مصير البلاد بتسويةٍ أثارت حفيظة الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص.

وما لبثت باكستان أن دخلت في قلب دوامةٍ سياسية تمثلت بـ «المسيرة الطويلة» التي نظمتها المعارضة بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نواز شريف وحليف الرئيس آصف علي زرداري سابقاً. ومع تحركات «طالبان» الأخيرة، والتي دقت بها أبواب العاصمة ليحبس العالم أنفاسه خوفاً من تكرار تجربة خريف العام 1996 في أفغانستان، يبدو أن التسريبات بتوقع قرب تفكك الدولة المركزية في باكستان تحمل مقداراً من الصحة، وإن يخيل لآخرين أنه لم يكن هناك وجود حقيقي للسلطة المركزية في باكستان على أرض الواقع في يومٍ من الأيام.

وفي حين تكمن المشكلة الحقيقية في التناقض الصارخ بين رغبة إسلام أباد في المحافظة على علاقات وثيقة مع «طالبان» ومحاربتها في الوقت ذاته، تبرز هنا أهمية الاستراتيجية التي أطلقتها الإدارة الأميركية الجديدة التي يبدو أنها ستدفع بالجيش الباكستاني ليكون رأس حربة تلك الاستراتيجية بفتحه جبهاتٍ ضد الأصولية الإسلامية على الحدود الباكستانية الأفغانية، فيما يجلس الأميركيون ليمارسوا هوايتهم بالمراقبة عن بعد مع الاستمرار بضرباتهم الجراحية عبر مبضع الطائرات بدون طيار. ولأن التاريخ دائماً ما يعيد نفسه، وجدت الدولة الباكستانية نفسها في مواجهة البعبع الذي خلقته لزعزعة استقرار دول الجوار، والذي ما لبث أن ارتد عليها وعلى من دعمه في ما وراء المحيطات.

وهذا ما يفسر تأكيدات المسؤولين الباكستانيين في مختلف تصريحاتهم حينما شددوا على أن القضاء المبرم على تحركات المنظمة المتطرفة عسكرياً سيكون فقط في وادي سوات وليس في أرجاء البلاد.

فالحكومة الباكستانية لم يعد بمقدورها القضاء على تلك الظاهرة التي تجذرت في العقلية السوسيولوجية القبلية وأضحت تشكل عامل توترٍ في شبه القارة الهندية (وهجمات مومباي في نوفمبر الماضي دليل بسيط عليها) إلا بتقديم تنازلاتٍ سياسية كتلك التي حاولت تقديمها في «اتفاق مالاكاند».

لقد عرف الرئيس الباكستاني الحالي آصف علي زرداري على الدوام بأنه الشخص القادر على تجنب الأزمات والعبور من خلالها بسلاسة، وهو الذي سجن لعدة سنوات بتهمٍ تتعلق بالفساد وقتلت زوجته وهددت سلطته شخصياً من قبل المعارضة والمتطرفين الإسلاميين بعد شهورٍ قليلة من تسلمه زمام الحكم.

ويدور الحديث الآن في أوساط صنع القرار في إسلام أباد عن إمكانية شق صفوف «طالبان» بزرع بذور الخلاف بين الجناحين الأفغاني والباكستاني، ومن هنا يمكن فهم المحاولات الأخيرة لدمج من وصفوا ب«معتدلي» الحركة في العملية السياسية الأفغانية لإضعاف زخم الجناح الباكستاني وبالتالي الابتعاد قدر الإمكان عن الخيار العسكري وما قد يتبعه من زلازل سياسية تهدد وجود باكستان.

إلا أن الرئيس الأفغاني حامد قرضاي وإيران، التي يعول عليها البيت الأبيض كثيراً في استراتيجيته الجديدة، لن ينظرا بعين الرضا لعودة «الطالبانيين» إلى الحكم، ما يمثل عقبةً أخرى على طريق فك لغز الأحجية الأمنية في المنطقة.

وبالتزامن، ضغطت واشنطن على زرداري لإسقاط حظر تولي منصب حكومي الذي فرضه على شريف بعدما رأت برئيس الوزراء الأسبق مفتاحاً للجم نفوذ الحركات الإسلامية المنتشرة في البلاد، وهو الذي يوصف بـ «عراب» وصول «طالبان» إلى الحكم في أفغانستان العام 1996.

ما يغضب الولايات المتحدة، وهذا حقها، ومعها المجتمع الدولي المتحضر هو رغبة «طالبان» غير المقبولة في الهيمنة على تفاصيل حياة الشعب الباكستاني ومحاولتها الفجة لصياغة مفردات المشهد السياسي على مقاسها المتطرف وكأنها لم تكتف بما جرته من خراب وعزلة على أفغانستان طيلة خمسة أعوام حتى سقوطها المدوي العام 2001 لم ير خلالها الأفغان البسطاء سوى قوانين المحظورات القروسطية التي سحقت عقول الشعب، فيما كان «ضيوف» الملا محمد عمر يجوبون قفار أفغانستان بسيارات الدفع الرباعي الفارهة.

وما يغضبها أكثر هو «اللوبي الطالباني»، إن صح التعبير، داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية الذي وضع البلاد على سكة «إما أن تكونوا معنا أو مع الإرهابيين».

ولعل السر وراء انجذاب القوى العظمى نحو الجمال الخارق لهذه البقعة من العالم يفسر إلى حدٍ ما ضمن ثنايا رواية «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» التي يتحدث فيها كاتبها الألماني عن فكرة الانفصال التام الذي يشعر به الجنود العائدون من الجبهة عن المجتمع المدني بسبب نمط الحياة المختلف الذي يعيشونه لفترةٍ طويلة. ليجدوا أنفسهم في حالة اشتياقٍ غريب للعودة ثانية إلى الجبهة التي كانوا يجاهدون للابتعاد عن جحيمها بكل ما تحمله من موتٍ وآلام.

وادي سوات

عرف وادي سوات سابقاً باسم ولاية سوات حتى العام 1969، ويطلق عليه لقب سويسرا باكستان وذلك لجمال طبيعته ووجود منتجعات للتزلج على الجليد كانت محل جذب لعشرات الآلاف من السياح من مختلف أنحاء العالم ممن كانوا يدرون دخلاً لا يقل عن 24 مليون دولار سنوياً بحسب مسؤولين محليين.

تبلغ مساحة المنطقة نحو 1772 كيلومترٍا مربعا، وتعداد السكان قرابة 1.5 مليون نسمة. ومدينة مينغورا التي انتزعتها القوات الباكستانية قبل أيام من أيدي مقاتلي «طالبان» هي كبرى مدن المقاطعة برغم أن العاصمة هي مدينة سيدو شريف.

يسكن وادي سوات أغلبية من العرقية البشتونية التي يتكون منها مسلحو «طالبان»، فضلاً عن أقليات أخرى. وقد أثرت الحرب الدائرة في سوات على الوضع الاقتصادي للسكان الذين فقدوا الكثير من مصادر رزقهم.

رائحة البارود وصناديق الاقتراع

فيما كان الجيش الباكستاني يكافح جاهداً «طالبان» في أقاصي سويسرا الباكستانية، كما يطلق الباكستانيون على وادي سوات تحبباً، كانت الجارة اللدودة، الهند، تمارس بشفافيةٍ لم نشهدها في التغطية الإعلامية لحرب سوات، العملية الديمقراطية الأكبر في تاريخ البشرية والتي تمثلت بانتخاباتها التشريعية الفريدة من نوعها.

ولأن مؤسسي باكستان أرادوا لها أن تكون دولة المسلمين المتميزة عن الجار الهندوسي، أنشئت البلاد على أسس جمعت ما بين نزعة الدين المحافظ والوطنية العرقية المبنية على مبدأ لا صوت يعلو فوق الأمن القومي، ما مهد لظهور حركات متطرفة وجدت في هشاشة المنظمات المدنية أرضية خصبة للتكاثر والامتداد في مجتمعٍ وجد نفسه مؤدلجاً.

ولذا، لم يكن من الصعب توقع حدوث انقلاباتٍ عسكرية على الحكام المنتخبين ديمقراطياً وتسيد لهجة العنف والاغتيال للمشهد السياسي لتكون لغة الحوار الوحيدة بين الأخوة الأعداء رصاصة المسدس ورائحة البارود في بلدٍ التوى فيه القانون في أغلب الأحيان بحسب رغبات القوي المتسلط.

هزمت باكستان في معركة الديمقراطية في اللحظة التي قرر فيها الجنرال ضياء الحق أن يعدم ذو الفقار علي بوتو ليفتح «صندوق باندورا» الذي لا يبدو أنه سيغلق عما قريب.

ولأنها لم تجعل من ترسيخ ثقافة دولة المؤسسات هماً وطنياً، خسرت كشمير لصالح الهند في تجربةٍ مستنسخة عن أماكنٍ عديدة من العالم أفضت بها إلى الانضواء تحت لواء سياسة المحاور في عهد ضياء الحق الذي انتهى نهايةً سريالية مقتولاً بتفخيخ صناديق فاكهة المانغو في طائرته.

نجحت الهند في بناء علاقات متوازنة مع القوى العظمى برغم تحالفها مع الاتحاد السوفييتي السابق، وأقنعت الغرب بفضل إرث «اللا عنف» أنها الأقدر على حفظ أمن شبه القارة.

وفي الوقت الذي يخشى فيه الجميع من تشظي باكستان إلى دويلاتٍ عديدة بدءاً من المناطق القبلية المحاذية للحدود الأفغانية والخارجة عن سيطرة الحكومة المركزية مروراً بأقلياتٍ تطمح لـ «خلاصها» من سلطة المؤسسة العسكرية المتنفذة، فإن الدولة الهندية مترامية الأطراف نجحت ببراعة في احتواء مئات، بل وآلاف الأقليات العرقية والدينية والمذهبية التي تزخر بها وأدخلتها في لعبة الديمقراطية التي حفظت لها حقوقها كشريكٍ في نظامٍ علماني صارم شبيه بالتكنولوجيا المعقدة التي تصدرها الهند إلى العالم.

وإن برزت أهمية باكستان بشكلٍ أكبر بعد أحداث ال11 من سبتمبر، فلأن إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش أرغمتها على التعاون معها في الحرب على الإرهاب على نهج المثل المعروف: «مكره أخاك لا بطل».

وإن أراد حكام «الأرض الطاهرة» وضع أزمات وطنهم المستعصية والقابلة للانفجار في أي لحظةٍ كما شهدنا في أحداث وادي سوات وراء ظهورهم، فحري بهم، والحال كذلك، أن يعمدوا إلى «تنظيف» مؤسسات الحكم المدنية والعسكرية على حدٍ سواء من الفساد المستشري واللا مسؤولية اللذين ضربا بأطنابهما مفاصل البلاد، ويعيدوا الجيش إلى ثكناته.. فإليها وحدها ينتمي.

رؤوف بكر

bbaker@albayan.ae