يؤكد المؤلف في هذا المنعطف من كتابه اقتناعه بأن المكانة التي تشغلها أميركا لا تتمثل أساسا في المنعة العسكرية، ولا حتى في غزو الفضاء، ولكن بالدرجة الأولى في حقيقة أن أميركا تمثل أكبر سوق للطلب المتزايد على كميات مطردة التزايد بدورها من السلع والخدمات هنا تطبق سطور المؤلف مبدأ أن العميل ـ الزبون دائما على حق، وهو المبدأ الذي تترجمه نزعة الاستهلاك الأميركية في أن كل منتجي العالم يحرصون على إرضائها ـ ابتداء من الصين كدولة إنتاج للسلع الاستهلاكية، إلى ألمانيا واليابان في إنتاج السيارات إلى دول إنتاج المواد الأولية التي تستعملها أميركا كمدخلات في صناعاتها الثقيلة التي استجدت ـ كما توضحها رؤية المؤلف هنا ـ هي ظهور متنافسين جدد على هذا الموقع بين الاستهلاك والإنتاج وفي مقدمتهم كل الصين والهند.
ما هي أكبر عوامل القوة التي تتصور أميركا أنها قد امتلكتها وحازت بها ـ كما نتصور ـ قصب السبق على عالمها وعصرها؟ بديهي أن التفسيرات كثيرة والتحليلات لا تكاد تحدها حدود. لكن مؤلف الكتاب يتوقف مع سطور الفصل الرابع عن حقيقة جوهرية يتصورها محور قوة أميركا في كل وقت.هذه الحقيقة تلخصها العبارة التالية: إن أميركا تمثل بمفردها أكبر ساحة للطلب على السلع والخدمات على مستوى العالم كله. والمشكلة الراهنة ـ كما يحاول الكتاب توضيحها ـ أن هذا العامل من عوامل القوة لم يعد حكرا على أميركا وحدها: ثمة قوى مستجدة.. صاعدة في مقدمتها الصين والهند ـ ناهيك عن قوى الاتحاد الأوروبي ـ باتت تشكل بدورها ساحات للطلب المتزايد على السلع والخدمات بل وتتنافس مع أميركا.. السيد العولمي الذي كان ـ حريصا على اقتناء سلع بعينها.. ولا سيما تلك المتصلة بتكنولوجيا الفضاء والحواسيب الإلكترونية وما في حكمها.
الدنيا تغيرت... وعندما تكون في الموقع الأول من الطلب على السلع والخدمات حينئذ يكون العالم كله تحت أمرك.. تدور محاور العالم حول احتياجاتك.. رغباتك.. وطموحاتك.. ومن ثم تصبح مقاليد القوة والمنعة في يديك. ومن الغرابة بمكان أن يكون السيد في عملية الإنتاج أو الخدمات هو المستهلك وليس المُنتج.وهذا طبيعي لأن المستهلك هو الذي يدفع، ومن حقه أن يتدلل ويتعزز، أو يتسيد ما شاء له الهوى.والحق أن الذي زاد من اتساع الطلب الأميركي على كل نواحي الاستهلاك هو ذلك الجيل العجيب من شعب الولايات المتحدة.الذي يحمل التوصيف التالي: جيل طفرة المواليد (بيبي بومرز كما يقول التعبير الانجليزي ـ الأميركي بالنص) هو الجيل الذي ولد مع انتهاء الحرب العالمية الثانية بمعنى أنه فتح عينيه على الحياة في مرحلة منتصف عقد الأربعينات.
وبمعنى أنه لم يشهد ويلات ذلك الصراع الدولي ولا عانى شظف المعيشة على نحو ما قاسى آباؤه وقت الحرب.. وعلى نحو ما كابد أجداده سواء في الحرب العالمية الأولى أو في مرحلة الكساد الاقتصادي الرهيب الذي أنشب مخالبه في اقتصاديات أميركا مع عقد الثلاثينات من القرن العشرين.
حياة رغدة
ومنذ أواخر الأربعينات، عاش جيل طفرة المواليد في بلهنية الاستهلاك الترفي والاقتصاد الكمالي، سيارات فارهة، وبترول رخيص، وسينما هوليوود تتحف كل موسم بفيلم بالألوان يصور الحياة وكأنها نزهة أو متعة.. وعملة نقدية أصبحت هي سيدة العملات اسمها الدولار.
مشكلة هذا كله أنه بدأ يميل إلى الكسوف أو الغروب.إن الجيل الاستهلاكي الترفي يتهيأ للتقاعد بعد أن جاوز الستين دأب المشيب في الرؤوس.وعانى نفس الجيل ورطات شتى ما بين فيتنام إلى العراق وما بين حادثة الحادي عشر من سبتمبر إلى فقاعة وول ستريت التي انفجرت منذ خريف العام الماضي لتفضي إلى أزمة اقتصادية لاتزال خانقة.. لدرجة أن تستعيد معها الذاكرة الجمعية الأميركية مأساة الركود الخطير منذ 80 عاما من عمر زماننا المعاصر.
لقد توارت أنماط استهلاك جيل الطفرة لتفسح المجال لاستهلاك جيل الملنيوم وهو جيل القرن الحادي والعشرين الذي لم تتشكل معالمه بعد، والذي فتح عينيه ـ كما هو معروف ـ على مفردات صعبة تبعث على الجزع والارتباك من قبيل: تدمير المركز التجاري.. غوانتنامو.. أبو غريب.. ديك تشيني.. الإرهاب الدولي.. وصولا بالطبع إلى إدارة باراك أوباما.
زد على ذلك أن عالم القرن الجديد جاء ليحرم أميركا من الانفراد بقيادة النظام الرأسمالي: إن كتابنا يوضح كيف انضم إلى رهط الرأسماليين.. منظمي المشاريع ومستثمري رؤوس الأموال عدد لا يقل عن 3 مليارات إنسان (!).. وهو رقم مهول كما ترى ولكنه قابل للتفسير حين نجمع كلا من الصين + الهند + روسيا + البرازيل.. .إلى جانب أكثر من قوة صاعدة أخرى على ظهر كوكب الأرض، وفي إطار الظاهرة التي ما برحت تحمل اسمها المعروف:العولمة.
يعلق المؤلف في هذا الصدد قائلا: جاء ذلك بمثابة توسع انفجاري في الاقتصاد العالمي، العولمي إن شئت.وشمل شرق العالم وغربه على السواء. والأهم أنه أفسح الحلبة لعدد من متحمس من اللاعبين الجدد الذين جاءت مسيرتهم لتحاكي مسيرة أميركا (بمعنى نموها وتقدمها خلال سنوات القرن التاسع عشر).
اللاعبون الجدد
هنا يرّد الكاتب بأن المشكلة أنهم جاءوا ليمثلوا تحديات غاية في الشراسة أحيانا بالنسبة للمكانة والإنتاج والاستهلاك الأميركي!.
كيف؟
هؤلاء اللاعبون المستجدون دخلوا الحلبة بمنتوجات أرخص سعرا وقوى عاملة أقل أجورا (وإن لم تقل في مستوى المهارة) وبرؤوس أموال تزداد تراكما بفضل عدم إسرافهم في الاستهلاك.. دع عنك ما يتمتع به بعضهم من مزايا التفوق النسبية (مثلا الطاقة من البترول والغاز في حالة روسيا + الموارد المائية والزراعية السوبر ـ ثرية في حالة البرازيل + القوى البشرية المتاحة بالملايين في حالة كل من الهند والصين). والحاصل ـ يوضح المؤلف ـ أن غمرت منتوجات الصين أسواق أميركا.
صحيح أن بعض هذه السلع الصينية أسفرت عن فضائح في المواصفات وأدت إلى مشاكل غاية في الخطورة. لكن الصين تتعلم في الزمن الحالي، تماما كما تعلمت أميركا دروسها في الزمن المنقضي: كلا الطرفين تعلمّ ـ كما يؤكد المؤلف ـ من دروس الفضائح سواء بسواء(!)
من جانبنا نلاحظ بالذات أن الهاجس الصيني يكاد يستبد بمؤلف الكتاب على مدار صفحات هذا الفصل المحوري من فصوله.
الصين ليست شيوعية
والمؤلف بحكم تكوينه الأكاديمي وانضباطه العسكري السابق لا تربطه بالصين وشائج غرام مفقود ولكنه يحاول إنصاف الحقيقة الموضوعية حين يقول: هناك من يهاجم تجربة الصين ـ الشعب والدولة على أساس أنها كيان شيوعي.. لكن المسألة على خلاف ذلك تماما..
وإذا سلمنا بشيوعية الصين علينا أن نعترف أنها خضعت للإيديولوجية الشيوعية على مدار بضعة عقود فقط من القرن العشرين.. لكن في بلد يمتد تاريخه أكثر من خمسة آلاف عام لم تعرف الصين لا فلسفة ماركس ولا عقيدة ماوتسي تونغ، بل عرفت فلسفة كونفوشيوس ونظم السوق وحرية التجارة والاستثمار.
ومن أعاجيب التوازي بين تجربة الصين وتجربة أميركا أن الفساد.. الرشوة.. الانحرافات التي يشهدها النظام (الشيوعي) الصيني في الوقت الحالي، يكاد يكون مرآة تحاكي ما سبق وشهده النظام (الرأسمالي) الأميركي في الربع ـ الثلث الأخير من القرن التاسع عشر.وفي هذا الإطار تكاد تتشابه التجربتان من حيث غضب المزارعين واحتجاجات فلاحي الأرياف.. ونشوء طبقة متوسطة باتت تتصدى لقرارات البيروقراطية الحكومية.
يعمد المؤلف في هذا المضمار إلى محاولة اختصار ذلك «الهاجس.. الصيني» الذي يستبد به فيورد عنوانا فرعيا يقول فيه: إن الصين عملت على كسر نموذج القالب (الأميركي) لكنها سارعت إلى إعادة صبّه من جديد.
قمة الهرم وقاعدته
في كل حال، ينبه الكتاب إلى أن الاستمرار، ومن ثم النمو والازدهار في دنيا العولمة الجديدة، لم يعد أمرا يتطلب ما درجت عليه أميركا في عقود سبقت.
لقد درجت أميركا وتبعت خطاها قوى عالمية عديدة على التواصل أساسا مع قمة الهرم.. أي مع الشرائح العليا المقتدرة في المجتمع.. لكن ها هو عالم العولمة الراهن يهيب بالناس أن يعودوا ـ في رأي المؤلف ـ إلى قاعدة الهرم.. أو إلى شرائح القاع كما قد نقول.
في هذا الخصوص يحيل المؤلف إلى آراء اقتصادي بارز هو البروفيسور س.ك.برهالاد الأستاذ يجامعة شيكاغو الذي يقول إن على مجتمع العولمة أن يبدأ من عند قاع الهرم.ويسوق الأستاذ على ذلك مثلا طريفا وقديما في آن معا.. مستقى من حكاية ماكينة الحياكة من ماركة «سينجر» الشهيرة العتيقة.
يقول الكتاب في هذا الصدد: عندما بدأت الشركة في إنتاج هذا النوع من الماكينات واجهة مشكلة تسويقها وبيعها بوصفها آلات ذات قيمة كبرى في زمانها.. حيث وجد بسطاء الناس بل وأواسطهم صعوبة في تحمّل ثمن اقتناء هذا النوع من الماكينات.. لم تكن هذه الشريحة تمتلك من المال ما يوازي سعر الماكينة الواحدة..
هكذا حاولت الشركة أن تتوجه إلى أهل الطبقات العليا في المجتمع.. ولكن المشكلة أن هذه الطبقات الأرستقراطية ومن في حكمها لم تكن بحاجة إلى اقتناء ماكينة حياكة داخل الدار أو السراي..
كان لكل أسرة خياطها الخصوصي أو خياطتها العائلية.. ولهذا اضطر منتجو ماكينة «سنجر» إلى أن يطرحوا على أنفسهم السؤال البديهي: تُرى كيف نحمل الناس من رقيقي الحال على أن يشتروا ويملكوا ماكينة يقتنونها في منازلهم كي يستخدموها في حياكة ما يلبسون؟ إنهم يحتاجونها حقا.. ولكن لا يملكون أن يدفعوا ثمنها دفعة واحدة.
هنا تفتقت القرائح عن شيء أصبح ذائعا بعد ذلك.. اسمه الشراء بالتقسيط والسداد على دفعات.. واسمه أيضا استخدام مندوب المبيعات المتحرك.. المسافر عبر القرى والبلدات.. يدق أبواب البيوت ويخالط أوساط الناس.. ويصادقهم وينجح من ثم في إقناعهم بشراء الماكينة العجيبة.. بعد أن يتفق معهم على عدد ومبالغ الأقساط.
أسرار من البيت الأبيض
من جانبنا قد نلاحظ كيف أن مؤلف الكتاب يتبنى بذلك دعوة موجهة إلى إدارة أوباما من أجل التركيز على القواعد الشعبية وأهمية التواصل مع قاع الهرم في هذا البلد أو ذاك.. ولكن بعد 8 سنوات خلال الحكم الأميركي السابق من تجاهل هؤلاء الناس بل من الإمعان في الاستعلاء عليهم.واعتبارهم أما إرهابيون أو مبغضون لأميركا أو حاسدون لها على ما ترفل فيه من رغد العيش.
في هذا السياق أيضا يلفت أنظارنا بعض المعلومات ومنها ما كان في حيز من السرية ويكشف عنها مؤلف الكتاب على صفحات الفصل الخامس (ص 215 وما بعدها) وفي سطورها ما يشير إلى اتصالات ومفاتحات تمت داخل أروقة أو بالأدق كواليس منظمة الأمم المتحدة بين عناصر من الدبلوماسيين الإيرانيين وبين عناصر من مسؤولي مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض خلال إدارة الرئيس بوش: يلمح المؤلف في هذا الصدد إلى أن طهران كانت تعرض على أميركا استعداد من أجل التفاهم أو التوصل إلى حلول وسط لمشاكل العلاقات بين الطرفين..
كان المطلوب أو الواجب سياسيا ودبلوماسيا أن تولَي هذه الاستعدادات اهتماما جادا وكافيا من جانب الطرف الأميركي.. لكن قاتل الله موقف الغرور الذي كان يصدر عنه رجال الإدارة الأميركية السابقة!
وهو ما وردت صياغته ـ كما يوضح مؤلف كتابنا (ص 217) تحت اسم قواعد «هادلي» نسبة إلى نائب مستشار الأمن القومي للرئيس بوش. وهي القواعد التي حوتها مذكرة تحت العنوان السابق ويقول مضمونها: إذا ما عرضت دولة مثل سورية أو إيران نوعا محددا من المساعدة ـ فإننا نتقبلها دون أن نعرض تقديم أي شيء بالمقابل..
ونتقبلها بغير شروط من جانبنا ولا وعود». يعلق المؤلف قائلا: كان ذلك ضربا من العبث بطبيعة الحال، لأنه يتجاهل الحقيقة الأساسية في الدبلوماسية وهي أن الاتصالات أمر لا غنى عنه بحال من الأحوال.
المؤلف في سطور
توماس بارنت مفكر أميركي بارز، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفارد، وعمل فترة بالتدريس والبحث العلمي في الكلية البحرية الأميركية، كما تولى العديد من مناصب الخبير والاستشاري في وزارتي الدفاع والخارجية وفي قيادة العمليات بالقوات المسلحة الأميركية في واشنطن، وفي مواقع شتى فيما وراء البحار.
إضافة إلى إلقاء المحاضرات في العلوم السياسية والفكر الاستراتيجي في دوائر الجيش والكونغرس والاستخبارات بالولايات المتحدة. ويتولى الدكتور «بارنت» حاليا منصب مدير مركز «انتيرا» للبحوث، ويمارس كتابة المقالات في نفس الموضوعات بالصحف، فضلا عن إصداره عددا من الكتب المهمة التي كان من أهمها كتاب بعنوان «خارطة البنتاغون الجديدة» وكتاب «مخطط للعمل».
الصفحات: 488 صفحة
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: ج.ب. بوثمان ـ نيويورك ـ 2009