الأمل وليد الثقة بالنفس والإحساس بالمهانة مصدره العجز. هذه قاعدة عامة يطبقها المؤلف في تحليلاته ويرى أن «ثقافة الإحساس بالمهانة» تسود في العالم العربي والإسلامي. إنه التاريخ وأشكال الحرمان المتعددة. كل الثقافات والحضارات والمجتمعات عرفت في مسيرتها التاريخية لحظات من الإحساس ب«الخضوع» للآخرين. لكن المشكلة بالنسبة للعالم العربي والإسلامي، وخاصة العربي، هو أنها أصبحت «لحظة مزمنة».

ويرى مؤلف الكتاب أن حرب يونيو 1967 شكّلت أحد المنعطفات الأساسية في التاريخ العربي الحديث، إذ ترتب عليها «فقدان الثقة بالنفس». هذا بالإضافة إلى الصدمة العميقة التي أثارها قيام إسرائيل في المنطقة. لكن بالمقابل أثارت «دبلوماسية الإذلال» التي مارسها الإسرائيليون والغرب حيال العرب حالة من الرفض و«التطرف» لدى مختلف الشرائح في المجتمعات العربية والإسلامية. وبما في ذلك لدى المهاجرين المسلمين في البلدان الغربية. وأمام ما خلقته «ثقافة الإحساس بالمهانة« من ردود أفعال لدى العالم العربي والإسلامي المعني بها، يتساءل الغرب: ما العمل؟إذا كان الأمل وليد الثقة بالنفس فإن الخضوع مرادف للعجز. هكذا يبدأ مؤلف هذا الكتاب حديثه عمّا يسميه «ثقافة الإحساس بالمهانة»، وهي الثقافة التي يرى أنها سائدة في العالم العربي والإسلامي بفعل «انحدار» تاريخي طويل وأشكال من الحرمان السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعقائدي.

والإحساس بالمهانة مترافق أيضا بمشاعر تفوّق الآخر وسيطرته وأحيانا التبعية له بحيث يصبح الخضوع خنوعا. كما أن الإحساس ب«عدم امتلاك» الحاضر له دائما آثاره على المستقبل الذي تبدو صورته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مرهونة بإرادة «الآخر».

وبعد أن يشير مؤلف الكتاب إلى وجود الإحساس بالمهانة في جميع الثقافات والمجتمعات، بدرجة ما، يؤكد على ضرورة التمييز بين «الجيد» و«السيئ» منه، مثل «الكولسترول» بنوعيه في دم كل إنسان. هكذا يرى أن المعجزة الاقتصادية الآسيوية الأولى في سنوات الثمانينيات الماضية كانت، جزئيا على الأقل، نوعا من «الإجابة الظافرة» على مشاعر الإحساس بالخضوع للآخرين والرغبة في «النهوض الوطني» ردّا على ذلك.

لقد أراد بلد مثل كوريا الجنوبية أن يثبت لقوة الاحتلال السابقة، أي اليابان، أنه قادر على أن يفعل مثلها. كما أن مشاعر «النهوض الوطني» على الخلفية نفسها لم تكن بعيدة عن النهضة الصينية الراهنة، بل يتم التأكيد على أنها كانت أحد محركاتها الرئيسية.

بهذا المعنى كان «الإذلال» الذي مارسه اليابانيون على بقية آسيا «حافزا» بالنسبة للمنطقة كلها. وعلى أساس نفس المنطق يمكن لصعود الصين أن يشكّل اليوم «حافزا» لليابانيين. وينقل المؤلف هنا عن أحد المسؤولين الصينيين قوله له ان من حسن حظّهم كون الصينيين جيرانهم. «فبدونهم ربما كنا سوف نغدو كسالى».

المهم هو السيطرة على مشاعر الإحساس بالمهانة والخضوع وتجاوزها، مما يعزز غريزة المنافسة ويولّد الطاقة الخلاّقة. لكن هذا يتطلب حدا أدنى من الثقة بالنفس ومن الظروف المناسبة. فعدم توفر هذا يمكن للإحساس بالمهانة أن يولّد مشاعر اليأس، مما قد يغذي غرائز الثأر والتدمير.

وفي حالة عدم التمكن من اللحاق بأولئك الذين كانوا مصدر الإحساس بالخضوع حيالهم، فليتم، على الأقل، العمل على شدّهم إلى الأسفل. وهذا ما يسميه المؤلف بالنوع «السيئ» من الإحساس بالخضوع والمهانة. ويرى أن أكبر تبدياته تظهر في العالم العربي-الإسلامي. وهو يستثني من هذا بلدان منطقة الخليج العربي قبل أن يؤكد أنه «الاستثناء الذي يؤكّد القاعدة ولا ينفيها».

ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين كي يؤكد أنه لا يمكن الحديث عن العالم العربي ـ الإسلامي بصيغة المفرد بما فيه من تنوعات عقائدية وثقافية وقومية وسياسية. بل إن العالم العربي نفسه يوحّد بين شعوبه فقط اليوم «الإحساس بفقدان الأمن». لكن ليس هناك في الواقع وحدة عربية ولا دبلوماسية عربية ولا أي تعبير موحّد عن المصالح العربية.

مع ذلك إذا كانت الجامعة العربية هي مؤسسة متعددة الأطراف وعاجزة في الوقت نفسه فإن هناك نوعا من الإحساس والانفعال العربيين. في الوقت نفسه، وعلى عكس السنوات التي أعقبت طي صفحة الاستعمار وتنامي المشاعر القومية العربية، يعرف الإحساس بالانتماء العربي حالياً تراجعا لصالح القول ب«هوية» إسلامية تتميّز خاصة بمعارضة العالم الغربي.

الإحساس بالمهانة... والتاريخ

جميع الحضارات والإمبراطورية والأمم والثقافات عرفت في لحظة، أو لحظات مختلفة، من تاريخها الخوف من الانهيار. هكذا عاش العثمانيون مثل تلك الحالة خلال القرون الثلاثة الأخيرة من إمبراطوريتهم التي عُرفت في القرن التاسع عشر ب«الرجل المريض». ولم يكن الأوروبيون بعيدين عن مثل ذلك الإحساس بعد الحرب العالمية الأولى حيث ينقل المؤلف عن بول فاليري قوله عام 1919: «نحن أيضا نعرف الآن أننا فانون».

وبعد أن كان المسلمون قد عرفوا فترة ازدهار كبرى خلال العصور الوسطى في الأندلس خاصة حيث كان الغرب يعيش عصر الظلمات، بدأت مسيرة انحدارهم التاريخي الذي بلغ إحدى ذرواته في نهاية القرن السابع عشر. ومارست أوروبا حيالهم قوة جذب كبيرة في القرنين التاسع عشر والعشرين. وكانت حرب يونيو 1967 ليست مجرّد هزيمة عسكرية للعرب ولكن أيضا أصابت معنوياتهم في الصميم، و«فقدوا الثقة بأنفسهم». وكانت المشكلة ثقافية ومعنوية قبل أن تكون سياسية واقتصادية وبدا كأن الخضوع المتراكم عبر التاريخ «انفجر» بصيغة مشاعر من الإحساس بالخجل وعدم القدرة على اتخاذ أي قرار.

وإذا كان من الصعب تحديد أصول مشاعر الخوف من الانهيار في العالم الإسلامي بشكل دقيق، كما يقول المؤلف، فإنه يشير إلى تزامن بداية مسيرة الانحدار مع بداية النهوض الغربي. وتعززت مشاعر المهانة والخضوع عبر سلسلة من الصدمات التي شهدها المسار التاريخي للعالم العربي ـ الإسلامي. وما تمّت ترجمته بالخضوع للإمبريالية الغربية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أثناء الحقبة الاستعمارية وقيام إسرائيل ومختلف أشكال الحرمان والقمع على الصعيد الداخلي.

صدمة قيام إسرائيل

ويرى المؤلف أن قيام إسرائيل عام 1948 شكّل صدمة عميقة للعالم العربي، خاصة في ظل عجز الأنظمة العربية عن دفع «الإذلال» المترافق مع وجود كيان أجنبي جديد يذكّر بالممالك المسيحية أثناء الحرب الصليبية. وكانت «حرب الأيام الستة» ضربة قاصمة للطموحات القومية العربية التي جسّدها الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر. لقد استطاعت إسرائيل ذات الملايين الثلاثة آنذاك أن تنهي خلال فترة قصيرة مقاومة الجيش المصري بعد أن كانت قد دمّرت الطائرات المصرية كلها تقريبا وهي في أرض مطاراتها في غضون عدة ساعات فقط.

ويرى المؤلف أن اجتياز الجيش المصري لقناة السويس في حرب 1973 كان الخطوة الأولى التي اكتملت بزيارة الرئيس السادات لإسرائيل عام 1977. وكانت النتيجة هي الوصول إلى «سلام بارد» غدت معه أية حرب جديدة مع إسرائيل مستحيلة ولكن أيضا غدا أي سلام حقيقي «أقلّ احتمالا».

ويشير المؤلف إلى أنه لابد من الاعتراف أن الإسرائيليين شجّعوا تعميق الإحساس بالمهانة لدى العالم العربي ـ الإسلامي. ومن خلال متابعتهم لتوسيع مستعمراتهم، رغم الوعود التي كانوا قد قطعوها للفلسطينيين وللمجموعة الدولية، أظهروا عدم الاهتمام بمشاعر الفلسطينيين.

وعلى صعيد الممارسات اليومية عمّقت عمليات المراقبة والحواجز على الطرق باسم الأمن من مشاعر البحث عن إخضاع الفلسطينيين وإذلالهم. وكانت قد سادت في إسرائيل مشاعر التفوّق حيال «العدو المهزوم». ويشير المؤلف هنا إلى مقولة كانت تتردد كثيرا لدى الإسرائيليين آنذاك ومفادها أن «إسرائيل تمتلك سلاحا سريّا هو العرب». كما يشير بالمقابل أن العديد من العرب يراهنون على أن «الهشاشة البسيكولوجية لدى إسرائيل هي السلاح السرّي للقضية العربية». وكانت تلك «الهشاشة» قد تولّدت خاصة مع الانتفاضة الثانية عام 2000 وبلغت ذروتها عام 2002 ثم في حرب جنوب لبنان خلال صيف عام 2006.

العولمة وأشكال الحرمان

وبعد أن يتحدث المؤلف عمّا يسميه ب«دبلوماسية الإذلال» يؤكّد على أن العولمة زادت من أشكال الحرمان في العالم العربي ـ الإسلامي. وكان تقرير الأمم المتحدة عن حالة التنمية العربية لعام 2002 منذرا بالتردّي الكبير في مختلف الميادين باستثناء دول منطقة الخليج. وبدا واضحا أن الإحساس بالخضوع للغرب قد ساد لدى جميع طبقات المجتمع. وبالتالي كان الرفض «والتطرّف» موجودا لدى جميع هذه الطبقات.

وليس لدى الفقراء فقط، حسب المقولات السائدة. ويرى المؤلف أن مثل هذه الظاهرة كانت موجودة في أوروبا نفسها خلال القرن التاسع عشر. ذلك أن «ثقافة الإحساس بالمهانة» تولّد حالة من التمرّد «المتطرف» لدى مختلف شرائح المجتمع وهذا ما تشير إليه نتيجة تقرير أعدّته شرطة نيويورك مؤخرا حول «الراديكالية في العالم الغربي: التهديد الداخلي»، كما ينقل مؤلف الكتاب.

ويرى المؤلف أن مصادر الإحساس بالمهانة ذات الطبيعة السياسية والاجتماعية أصلا، تعززت في العالم العربي بانحدار اللغة والثقافة. ويشير في هذا السياق إلى الأسماء العربية «القليلة» المعروفة في شتى ميادين الفكر والفن والأدب على الصعيد العالمي ثم، وعلى أنقاض النزعات القومية واللبرالية واليسارية العربية، تزدهر الفكر العقائدي، الديني.

في المحصلة تنامي في العالم العربي ـ الإسلامي الإحساس بالخضوع السياسي- الاقتصادي والثقافي أيضا للغرب. هذا الغرب، وبالإضافة إلى تحدي الحداثة الذي يطرحه، يمثل أيضا الماضي الاستعماري القريب. وزادت حدّة التهميش بعد حرب الخليج عام 1991 ليبلغ ذروته بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001. ولا يتردد المؤلف في التأكيد أن المسلمين في المجتمعات الأوروبية عامة يعانون من التمييز السياسي والاجتماعي.

ويتبدّى الإحساس بالخضوع لدى أبناء المهاجرين المسلمين في أوروبا بنوع من أزمة الهوية، وذلك بالنسبة للمقاربة والجزائريين والتونسيين في فرنسا والباكستانيين في انجلترا والأتراك في ألمانيا. وإذا كان المؤلف يؤكد على أن الأمور قد تحسّنت قليلا خلال السنوات الأخيرة بالنسبة للمهاجرين، إلا أنه لا يوجد حتى الآن «اوباما» فرنسي أو ألماني أو انجليزي. وضمن مثل هذا السياق يصبح الانتماء الديني هو الهوية الأولى لشاب من أبناء الهجرة ولسان حاله يقول: «أنا لست فرنسيا ـ أو انجليزيا أو ألمانيا ـ حقيقة، ولم أعد جزائريا ـ مثلا ـ فماذا يمكنني أن أكون سوى مسلما»؟

ما العمل؟

يصل المؤلف إلى القول ان «ثقافة الإحساس بالمهانة» السائدة في العالم العربي-الإسلامي تطرح الكثير من الأسئلة على القادة الغربيين، خاصة أن الغرب ساهم في خلق وتعزيز تلك الثقافة.

السؤال الأهم يتعلق بمفهوم «صدام الحضارات» الذي قال به صموئيل هنتنغتون وما تتضمّنه من التأكيد أن «المواجهة» بين الغرب والعالم الإسلامي «واقعة لا محالة». ويتم التحذير في هذا السياق من خطورة «الخلط» بين الإسلام وبعض مظاهر العنف الصادرة عن مجموعات صغيرة لا تمثل سوى نفسها. كذلك تتم الإشارة من جهة أخرى، إلى أن ظاهرة ممارسة العنف باسم الدين ليست خصوصية إسلامية، فإيغال أمير، الذي اغتال إسحاق رابين عام 1995 يعتبر نفسه قد «نفّذ أوامر سماوية».

وكان الكاثوليك والبروتستانت قد مارسوا الإرهاب منذ فترة وجيزة في ايرلندة. ولا يتردد المؤلف في القول ان اللجوء إلى العنف هو أحد نتائج «ثقافة الإحساس بالمهانة». ذلك أن هذه الثقافة يمكن أن تتحول إلى «ثقافة الموت». وفي مثل هذا السياق يجد الغرب نفسه أمام «معضلة» تمنعه من أن يعرف كيف يجيب على سؤال: ما العمل؟

إن هذا الغرب، ومن منظوره، يؤكد على ضرورة الدفاع عن قيمه، ومن جهة أخرى تشجيع العالم العربي على التخفيف من موقعه الدفاعي الذي تولّده ثقافة الخضوع والإحساس بالمهانة، باختصار تشجيعه على «استعادة الثقة بنفسه». وهكذا يمكن لأجواء «التنازع» تخف مما سيكون له آثاره المباشرة على التوجهات الجيو سياسية للجميع.

الصفحات: 267

الكتاب: جيو سياسة الانفعال

تأليف: دومنيك مويزي

عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف

الناشر: فلاماريون ـ باريس ـ نوفمبر 2008