بدلاً من الضغط على إسرائيل عمدت الولايات المتحدة نفسها إلى استخدام القوة المفرطة، في نهاية الحرب العالمية الثانية في المسرح الياباني، وفي حربها التدميرية على العراق عام 1991، وفي حربها الأخيرة لاحتلاله.
وعلى أية حال، فقد أصبح استخدام القوة المفرطة، في نزاع معين، عقيدة عسكرية جديدة تبنتها دول أخرى، لأنها تحسم الموقف بسرعة وتلحق أضراراً بالغة ومدمرة بالطرف الضعيف، وتقلل إلى الحد الأدنى من خسائر الطرف القوي.العقيدة الروسية عانت روسيا، إثر انهيار الاتحاد السوفييتي، وخلال الفترة 1990 ـ 1999، من مخاوف أمنية حقيقية، فقد ساد هذه الفترة توتر في العلاقات، وتشكك في النوايا، مع الولايات المتحدة. واستمر هذا الوضع بين الدولتين حتى أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، حيث تراجعت مظاهر التوتر بسبب تبنيهما سياسات متقاربة فيما يتعلق بالموقف من الإرهاب، مع بقاء القضايا الخلافية العالقة، التي تتصل بالموقف من كوسوفو، وتوسع حلف الناتو نحو الشرق، والحرب في الشيشان، والموقف من الحرب على العراق.
وخلال فترة التوتر في العلاقات، التي أشرنا إليها، توصلت القيادة الروسية إلى القناعة بوجود خطر حقيقي يشكله حلف الناتو على أمنها، وهي تراه يصول ويجول في أوروبا الشرقية، ويغير هوية دولها، وتقترب خطوطه من حدودها، غير مستبعدة استهداف بعض جمهورياتها، واحتمال لجوئه للقوة العسكرية للحصول على المزيد من المكاسب، نحو الشرق، مستغلاً حالة الضعف والانهيار في المؤسسة العسكرية الروسية. هذا في الوقت الذي ترى نفسها فيه، غير قادرة على مواجهة هذا الاحتمال، في ضوء التفوق النوعي لقوات الناتو في مجال الحروب التقليدية. مما دفعها في عقد التسعينات من القرن المنصرم، إلى إعادة النظر في عقيدتها النووية التي تأسست في فترة الحرب الباردة.
فقد تزايد النقاش، في الدوائر العسكرية الروسية، حول الاعتماد على السلاح النووي الروسي، بدءاً من العام 1993، لمواجهة استحقاقات أخرى إضافية لانهيار الاتحاد السوفييتي. فقد أسقطت موسكو عقيدة عدم استخدام السلاح النووي أولاً، وهذا إسقاط لعقيدة الردع التقليدية وتبنّ لعقيدة أخرى مشابهة، إلى حد ما، للعقيدة الأميركية الجديدة. إلا أن القيادة الروسية قد أوضحت أن ذلك سيكون إجراءً مؤقتاً، ريثما يعاد تحديث وتطوير قواتها التقليدية لضمان أمنها القومي.
بوتين واستخدام النووي
ويمكن تلخيص فحوى العقيدة النووية الروسية الجديدة بما يلي:
1 ـ أمام روسيا مهمة توفير الرادع الذي يمنع شن أي اعتداء عليها، أو على حلفائها، بما في ذلك الاعتداء النووي.
2 ـ على روسيا امتلاك الأسلحة النووية القادرة على إلحاق الضرر بأية دولة، أو أي تحالف من عدة دول، تقوم بالاعتداء عليها تحت أي ظرف كان.
3 ـ تستخدم روسيا جميع القوى والوسائل المتاحة، بما في ذلك السلاح النووي في حال لزم الأمر، لصد اعتداء مسلح، جراء أزمة ما، بعد أن تستنفد جميع الوسائل لحل هذه الأزمة، أو فشل الإجراءات التي اتخذت لحلها.
الفقرتان الأوليان، سبق أن وردتا في وثيقة الأمن القومي الروسي، التي أعدت عام 1997، في عهد الرئيس بوريس يلتسين، أما الفقرة الثالثة فقد أضيفت في عهد الرئيس فلاديمير بوتين. وإضافة الفقرة الأخيرة تتيح للقيادة الروسية استخدام السلاح النووي في صد أي اعتداء، حتى لو كان هذا الاعتداء غير نووي، أو ليس بالمستوى الذي يهدد أمنها القومي.
والحقيقة أن هذا التعديل قد أخذ به، لأسباب قاهرة تتعلق بتدني القدرات العسكرية الروسية إثر تفكك الاتحاد السوفييتي. فالاتفاقيات، حول مستوى التسلح، التي عُقدت مع الولايات المتحدة، كانت مناسبة لدولة عظمى، كانتها روسيا، إبان حقبة الحرب الباردة، إلا أنها لم تعد كذلك.
اتفاقيات ستارت
منذ نهاية الحرب الباردة، وقعت الولايات المتحدة وروسيا اتفاقية ستارت 1، في عام 1991، على أن تدخل حيز التنفيذ عام 1994، وتكون صالحة لمدة خمس عشرة سنة. ثم وقعت الدولتان اتفاقية ستارت 2، في يناير من عام 1993، لخفض عدد الرؤوس النووية إلى 3500 للولايات المتحدة و3000 لروسيا، على أن تدخل حيز التنفيذ في عام 2003، وقد صادق عليها مجلس الشيوخ الأميركي عام 1996، ومجلس الدوما الروسي في عام 2000.
ووقع الطرفان بروتوكولات إضافية في سبتمبر من عام 1997، تتعلق بمعاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ. إلا أن الولايات المتحدة عدلت عن الالتزام باتفاقية ستارت 2، ولم تصادق على اتفاقية البروتوكولات الإضافية، مما دفع روسيا إلى إعلان تخليها عن اتفاقية ستارت 2، في يونيو من عام 2002.
لم تكن المفاوضات حول الاتفاقيات المذكورة سهلة، ولم تكن أجواؤها مشبعة بروح الثقة والتفاؤل، لذلك لم يتبق منها، على المستوى المعترف به، سوى اتفاقية «ستارت 1». والحقيقة أن الفترة التي شهدت تفكيك الاتحاد اليوغسلافي، وتغيير هوية دول أوروبا الشرقية، إبان رئاسة كلينتون، والفترة الأخرى التي شهدت مجيء جورج بوش الابن، كانت بمثابة انتكاسة في أجواء الثقة، التي قادت كلا من جورج بوش (الأب) وبوريس يلتسين إلى توقيع الاتفاقية المذكورة (ستارت 1).
ومن المتوقع أن تشهد الفترة القادمة كثافة في الجهود للتوصل لصيغة اتفاقية جديدة، قبل انتهاء مفعول اتفاقية «ستارت 1» في ديسمبر من العام الجاري. وهذه في الحقيقة مناسبة هامة لا تقتصر أهميتها على الدولتين، بل على جميع الدول التي قد تجد نفسها في المسرح النووي وجحيمه، حين يلجأ الساسة إلى مقاطعة مائدة المفاوضات ويعودون إلى التهديد وصناعة أجواء الحرب.
ولعل أبرز المعوقات، التي قد تقف حائلاً أمام التوصل إلى اتفاقية جديدة تقرب المسافة إلى الهدف الأهم، التخلي عن الأسلحة النووية، هو التشكيك في النوايا، وعدم الاطمئنان إلى ما يضمره هذا الطرف للطرف الآخر. وتقف الدرع الصاروخية المضادة للصواريخ، في كل من بولندا وتشيكيا، التي تصر الولايات المتحدة على نشرها، أحد أبرز العوائق في هذا المجال. كما أن إصرار حلف الأطلسي على التمسك ببرامج الزحف نحو الشرق، وإجراء مناورات عسكرية مشتركة مع جمهورية جورجيا، التي تعتبر في حالة حرب مع روسيا، لا يعتبر مقدمات مشجعة في المفاوضات المرتقبة.
التحريم الدولي
السلاح النووي محرم دولياً، حتى لو لم تصدر فتوى بذلك من مرجعية دولية، فجميع اللوائح التي وضعت للتعامل مع الحروب، أسبابها ومناهجها وتداعياتها وأخلاقيات خوضها، تلزم المحاربين بعدم التعرض للمدنيين، وعدم التعرض للممتلكات، وعدم التعرض للأطفال والنساء والشيوخ بشكل خاص، فكيف هي الحال مع الأسلحة النووية التي لا تستثني أحداً من هؤلاء؟! لقد قُتل عشرات الآلاف من المدنيين في كل من هيروشيما وناغازاكي، في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، وجل هؤلاء لم يكونوا من المحاربين، فالمحاربون كانوا في جبهات القتال تاركين وراءهم شيوخهم وزوجاتهم وأطفالهم في المدن التي أصبحت تحت رحمة هذه الأسلحة الفتاكة.
إلا أن الأمم المتحدة، عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قد حرمت امتلاك الأسلحة النووية على جميع الدول، ولكن هذا التحريم لم يتم بأثر رجعي، فهنالك نقص واضح في آليات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فاتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية تلزم الدول الخمس، التي تمتلك السلاح النووي قبل صدور اتفاقية المنع، بعدم السماح بانتشار التكنولوجيا النووية، وتلزمها بالعمل على تخفيض ترساناتها من هذه الأسلحة. أما بالنسبة للدول الأخرى، فتلزمها بعدم السعي نحو امتلاك هذه التكنولوجيا.
وغني عن البيان أن الدول النووية الخمس قد التزمت بالشق الأول فقط من الاتفاقية، في حين ضاعفت ترساناتها من هذه الأسلحة مرات عديدة، كما حرصت على تطويرها في نفس الوقت. فالوكالة الدولية ليست لديها الآليات والسلطات لمراقبة الترسانات النووية لهذه الدول، ومنعها ما هو محظور عليها، واللجوء إلى مجلس الأمن لإصدار قرارات الإدانة وتشريع العقوبات بحقها في حالة مماطلتها في التنفيذ. وذلك لأن مرجعية الوكالة الدولية نفسها، هي مجلس الأمن الدولي، وهؤلاء هم أصحاب الحل والربط فيه.
إلا أنه، ومن زاوية أخرى، قد يرى آخرون أن هنالك أسلحة نووية تكتيكية، تطلق من المدافع في ساحات الحروب، وتأثيراتها لا تطال من هم خارج هذه الساحات، وهي من هذا المنطلق لا يمكن اعتبارها أسلحة محرمة، إلا بما تسببه من تلوث في ساحة المعركة قد تمتد آثاره السيئة لأجيال عديدة.
أسلحة الدمار الشامل، الذريعة التي تتخذها بعض الدول لرسم سياسة استخدام القوة للهيمنة على العالم، ينبغي أن تؤخذ بالمنظور الأوسع والأقرب لمصلحة الإنسانية جمعاء، فالجميع ضد أسلحة الدمار الشامل، هل من أحد يجهل أين تقبع هذه الأسلحة كي يذهب ويطالب حكومته بإزالتها؟ إنها تقبع في أراضي الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، وفي أراضي الدول التي انتمت مؤخراً إلى النادي النووي، وفي الغواصات التي تجوب البحار، وتقبع كذلك في القاذفات الاستراتيجية التي تحلق ليل نهار. وتقبع أيضاً كامنة في أذهان من يحلمون بالسيطرة على هذا الجزء أو ذاك من العالم.
الأسلحة النووية هي أشد الأخطار التي تهدد الحياة على هذا الكوكب، وحماية هذه الحياة وضمان استمرارها، لا يتأتى بمنع دول من حيازتها دون دول أخرى. فالولايات المتحدة وروسيا والدول الأخرى، التي تحوز السلاح النووي، تستطيع أن تقدم لهذا العالم خدمة حقيقية، وهي إزالة الكابوس النووي، وذلك عن طريق قيامها بالتخلي عن الأسلحة النووية دون استثناء، مع ضمان دولي باحترام سيادة الدول الصغيرة، وتجريد أية دولة من ذريعة الخوف على أمنها القومي، كمبرر للحصول على السلاح النووي.
السلاح النووي..استراتيجيات القوة وصناعة النظام العالمي
على الرغم مما للاقتصاد من أهمية كبيرة في تعزيز قوة دولة ما، ودعم نفوذها، وإضفاء الهيبة عليها، إقليمياً أو دولياً، إلا أن امتلاك وسائل التدمير الشامل، وعلى رأسها الأسلحة النووية، أصبح منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، العامل الأول والأساسي، في رسم معالم القوة وتحديد ملامح النظام العالمي ووضع سماته المميزة، وذلك لأن في امتلاك بلد ما لهذا النوع من السلاح، تكمن المخاطر الحقيقية التي قد يتعرض لها البلد نفسه، والمخاطر التي تتعرض لها بلدان أخرى، جراء وجود هذا السلاح.
ويكمن خلف ذلك، أيضاً، ما لهذا البلد أو ذاك من القدرات على فرض النفوذ وممارسة الهيمنة والابتزاز، إقليمياً أو دولياً. وليس من الغريب أن تكون المحادثات، حول هذا النوع من السلاح، بين أكبر قوتين نوويتين، هي الأكثر تعقيداً وحساسية، والأكثر إثارة للتشكيك بحقيقة النوايا، والأكثر أهمية على المستوى العالمي، طيلة العقود الماضية.
في الحلقتين الماضيتين من الدراسة، تناولنا الدعوة الأميركية الجديدة لعالم خال من الأسلحة النووية، مع تزايد القلق الإقليمي والدولي من تزايد عدد الدول الساعية لامتلاك التقنية النووية، وكذلك تطور العقيدة الإستراتيجية النووية للولايات المتحدة الأميركية. وتاليا الجزء الثالث والأخير من هذه الدراسة..
فرغم اعتماد الإدارة الأميركية عقيدة جديدة فيما يتعلق باستخدام السلاح النووي، إلا أنها لم تضعها موضع التنفيذ حتى الآن، رغم وجود أكثر من مسرح مرشح لذلك. فقد أخفقت الولايات المتحدة، سياسياً ودبلوماسياً، في مقاربة المشروعين النوويين في الدولتين المعاديتين لها، كوريا الشمالية وإيران، وفشلت في دفعهما إلى التخلي عن خططهما.
والحقيقة أن استخدام السلاح النووي لإجهاض برامج إنتاج أسلحة الدمار الشامل، لدى دول أخرى، يتجاوز كثيراً التداعيات التي تنجم عن استخدام القوة المفرطة، في نزاع معين، وهو ما تتحفظ عليه أغلب دول العالم، وخاصة المنظمات الدولية التي تعنى بمراجعة حقوق الإنسان. فالمعروف أن الولايات المتحدة لم توجه، في يوم من الأيام، نقداً إلى حليفتها إسرائيل بسبب استخدام الأخيرة، مرات لا تحصى، للقوة المفرطة في مواجهة الحركات الفلسطينية.
د.محمد عاكف جمال