تخوض إيران غمار التنافس مع الولايات المتحدة في مضمارٍ مفتوح على المساحات الجغرافية الإقليمية باتجاهاتها المتنوعة الغربية منها نحو العراق وفلسطين ولبنان والشرقية باتجاه أفغانستان وباكستان.
ومن دون قوانين تحدد زمان ومكان اللعبة السياسية والأساليب المباحة فيها، يجري التنافس بعيداً عن ملاعب الدولتين نسبياً، فيما تبرز مشكلة جماعة «جند الله» كعقبة كأداء في طريق تفعيل التنسيق الأميركي الإيراني المشترك بشأن أفغانستان لبروزها كورقة مساومة بحسب مصادر إيرانية. وإذا كان الطرفان، الأميركي والإيراني، نظما صراعهما على الساحة العراقية بضبط حركات المجموعات المدعومة إيرانياً في مقابل وعد عراقي أميركي بإنهاء وجود منظمة «مجاهدي خلق» الإيرانية المعارضة خلال شهور قليلة في «معسكر أشرف» في العراق، فإن تعاوناً ميدانياً بين إيران وتركيا برضيً أميركي نجح بالحد من حركة حزب العمال الكردستاني والجناح الإيراني منه والذي يدعى «حزب الحياة الحرة» أو اختصاراً «بيجاك».
لكن طهران التي نجحت عبر تسويات من تحت الطاولة مع واشنطن بإغلاق أبواب الرياح الغربية وخنق «مجاهدي خلق» وشل قدرة «بيجاك»، لم تتمكن في الوقت ذاته من تجنب رياح الشرق التي ما زالت تهب على إقليم سيستان بلوشستان عبر تفجيرات وأعمال خطف تختلط فيها خلفيات جماعة «جند الله» مع أهداف عصابات تجارة المخدرات وممرات عبورهم عند المثلث الإيراني الباكستاني الأفغاني. وتورد الشرطة الإيرانية تقارير شبه أسبوعية عن مقتل أفرادٍ منها على أيدي مسلحي الجماعة التي قتل منها على مدى الأشهر التسعة الماضية نحو مئة وعشرين مسلحاً.
ويتخلل هجمات المسلحين عمليات انتحارية جرى آخرها في شهر يناير الماضي حينما فجر انتحاري نفسه عند مدخل مركز للشرطة في مدينة سراوان. ولا ينسى بالطبع قيام الجماعة بعمليات خطف عديدة كان أبرزها خطف 16 من رجال الشرطة في شهر يونيو الماضي واقتيادهم إلى منطقة مجهولة وإعدامهم في شهر ديسمبر الماضي. لكن العملية التي أعلنت «جند الله» بواسطته عن نفسها كان في العام 2007 عندما قتل 11 من أفراد «الحرس الثوري» بهجومٍ انتحاري على حافلتهم في مدينة زهدان أكبر مدن محافظة سيستان بلوشستان.
ولم تشهد المحافظة التي تبلغ نسبة السنة فيها حوالي 65 في المئة من سكانها أي مشاكل أو مواجهاتٍ على خلفية مذهبية، أو على الأقل لم يظهر ذلك إلى العلن إلا مع بروز «طالبان» في أفغانستان وانتشار فكر «القاعدة». وعلى خطى الحركة الأفغانية، أسس عبد الملك بيجي وهو طالب علوم دينية، في مدينة سراوان جماعة أطلق عليها اسم «جند الله» رغم معارضة نواب برلمانيين من الإقليم يمثلون المحافظة والذين يقولون ان شعارات بيجي «لا تمت للواقع بصلة»، واصفين إياه ب«العميل للاستخبارات الأميركية» والذي جرى تجنيده لزعزعة الاستقرار في المناطق الجنوبية الشرقية من إيران.
وتتمثل المحافظة بثمانية مقاعد في البرلمان خمسة منهم من السنة الذين يمتلكون 250 مسجداً في بلوشستان. ويرد باحث اجتماعي إيراني أسباب تململ بعض جماعات البلوش في إيران إلى «خلفيات عرقية لا مذهبية»، مذكراً بنزعات الانفصال التي تراودهم في باكستان وأفغانستان أيضاً. وهناك من يطرح بين حين وآخر مقولة «دولة البلوش» عند المثلث الحدودي الإيراني الباكستاني الأفغاني، في حين جعلهم انتشارهم بين الدول الثلاث جعلهم مهمشين برغم عددهم الكبير.
كذلك فإن طبيعة مناطقهم وتضاريسها الجبلية التي يستحيل إغلاقها تجعلهم يتواصلون بسهولة فيما بينهم ما يسمح بتكريس مجتمعهم الخاص شبه المستقل عن مراكز الحكم في دولهم. وتفيد مصادر إيرانية بأن الأميركي الذي ساوم على «مجاهدي خلق» و«بيجاك» في العراق قد يستخدم ورقة «جند الله» لمساومة إيران على تعاونٍ ما في أفغانستان.والإشارات التي أطلقها أكثر من مسؤول تؤكد حاجة حلف «ناتو» لطهران للخروج من المأزق الأفغاني. وترى مصادر أمنية أخرى أن واشنطن تريد استخدام الجماعة كورقة ضغط الهدف الأساس منها إيجاد أرضية للتنسيق بشان بالحرب في أفغانستان.
طهران ـ علي الحاج يوسف