لن يطول انتظار جنود الاحتلال الأميركي في العراق. قريباً سيحزمون أمتعتهم بعدما بدأ العد العكسي لانتهاء «العمليات القتالية» كما أسماها الرئيس الأميركي باراك أوباما هناك. الكثير من هؤلاء، ممن نجحوا منذ العام 2003 في مراوغة الموت، سيلملمون مع حقائبهم أحلام العودة إلى الوطن، لكنهم سيواجهون اللعبة ذاتها «لأجَلٍ لن يكون طويلاً» كما وعدهم قائدهم الأعلى للقوات المسلحة. ولكن هذه المرة على بعد 2297 كيلومتراً شرقاً عن العراق في أفغانستان.
وعود أميركية: فمنذ أن كان مرشحاً، وعد أوباما بأن تكون وجهته العسكرية نحو أفغانستان التي عادت مرتعاً لحركة «طالبان» وتنظيم «القاعدة». ولم تثنه عن خططه قائمة القتلى الأميركيين أو «الأطلسيين» المتنامية. قال أوباما إنه سيرسل 17 ألفاً من جنوده قريباً إلى العاصمة الأفغانية كابول والمدن المحيطة بها على أن يلحق بهم المزيد بحلول الصيف ليصل عددهم إلى 30 ألفاً يضافون إلى 32 ألفاً آخرين يتواجدون منذ العام 2001.
ويتساءل كثيرون عما يبتغيه الرئيس الأميركي من وراء إصراره على إعادة تحويل وجهة «الحرب على الإرهاب» إلى أفغانستان، في وقتٍ يتردد فيه الحلفاء في «ناتو» في التورط هناك؟. ويعرب كثيرون عن تشككهم من نجاح جنودٍ منهكون من مستنقع العراق في ترجيح كفة الميزان لصالح احتلالٍ لم ينجح حتى الآن سوى بزيادة عدد القتلى الأفغان من المدنيين وتأليب الرأي العام الأفغاني ضده.
غاز ونفط
لم يشكك أي من الخبراء الذين راسلتهم «السفير» في نوايا أوباما. يعتبر هؤلاء أنه ليس لدى الرئيس الأميركي الحالي مطامع، فهو لم يأبه، عندما كان مرشحاً، بتهكم «واشنطن بوست» عندما قالت إن النفط «موجود في العراق وليس في أفغانستان». فمن جهته، أجاب المحلل العسكري في «معهد العلاقات الخارجية» ستيفن بايدل على سؤال ل«السفير»، مشدداً على أن «لا علاقة لمخاوف أوباما بالنفط».
وأضاف أن الأميركيين «يخشون من أن تؤدي أفغانستان غير مستقرة إلى زعزعة استقرار جارتها النووية باكستان حيث لتنظيم القاعدة حضور قوي». ولكن ووفقاً للاستخبارات الأميركية «سي آي أيه»، تختزن أفغانستان نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، فيما رجح المسح الجيولوجي الأميركي ووزارة المناجم والصناعة الأفغانية أن تحمل البلاد في بطونها 6,3 مليارات برميل من النفط. وفي هذا الصدد، أفاد الصحافي شيروود روس الذي يدير مركز «أخبار ضد الحرب» أن من بين أسباب غزو الإدارة السابقة لأفغانستان كان «رفض نظام طالبان الترخيص لشركة اتحاد النفط في كاليفورنيا لمد أنابيبها في البلاد».
وينقل روس عن الأستاذ في «جامعة إيلينوي» فرانسيس بويل قوله: «بما أن آسيا الوسطى مغلقة، تسعى الولايات المتحدة إلى إيجاد طريقٍ بديل لتحصل على النفط والغاز متجنبةً إيران وروسيا والصين ما يعني مد أنابيب عبر أفغانستان وباكستان باتجاه بحر العرب».
ويكشف كتاب «أحزان إمبراطورية» لكاتبه شالمرز جونسون أن مفاوضات شركة اتحاد النفط في كاليفورنيا مع نظام طالبان أخفقت في صيف العام 2001 ما دفع بالبيت الأبيض إلى التلويح بعصا «إعادة النظر في غزو أفغانستان لإحلال حكومة وديعة تمنح الأميركيين حقوق مد خط أنابيب بطول 918 ميلاً لنقل الغاز الطبيعي تكلف ملياري دولار، وأنابيب بطول 1005 اميال لنقط النفط بكلفة 4 مليارات دولار».
وكان من اللافت، تعيين الرئيس السابق جورج بوش في شهر يناير من العام 2002 زلماي خليل زاد كمبعوثٍ خاصٍ إلى أفغانستان بعد تسعة أيام فقط على تعيين حامد قرضاي رئيساً للإدارة الأفغانية الانتقالية. فالرجلان عملا سوياً في شركة اتحاد النفط في كاليفورنيا كمفاوضين لصالح الشركة في عهد نظام طالبان!!.
عوامل جيوسياسية
خطط أوباما لكسب المعركة في كابو0ل لن تقف عند نشر قوات إضافية، بل تمتد حتى خطب ود إيران. وصبت تلميحات رئيس الأركان الأميركي مايكل مولن في شهر ديسمبر 2008 في هذا الاتجاه لتتماشى مع تصريحات حلفاء أطلسيين. وفي نظرة بانورامية للوضع، نجد أن لإيران علاقات تاريخية مع أفغانستان.
فبالإضافة إلى تقاسم البلدين حدوداً في الجنوب والغرب يبلغ طولها 936 كيلومتراً، كانت مدينة هرات الأفغانية عاصمة الإمبراطورية الفارسية في أوائل القرن الخامس عشر لأزيد من قرنين. كما تمتلك طهران علاقات وطيدة مع الأحزاب الطاجكية والهزارة فضلاً عن إيوائها ملايين اللاجئين الأفغان بين ظهرانيها. وبرغم ذلك، اتهمت واشنطن السلطات الإيرانية بدعم «طالبان»، بالأموال وهذا ما ذهب إليه السفير الأميركي الأسبق لدى أفغانستان بيتر طومسن الذي صرح في العام 2006 أنه «بإمكاننا شن هجمات على إيران انطلاقاً من قواعدنا الجوية في أفغانستان». خبراء آخرون قالوا إن «تقويض» الحركة الأفغانية يسهم في «قطع الطريق» على طهران لاستخدامها «كورقة إذا ما مورست عليها ضغوط لوقف برنامجها النووي».
ويقر نائب مدير «مجموعة الأزمات الدولية» مارك شنايدر بوجود «عوامل جيوسياسية أشمل في المسألة الأفغانية». واكتفى بالقول ل«السفير» انه يعتقد بأن «التدفق الأميركي يبدو معنياً أكثر بمواجهة تنامي ضربات طالبان وتزايد قوتها». ولم يخالفهما دبلوماسي فرنسي، رفض الكشف عن هويته، في الرأي معتبراً أن الإيرانيين يمثلون «مشكلة» أمام الأميركيين.
ويضيف أن «آخر ما تريده واشنطن هو أن تتلاعب طهران بورقة طالبان»، ذاكراً روسيا ك«مشكلة» أخرى»، دون أن ينسى التشدد على حاجة البيت الأبيض للكرملين «لتمرير إمدادات لوجيستية إلى قواتها في أفغانستان».
بيروت - جنان جمعاوي