تقدم انتخابات مجالس المحافظات العراقية التي بلغ التصويت فيها ذروته أمس المؤشرات الأفضل عن حالة النظام السياسي في العراق، والشعبية النسبية للأحزاب السياسية. وبخلاف الانتخابات السابقة، التي طغى عليها الصراع الطائفي، ستضع هذه الانتخابات اللبنة الأولى في طريق بناء عراق جديد، يلغي في المستقبل كل أسس الطائفية.

وتمثل هذه الانتخابات أهمية استثنائية بالنظر لتأثيرها الكبير على مستقبل مشروع الأقاليم الذي يهدف إلى تقسيم العراق، ناهيك عن أن هذا الاقتراع الذي يشارك فيه أكثر من 14 ألف مرشح، لاختيار 440 عضواً من بينهم، يعطي صلاحيات أوسع للمحافظات في استغلال أموال إعادة الإعمار، رغم أن تجربة أربع سنوات كشفت للمواطنين عجز بعض الأحزاب عن تحقيق الخدمات الأساسية التي وعدت بها، فضلا عن قضايا الفساد ونهب المال العام التي اتسعت في ظل تخبط العراق في العنف الدموي.

ويحبس ساسة العراق أنفاسهم، تحسبا لما ستحمله هذه الانتخابات من نتائج سيتمخض عنها إعادة تشكيل الخريطة السياسية هناك من جديد، فيما تختلف تلك الانتخابات عن سابقاتها، نظراً لتغير الظروف على الأرض، وخلط الأوراق بين حلفاء الأمس، وإعادة تكوين تحالفات جديدة وعلى أسس مختلفة عمّا سبق، بخلاف ما كان سائداً خلال الانتخابات الفائتة عام 2005، التي صنفها مراقبون على أنها أجريت كـ «تحصيل حاصل» ومن أجل إعطاء صورة مغايرة للعراق الذي كان يعيش وقتها دوامة عنف.

وتنوعت الحملات الانتخابية تبعاً للمرشحين أنفسهم، ومواقعهم على الساحة السياسية، ومن ضمن الساسة العراقيين من العيار الثقيل، الذين لم تغب أصواتهم عن الانتخابات المقبلة، رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي تنتشر صوره على ملصقات قائمة ائتلاف دولة القانون، ويظهر مدى تأثير المالكي نفسه في تلك القائمة من خلال تسميتها «ائتلاف دولة القانون» المقاربة للخطة الأمنية (خطة فرض القانون) التي تبناها في العراق بدعم أميركي في عموم العراق في العام 2006، والتي ساهمت في انخفاض كبير في أعمال العنف التي شهدها العراق.

وتسمح انتخابات المحافظات أيضا بتكوين الفكرة الأكثر تفصيلا حتى الآن عن القوة النسبية للأحزاب السياسية في العراق. فعلى سبيل المثال التحمت الأحزاب الشيعية الأساسية في قائمة الاتئلاف العراقي الموحّد في دورتي الانتخابات النيابية الوطنية العام 2005، ولذلك لم يكن بالإمكان معرفة الشعبية النسبية لكل حزب على حدة.

وتخوض الأحزاب الشيعية الانتخابات في لوائح منفصلة، الأمر الذي من شأنه أن يكشف قدرة النسبية لهذه الأحزاب على الاستقطاب السياسي. فضلاً عن ذلك، فانه على الأرجح أن العرب السنة سيقترعون هذه المرة، رغم حالة التفكك التي شهدتها الساحة السياسية العراقية قبيل انتخابات مجالس المحافظات، كما الحال في الائتلاف العراقي الموحد الحاكم (شيعي) وجبهة التوافق العراقية (سنية).

وفسر محللون هذه الظاهرة في سياق «تراجع حدة التحالفات السياسية على الخلفية الطائفية بالعراق، ورغبة كل كيان سياسي في إثبات نفوذه وثقله على الساحة السياسية بشكل عام وداخل حدود طائفته». ورغم أن المشاركة الواسعة المتوقّعة في انتخابات المحافظات ستجعلها معيارا أفضل لقياس التوجّهات السياسية العراقية، إلا أن الانتخابات لن تكون مثالية وسيكون للقانون والتكتيكات الانتخابية تأثير كبير في النتيجة.

وأصبح اللاعبون الأساسيون في السياسة العراقية واضحين الآن، فهم يتمثلون في الأحزاب السياسية التي فازت في انتخابات 2005 من خلال الاعتماد بشدة على الهوية العرقية والمذهبية للحصول على دعم الناخبين. و

ما زالت هذه الأحزاب تعتمد على هويتها العرقية والمذهبية، غير أن الائتلافات العرقية والمذهبية التي كانت هذه الأحزاب جزءاً منها تتفكك، مما جعل أهم هذه الأحزاب في الائتلافات تكمل مسيرتها بمفردها. وقد أدى ذلك إلى الحدّ من أهمية الهوية الطائفية والعرقية لكنه لم يلغها، بعد أن باتت الأحزاب تراهن على مطالب انتخابية ودوائر اقتراع أضيق، وتنخرط في المساومات البرلمانية وسواها من المفاوضات السياسية من أجل تحقيق أهدافها.

أنه مشهد سياسي قد لايحمل الكثير من التغيير ولايجعلنا نفرط بالتفاؤل، لكنه يضعنا في قناعة بأن مايجري هو عملية احتدام بين قطاعات كبيرة من المواطنين ترغب باقامة دولة القانون وبناء عراق مستقل بعيدا عن الطائفية. ويبدو ان القوى السياسية التي تدير الاوضاع حاليا اصبحت الان اكثر حظا من غيرها كونها استطاعت ان تمتلك قوة تمكنها من الاستمرار ومن غير الممكن ان تترك الامر بسهولة لانها تعتبر نفسها صاحبة الحق في ادارة المجالس البلدية لنضالها طيلة سنوات من اجل ذلك.

ويظل تحقيق الاستقرار في العراق من أهم مطالب الناخب العراقي وعلى رأس أولوياته، فهو يغط في مستنقع من العنف والقتل منذ سقوط النظام السابق وحتى اليوم، ناهيك عن المحاصصة والطائفية التي تشهدها بعض الأحزاب منذ بداية الغزو والتي يأمل الناخب أن تمحى نهائيا من قاموس الأحزاب خلال هذا الاقتراع لبناء عراق مستقل قادر على الدفاع عن نفسه بعد انتهاء الاحتلال.

ليلى بن هدنة