بدلاً من أن تعثر على حقل للنفط أو الغاز أو منجم للتعدين، تنشغل معظم دول العالم الثالث سنويا وبمعاونة برامج «غير مجدية» من الأمم المتحدة في التنقيب عن حقول الالغام والقذائف غير المنفجرة والتي تسببت في مقتل المئات في آسيا وإفريقيا، وبخاصة من فئة الأطفال الذين لا يميزون خطر هذه العبوات الملقية في المزارع أو في الساحات التي شهدت حروبا طاحنة بين الدول الكبرى في الحربين العالمية الأولى والثانية أو في الحروب التي شنتها الدول الكبرى ضد بعضها في هذه البلدان.
وتعد الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وتاليا إسرائيل من أكثر الدول المنتجة للألغام واستخداما لها، وفي منطقتنا العربية لا تزال لبنان ومصر من أكثر البلدان في العالم تضررا من خطر الألغام، ففي جنوب لبنان وحدها يوجد أكثر من مليون لغم وقنبلة عنقودية ألقتها إسرائيل فقط خلال حرب يوليو 2006، وترفض تل أبيب إعطاء أي خرائط دقيقة عن انتشار الألغام في لبنان على وجه التحديد لغاية الآن.
أما مصر وفي منطقة العلمين على الحدود الغربية مع ليبيا يوجد أكبر حقل للألغام في العالم ووفقاً لتقرير مراقبة الألغام لعام 2007، والصادر عن الحملة الدولية للحد من الألغام، تحوي مصر واحدة من أعلى نسب الألغام في العالم، شأنها في ذلك شأن عدد من المناطق الساخنة مثل أفغانستان وأنغولا والبوسنة.
وتفيد التقديرات بأن العلمين تضم حوالي 21 في المئة من مجموع الألغام والذخائر غير المنفجرة في العالم، وأن 697 شخصاً من المصريين لقوا حتفهم وجرح 7617 آخرين بسبب الألغام والذخائر غير المنفجرة منذ الحرب العالمية الثانية.
وتتذرع الدول في تصنيع الألغام واستخدامها سواء ضد الأفراد أو الآليات العسكرية لمنع القوات الغازية من دخول أراضيها، إلا أن التجارب العملية أثبتت أن استخدام مثل هذه الأنواع من الأسلحة خاصة في مناطق الصراع في الشرق الأوسط وعدد من دول إفريقيا لم يكن سوى لإلحاق ضرر كبير للخصم. حيث ان 10 آلاف اريتري معظمهم من الأطفال فضلا عن أكثر من 17 ألف تشادي وفق تقديرات المنظمة الدولية عرضة للموت على يد الألغام. وفي 2007 وحدها قتل سبعة آلاف تشادي من جراء الألغام والقذائف غير المنفجرة.
كما تثار من حين إلى آخر مسألة القذائف غير المنتشرة، والتي استطاعت الدول الغربية وبالذات في فرنسا وألمانيا نظراً للإمكانيات المتاحة لهاتين الدولتين من التخلص من معظمها، إلا أن مناطق في الهند الصينية وتحديدا فيتنام والتي تعرضت لحرب عنيفة مع الولايات المتحدة في ستينات وحتى أواسط السبعينات من القرن الماضي، فإنها لاتزال تعاني من خطر هذه القذائف بل ويسقط سنويا العشرات من سكان فيتنام قتلى من جراء هذه القذائف.
ولم يكن الأميركيون (أبناء العم سام) بمنأى عن تلك القذائف غير المتفجرة ولو على سبيل الصدفة، ففي الأمس تحولت السفارة الاميركية في العاصمة الفلبينية مانيلا والمنطقة المحيطة بها إلى ثكنة عسكرية وأبعد جميع المارة عن المكان كما أخليت السفارة من جميع الموظفين بعد اكتشاف ذخائر غير متفجرة تعود للجيش الياباني في الحرب العالمية الثانية في محيط السفارة.
وقال مسؤولون إن «خبراء متفجرات فلبينيين أزالوا 60 قذيفة مورتر ترجع للحرب العالمية الثانية عثر عليها في المنطقة المحيطة بمبنى السفارة الاميركية في مانيلا». وأضحت الناطقة باسم السفارة ريبيكا طومسون ان «المبنى أخلي عندما عثر عمال حفر صدفة على القذائف في المنطقة المحيطة بالبعثة الدبلوماسية». وبحلول صباح أمس كان الخبراء أزالوا بحرص 60 قذيفة مورتر علاها الصدأ والطين ونقلوها إلى قاعدة تابعة للشرطة.
وقالت طومسون إن منطقة السفارة الاميركية التي تواجه خليج مانيلا استخدمت كمقر رئيسي للقوات العسكرية اليابانية بين عامي 1942 و1945 مضيفة عن الخبراء «أزالوا كل شيء عثر عليه هناك». واستطردت القول إنه «ليس مفاجئا أن نجد مثل هذه القنابل القديمة داخل المجمع لكننا نقدر الاستجابة السريعة من السلطات الفلبينية. لقد أزالوها بسرعة وأمان».
وقال قائد شرطة مترو أنفاق مانيلا ليوبولدو باتاويل ان القذائف يمكن ان تكون قاتلة. وأضاف «هذه القنابل من الممكن ان تقتل وتحدث دماراً هائلاً». وتابع «نتبع عدداً من الإجراءات للتخلص بشكل صحيح من هذه المواد. سنفحص هذه القذائف ونأخذها الى منطقة إلى الشمال من مانيلا حيث ستفجر بدقة».
وأفادت الشرطة الفلبينية بأن التقارير بالعثور على مواد لم تنفجر في مواقع البناء ما زال أمرا شائعا في العاصمة بعد أكثر من ستين عاما على انتهاء الحرب العالمية الثانية. وشهدت مانيلا التي احتلها الجيش الياباني ثم استعادتها قوات التحالف قتالاً ضاريا وتعرضت لقصف عنيف خلال الحرب العالمية الثانية.
وليست الفلبين وحدها من يعاني من هذه القذائف غير المتفجرة والتي تعود إلى زمن الحروب العالمية أو الحروب التي نشبت في النصف الثاني من القرن العشرين، وفي منطقتنا العربية تعتبر مصر من أكثر البلدان في العالم تضررا من خطر القذائف وبالذات الألغام الأرضية.
كتب- رامي سلامة