الهيئة التي سيقودها هذا الرجل الذي ضمه الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما إلى فريق عمله الأساسي.. ذو سمعة سيئة. تتعامل من داخل الولايات المتحدة على أنها دولة داخل دولة.. تفرض مخططاتها على العالم من خلال مكاتبها العلنية والسرية المنتشرة في كل القارات. والأكثر من ذلك.. اشتهرت منذ تدشينها قبل ستين عاما بالأعمال القذرة، وعلى رأسها التصفيات الجسدية وخطف الساسة، وأخيرا - وربما ليس آخر - شن حملات تعذيب واعتقالات وقمع سرية خارج الحدود الأميركية في أعقاب أحداث سبتمبر 2001.
الهيئة في غنى عن التعريف بسبب سمعتها الرديئة التي فاحت في العالم كله. هي وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه». أما قائدها الجديد الذي اختاره أوباما لإدارتها فهو شخص يثار حوله جدل مثير الآن لأنه عديم الخبرة الأمنية وبالتالي ؟ كما يرى المنتقدون - غير جدير بالمنصب الذي يتطلب قيادة يغلب عليها الطابع الأمني والعسكري. ولكن لأوباما رأيا آخر، فقد اختار ليون بانيتا البالغ من العمر 70 عاما لإدارة الـ «سي آي إيه» لتحسين سمعتها السيئة ووضع حد لممارسات الماضي المقيتة.
الوكالة تأسست عام 1947، ومنذ تأسيسها وهي تمارس كل ما يخالف الأعراف والقوانين الدولية. دست أنفها في انقلابات عسكرية ومؤامرات ضد ثورات شعبية على رأسها الثورة الكوبية. وخططت لاغتيال معظم خصوم ومنتقدي السياسة الأميركية من زعماء وساسة. والأمر المثير أنها لا تنكر جرائمها، وآخرها اعترافها باستخدام «الإيهام بالغرق» كوسيلة تعذيب لجأ إليها عملاؤها وهم يستجوبون بعض المشتبه بتورطهم في أعمال إرهابية بعد هجمات سبتمبر 2001. كما أقرت ال«سي آي إيه» بأنها أرسلت معتقلين إلى دولهم التي تمارس التعذيب قبل أن تعتقلهم سرا.
ولكن رغم هذه اليقظة في الدفاع عن مصالح الولايات المتحدة بشتى الطرق غير المشروعة والتي تمثل انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان، إلا أنها ؟ بعيدا عن نظرية المؤامرة - عجزت كما قال خبراء وساسة أميركيون عن منع هجمات 11 سبتمبر. كما أنها عرضت معلومات غير صحيحة عن برامج أسلحة الدمار الشامل في العراق التي خرج بها إلى العالم وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول وعرضها أمام مجلس الأمن الدولي قبيل الغزو الأميركي للعراق ليكذب بها تقارير مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي وكبير مفتشي الأمم المتحدة في العراق هانز بليكس اللذين ثبت فيما بعد صحة تقاريرهما.
ربما هذه الصورة التي تشوه سمعة ال«سي آي إيه» هي التي دفعت أوباما الى اختيار بانيتا لرئاسة الاستخبارات دون أن يبالي بنقص أو انعدام خبرته الاستخباراتية أو الأمنية، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب الذي يعد من أولى اهتمامات كافة أجهزة الاستخبارات الأميركية الآن. ومبرر المدافعين عن اختيار بانيتا، أنه سبق أن تم تعيين أشخاص ليسوا على خبرة بالاستخبارات ونجحوا في مهامهم، ومنهم الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب.
أوباما من جانبه، أشاد بكفاءة بانيتا الذي كان رئيسا لهيئة موظفي البيت الأبيض في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون. وفي هذا يقول إن بانيتا اكتسب خبرة هائلة في الشؤون الدولية وإدارة الأزمات وتقويم المعلومات الاستخبارية بشكل يومي من خلال منصبه السابق في ادارة كلينتون. يريد أوباما أيضا - من خلال بانيتا - فريق عمل استخباراتي يقضي على البيروقراطية داخل الـ «سي آي إيه». ويقدم للرئيس تحليلات وتقارير موضوعية وليس تقديم استنتاجات تخدم توقعات البيت الأبيض التي كثيرا ما يخيب أمل الإدارة الأميركية فيها كما حدث في العراق
حسن صابر