يتسلم الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما خلال أيام مقاليد منصبه في البيت الأبيض بواشنطن ليبدأ مرحلة جديدة باعتباره رئيسا لأكبر دولة في العالم، وباعتباره رئيسا للعالم لما يمتلكه من أدوات وقدرات .. الأمر الذي يجعله مؤثرا في كل منطقة في العالم ومتداخل مع جميع الجهات والأنظمة والتيارات والمشكلات والمساعي والجهود والتباينات والتناقضات الأمر الذي يطرح بقوة عدة تساؤلات حول توجهات الإدارة الأميركية الجديدة تجاه المنطقة العربية والشرق الأوسط وطريقة تعاطيها مع مشاكلها وقضاياها في ضوء ما برز حتى الآن من توجهات وأعلن من أجندات وظهر من اختيارات لمساعديه وأعوانه.

في البداية، نبه مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير صلاح فهمي الى أنه من الخطأ الجسيم أن نتعامل مع الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما على اعتبار أنه المهدي المنتظر أو مبعوث العناية الإلهية لتخليص المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط من الظلم والقهر والاستبداد والاحتلال وأنه سينشر العدل والمساواة ويعيد الحقوق إلى أصحابها ومعالجة قضايا الشرق الأوسط بطريقة مختلفة. وقال فهمى: إن الرئيس الأميركي الجديد جاء ليحقق مبدأ التغيير الذي رفعه أثناء حملته الانتخابية ولكن التغيير في الداخل الأميركي وخاصة الأوضاع الاقتصادية التي تواجه أزمة طاحنة لا سيما أن توليه لمهام منصبه تتواكب مع اشتداد فعاليات الأزمة المالية الطاحنة التي تعتبر الولايات المتحدة أكبر المتضررين منها ومعالجة انعكاساتها الخطيرة والتي أبرزها حالات الإفلاس المتسارعة في كبرى الشركات الأميركية وفقد حوالي ثلاثة ملايين أميركي لوظائفهم بفعل الأزمة وانضمامهم إلى طابور البطالة.

مؤشرات تواطؤ

وأضاف: أن ما يحدث في غزه الآن هو أكبر دليل على أن واشنطن سلمت ملف الشرق الأوسط بالكامل لإسرائيل لأنها أولا لم تعترض على ما يحدث في غزة من جرائم ضد الإنسانية وضد كل المواثيق الدولية والتعاليم السماوية، وثانيا لأن الإدارة الأميركية استبقت ما يحدث الآن في غزة بتزويد إسرائيل بأحدث الأسلحة بما فيها مظلة الصواريخ التي نشرتها مؤخرا في صحراء ومنطقة النقب، وثالثا موقف أميركا من قرار مجلس الأمن الهزيل والضعيف بوقف العدوان الإسرائيلي على غزة وامتناعها عن التصويت بعد أن ظلت تمارس ضغوطا كبيرة على الدول العربية حتى أفقدت القرار معناه وقيمته.

وتابع قائلا: إن اهتمام الإدارة الأميركية في ظل إدارة باراك أوباما بمنطقة الشرق الأوسط ستتحدد وفقا لاحتياجات الإدارة الأميركية من المنطقة وليس وفقا لمصالح المنطقة أو قرارات الشرعية الدولية والقانونية وما حدث وما يحدث يؤكد على أن الولايات المتحدة ليست وسيطا عادلا وإنما هي وسيطا وبقوة لإسرائيل وهذا الانحياز محكوم بالنشاط الواسع ماليا وإعلاميا وأمنيا الذي يلعبه اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة وأوروبا وتأثيراته الواسعة في الرأي العام الأميركي وفي السياسة والإعلام والسياسة.

وشدد على أنه من الخطأ الجسيم أن نتصور أن وجود أوباما سيغير من التوجهات الأميركية تجاه الشرق الأوسط، معربا عن اعتقاده بأن مشاكل الشرق الأوسط تأتي في المرتبة العاشرة وربما أبعد من ذلك في اهتمامات أوباما وهذا أمر طبيعي ومنطقي فإذا كانت الأنظمة الحاكمة في المنطقة ذاتها لا تهتم بمشاكل المنطقة بالقدر اللازم وفشلت حتى في الاجتماع في ظل الظروف الحالية فكيف نطلب من أوباما ما عجزنا نحن عنه ونحن أصحاب المشكلة والمعنيون بها؟

وأشار إلى أن القضايا الخارجية ستكون هامشية في أجندة اهتمامات أوباما ولن يلتفت إليها إلا إذا تضررت المصالح الأميركية بسبب هذه الأوضاع وعندها يمكن أن تتدخل واشنطن ولكن إذا احترقت دول المنطقة بأسرها دون أن تتأثر أميركا فلن يكون لهم شأن بنا وربما يرون أن ذلك أفضل لهم ولمصالحهم.

الوعد غير المكتوب

ومن جانبه، يرى الباحث بمركز الشرق الأوسط للدراسات السياسية والمستقبلية بجامعة عين شمس الدكتور أنور زناتي أن السياسة لعبة لها موازينها وكواليسها، وفي السياسة الأميركية تحديداً ينطبق عليها المثل القائل «الوعد غير المكتوب» وأنه لا ينبغي لنا نحن العرب أن ننتظر الكثير من أوباما لأن أهداف السياسة الأميركية ثابتة خاصة في ظل سيطرة اللوبي الصهيوني في كافة المجالات.

وقال زناتي: فيما يتعلق بالوضع في العراق فإننا نلاحظ اختيار أوباما لهيلاري كلينتون كوزيرة للخارجية وهي ترفض تماماً رأي أوباما في مسألة العراق ووعده بالانسحاب خلال 16 شهراً بل وتدعو إلى بقاء قوات احتياط أميركية دائمة في العراق مسلحة تسليحا فائقا ولذلك من المتوقع أن يميل أوباما إلى تعديل سياساته آخذاً بمبدأ الرضوخ للأمر الواقع خاصة مع احتفاظه بوزير الدفاع الحالي روبرت جيتس وينتهي الأمر بقبوله رأي إدارة بوش ويقوم بتأجيل الانسحاب حتى سنة 2011 . وأشار إلى أن موقف كلينتون من إسرائيل واضح وهو رفض التفاوض مع حماس إلا إذا نبذت الإرهاب فضلا عن وقوفها مع السياسة اليهودية إلى الأبد، لافتا إلى أن الأمر الغريب أننا وجدنا أوباما وقد استبعد عددا من مستشاريه المعتدلين حيال القضية الفلسطينية مثل سامنتا باور التي تدعو للفكاك من سيطرة اللوبي الصهيوني.

لا تغير دراماتيكي

وبناء على ما سبق، توقع زناتي ألا يحدث تغيرا دراماتيكيا في السياسة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية أو غيرها عما سبقه إلا إذا تضررت المصالح الأميركية في المنطقة بشدة أو أصبحت إسرائيل حليفتها الأولى في العالم في موقف الخطر عندها وعندها فقط ربما تتحرك إدارة أوباما لممارسة دور معين أو الضغط بطريقة أو بأخرى ليس على الحكومة الإسرائيلية بالطبع ولكن على الحكام العرب لإنقاذ إسرائيل والحفاظ على المصالح الأميركية. ولذا يجِب أن نتوقف كعرب عن سياسة الانتظار لما سيجيء به الرئيس الجديد، ويجب أن يتحرك الزعماء والقادة العرب وينشط العرب الأميركان في جهد منسق مع المعنيين بالأمر في البلاد العربية لدفع عملية السلام، وأن يكون لنا مكان تحت الشمس.

وبدوره، أكد مدير وحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور سعيد اللاوندي على أنه من خلال قراءة متأنية للأجندة الانتخابية لباراك أوباما وما تابع ذلك من تصريحات صحافية أو بيانات حول الكثير من المواقف والأزمات أو حالات الصمت التي التزم بها أوباما في مواقف أخرى أو من خلال اختياره لمساعديه ومعاونيه فإننا نخرج منها بعدة ملاحظات هامه: أولا أن الاهتمام الأكبر بالنسبة لإدارة أوباما ستكون منصرفه إلى الشأن الداخلي بالدرجة الأولى وخاصة الاهتمام بإصلاح الأوضاع الاقتصادية المتردية وانعكاساتها الاجتماعية على المواطن الأميركي وكيفية تسخير العلاقات الخارجية في خدمة مصالح الولايات المتحدة وفي خدمة المواطن الأميركي.

من جهة ثانية لن يطرأ على التوجهات الدفاعية والعسكرية الأميركية تغيرات جوهرية في ظل الإبقاء على وزير الدفاع الأميركي روبرت جيتس وكبار معاونيه ومساعديه وكذلك اختياره لمدير المخابرات المركزية وهو ما يؤكد أن السياسات الأمنية الأميركية ستظل كما هي سابقا وستحرص خلال الإدارة الجديدة على استمرار وجودها في العراق وأفغانستان وتعقب ما يطلق عليه المنظمات الإرهابية في باكستان والصومال وغيرها من المناطق كما ستستمر الاستعدادات العسكرية استعدادا لأي أمر بتوجيه ضربة عسكرية لإيران إذا تطلب القرار السياسي ذلك.

أما بالنسبة للقضية الفلسطينية فإن الصمت الذي التزمه باراك أوباما منذ أن بدأت أحداث غزة بحجة عدم الرغبة في إحراج الإدارة الحالية أو وجود تناقض في المواقف، على الرغم من أنه سبق لأوباما أن خرج وأدلى ببيانات وتوجهات عديدة تجاه الأزمة المالية وإفلاس شركات السيارات وغيرها من المواقف التي لم يخش فيها إحراج الإدارة الأميركية الحالية، كل ذلك يؤكد أن باراك أوباما يؤيد ما يحدث في غزة وأنه لم يتعجل التدخل خاصة وأن ما يحدث يلقى الدعم والتأييد اللازم من إدارة بوش.

وأضاف اللاوندى: أن ذلك يعني أيضا أن باراك أوباما لن يتدخل في قضايا الشرق الأوسط وخاصة القضية الفلسطينية إلا بقدر الحاجة وبقدر ما يستلزمه الموقف والمصالح الأميركية وقدرة إسرائيل على المواجهة. وأشار إلى أن إعلان أوباما رفضه ما يحدث كان سيقيم عليه الدنيا قبل أن يبدأ، وإعلانه الموافقة على ارتكاب إسرائيل للمجازر الوحشية التي ترتكبها في حق الفلسطينيين سيفقده المصداقية ويكشف زيف المبادئ والشعارات التي أعلنها خلال حملته الانتخابية للتغيير وسيتعارض مع مبادئ الحزب الديمقراطي باعتباره داعيا للديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان ولذلك آثر هذا «الصمت المهين».

القاهرة مكتب «البيان»