نواصل مع المؤلفة في هذه الحلقة استعراض المراحل الأخيرة للصراع على النفوذ فيما بين محمد علي والدولة العثمانية،التي كانت تساندها الدول الأوروبية الكبرى باستثناء فرنسا التي راحت تؤيد محمد علي بفعل تقاطع مصالحها آنذاك مع القوى الكبرى. تشير المؤلفة إلى أنه إزاء التطورات التي كانت تكشف عن تكاتف الدول الكبرى ضده على نحو ما بدا في الحرب التي لقي فيها جيشه هزيمته في سوريا بدأ الباشا يعد العدة لتحجيم أحلامه وكان لقاءه مع ابنه إبراهيم محاولة لمداواة جراح الفترة الماضية التي شهدت التسابق من أجل تحقيق الأحلام الكبرى.

في تلك الأجواء عقد ممثلو الدول الكبرى اجتماعا في لندن وسط مؤشرات على قرب إغلاق ملف المسألة الشرقية وفي ذلك الصدد تم توقيع بروتوكول في الخامس من مارس 1841 فيما بعد أسبوع يعترف بأن محمد علي نفذ ما هو مطلوب منه بمقتضى الفرمان، وجرت الاجتماعات في مناخ يوحي بأن أوروبا قد عادت إليها الروح بفعل تلك التطورات التي كانت تكشف عن تراجع الخطر الذي يمثله الباشا.

في محاولة للإشارة إلى ما لاقاه محمد علي من صعوبات وما حققه من مزايا تعرض لنا المؤلفة جانبا مما كان يجري على الصعيد البريطاني، ما يوضح أن الباشا لم يثر الانقسامات على مستوى التحالف الأوروبي فقط،وإنما على مستوى الدول الأوروبية ذاتها. تنقل لنا المؤلفة حديث أحد المرشحين البريطانيين من خصوم وزير الخارجية بالمرستون يدعى مستر هنري حيث يشير إلى أن بلاده ؟ بريطانيا ؟ ارتكبت خطأ عظيما في سوريا بموقفها من الباشا حيث كان يوجد هناك رجل يتمتع بالجدارة هو محمد علي كان يجب على لندن تركه هناك يدير الأمور بهدوء.

وحسب هنري فإن بريطانيا خاضت معركة من أجل طرد محمد علي لصالح السلطان العثماني، فيما أن الحقيقة تشير إلى أن الباشا لو استطاع استعادة سوريا فإنه يمكن في هذه الحالة أن يدعي استقلاله عن السلطان على نحو يضعف الإمبراطورية التركية التي يمكن أن تصبح تابعا لقوى أجنبية معينة معادية للمصالح البريطانية هي روسيا. ويصف هنري حكم محمد علي في سوريا قائلا : لقد كان محبوبا في سوريا حيث شكل حكمه جنة مقارنة بالجحيم الأرضي الذي آلت إليه الأمور هناك بعد أن تم طرده منها.

من خلال تناول المؤلفة لهذا الجانب تبدو لنا الطبيعة المتشابكة للصراع الدولي الذي كان يجري آنذاك وكان محمد علي سببا في تأجيجه بفعل سياساته التي لم تلق ترحيبا على كافة المستويات سواء أوروبية أم على مستوى الدولة العثمانية. حيث تشير مخاوف المرشح البريطاني خصم بالمرستون إلى حقيقة ما كانت تمثله روسيا من مخاوف بالنسبة للسياسة البريطانية في ذلك الوقت، الأمر الذي دعا بالمرستون إلى تكثيف مساعيه من أجل استيعابها داخل التحالف الأوروبي وبالتالي تقويض ارتماء الدولة العثمانية في أحضانها، على خلفية صراع السلطان مع محمد علي.

وعلى ذلك لجأ بالمرستون إلى تبني سياستين واضحتين في آن واحد لتحقيق هذا الغرض، فقام من ناحية بفتح المجال أمام تقارب بريطاني روسي، ومن ناحية أخرى توجيه الاتهامات لفرنسا باعتبارها تساند محمد علي ضد المصالح الأوروبية العليا، على اعتبار أن هذه هي أفضل وسيلة لحثها على التعاون مع التحالف. وكانت هاتان السياستان اللتان بدأت تحريك التحالف الأوروبي ضد مصر.

تواصل المؤلفة تقديم روايته لتفاصيل صراع الإرادات على خلفية الرتوش الأخيرة التي كان تجاوزها كفيل بطي ملف الصراع فيشير إلى أنه رغم حقيقة أن الباشا لم يوافق على كل شروط الإمبراطورية العثمانية إلا أن ممثلي القوى الكبرى الذين اجتمعوا في لندن كانوا حريصين على الإشارة إلى الاتجاه العام الذي يلخص في النهاية حقيقة القضية والماثل في القضاء على خطر مصر بوضعها مرة أخرى تحت مظلة الدولة العثمانية مع منحها وضعها متميزا عن معظم الولايات التابعة للدولة العثمانية وهو ما تمثل في ولاية العهد لأسرة محمد علي.

كما أن الترتيبات التي تم التوصل إليها بمقتضى معاهدة 1840 ضمنت من الناحية العملية عدم تكرار التوسعات المصرية مستقبلا حيث تم محاصرة مصر سياسيا وعسكريا وإعادتها إلى الحدود المقبولة لكل الأطراف فكانت هناك منطقة عازلة بينها وبين الدولة العثمانية متمثلة في ولاية سوريا بحيث أصبح من الصعب على الجيوش المصرية تهديد الدولة العثمانية مرة أخرى. من ناحية ثانية، فإن إعادة الحجاز إلى الدولة العثمانية كان يحول دون إمكانية استخدام مصر سيادتها على هذه المنطقة في تعبئة الرأي العام الإسلامي لتكون خليفة الدولة العثمانية وهو ما أسفر عن دعم الأخيرة معنويا.

وعلى ذلك أعلنت الدول الكبرى في 15 مارس 1841 أن الصعوبات التي واجهتها الدولة العثمانية انتهت ودعت هذه الدول فرنسا إلى التوقيع على اتفاقية المضايق والتي تمنع مرور السفن الحربية في هذه المضايق طالما كانت الدولة العثمانية في حال سلم. وجاء ذلك الموقف بناء على رؤية بالمرستون المشار إليها والقائمة على حرصه على ضم فرنسا رغم عدم عضويتها في معاهدة لندن 1840 تدعيما لموقف القوى الأوروبية في وجه روسيا .

والتي سعى سفيرها إلى تغيير هذا النص بحيث يتم منع السفن الحربية في كل الظروف ولكن كان هذا معناه قبول الدول الأوروبية بوضع الدولة العثمانية تحت رحمة روسيا فإذا ما هاجمتها روسيا فإن هذه المادة ستحرم السفن الحربية الأوروبية من المرور ومن ثم إنقاذ الدولة العثمانية حيث أن المضايق التركية هي الطريق الوحيد المتاح للدول الأوروبية لمحاربة روسيا من خلاله.

لم ينف ذلك وجود بعض ما يمكن اعتباره جيوب للأزمة المصرية العثمانية، فالسلطنة بقي تنتابها الشكوك بشأن احتمال عدم تنفيذ الباشا لبعض القوانين التي يجري العمل بها في اسطنبول، وكان ذلك الأمر أيضا أحد المخاوف التي تسيطر على اللورد بونسباي الممثل البريطاني في اسطنبول، بل وكانت تسيطر على إنجلترا بشكل عام باعتبار ما يمكن أن يلقيه رفض محمد علي تطبيق هذه القوانين في إطار مصر من تأثير سلبي على التدفق الحر للبضائع البريطانية في إطار الإمبراطورية العثمانية ومن بينها مصر. وقد طلب مجلس السلطان من القوى الكبرى أن يخطروه كتابة بما سيتم على خلفية هذه النقطة.

لقد راح القنصل الفرنسي روهان شاب يدعو محمد علي إلى التلاقي مع السلطنة على النحو الذي يجعلها تتجاوز الشكوك والتخوفات من سياساته المستقبلية مؤكدا له أنه في هذه الحالة وبمجرد نيله ثقتهم وتراجع اعتمادهم على الغرب، فإن السلطان ومجلسه سيستعيدان ثقتهما في الباشا ويقبلان شرعية نفوذه فيما يتعلق بالقضايا العالمية.

وفيما يعبر عن قدر من الواقعية راح الباشا يرد على القنصل قائلا: إنني لم أتوقع يوما أن يكون لي نفوذ لدى الباب العالي يفوق ذلك الذي تحوزه الدول الكبرى. وراح يضيف: إن وسيلتي للتأثير على اسطنبول هي المال ومن المؤكد أنني لا أستطيع أن ألجأ إلى هذه الوسيلة إذا ما قبلت الخضوع لمثل هذه الشروط التي تقوضه والمتعلقة بزيادة الجزية. ومن هنا كان محمد علي شديد الحزم في التوصل إلى حل وسط بشأن الجزية في ضوء ما يراه من أن المبلغ الذي حددته السلطنة يفوق ما يمكن ويجب تقديمه.

في رد فعل على هذه التطورات التقي ممثلو القوى الأربع الكبرى في مؤتمر بلندن استجابة لمذكرة السلطان وقد بدا أن لسان حالهم يدعو إلى ترك القضايا غير المحسومة للباب العالي وعلى ذلك أخبروا الحكومة العثمانية في اسطنبول بأن الخضوع التام من قبل محمد علي رسميا للسلطنة أمر يبدو صعبا وأنه على هذا الأساس فإن القضية المصرية العثمانية بالنسبة لهم تعتبر في حكم المنتهية.

وفي 22 مايو عقد سفراء الدول الكبرى اجتماعا في اسطنبول أصدروا بعده بيانا يعلن للإمبراطورية العثمانية أنهم ناقشوا الفرمانان الجديدان اللذان أرسلا إلى محمد علي وأنه ليس لديهم تعليق بشأنهما، وأنهم بناء على ذلك يكونون قد نفذوا مذكرة 27 يوليو 1839 التي طالبت القوى الكبرى بأن تقوم بمسؤولياتها من أجل حل المسألة الشرقية. وقد تضمن فرمان 25 مايو 1841 عدة شروط تتعلق بأسلوب الوراثة في أسرة محمد علي وصك العملة في مصر على شاكلة تلك التي يتم صكها في الإمبراطورية العثمانية وأن يتم العمل بالمعاهدات التي تبرمها اسطنبول مع القوى الأجنبية والمؤسسات الجديدة في مصر كذلك.

كما نص الفرمان على استمرار الأموال التي تقدمها مصر كمساهمات للأراضي المقدسة كل عام والإبقاء على 400 جندي من مصر ضمن طاقم الحراسة للسلطان في اسطنبول، وأن حاكم مصر ليس له أن يزيد عدد أفراد الجيش عن 18 ألف جندي باستثناء تلك الحالة التي تكون فيها الإمبراطورية في حالة حرب وتسمح له بالزيادة. كما تضمن الفرمان كذلك عدم السماح ببناء سفن حربية بدون موافقة السلطنة. وإزاء صعوبة التوصل إلى اتفاق بشأن الجزية كان الاتفاق على أن يصدر فرمان خاص يقر بمفاوضات مستقبلية تحدد وضع الجزية.

على ذلك بدا أن محمد علي قد حقق معظم ما يريد في إطار حقيقة تحجيم أحلامه في مصر، غير أنه لم يكن راضيا تماما. على الجانب الآخر المتمثل في الحليف فرنسا فإن موقف محمد علي أثار قدرا من القلق لدى مسيو جزويت وزير الخارجية في تلك الفترة حيث أن النبرة التي أبداها الباشا خلال عملية المفاوضات على نحو جعله يبدو وكأنه ند للسلطان أثارت حفيظة دول التحالف الأوروبي تجاهه.

ويشير المؤلف في هذا الخصوص إلى أن فرنسا كانت ترفض التوقيع على اتفاقية المضايق التركية الخاص بالسيطرة على الدردنيل وهى الاتفاقية التي كان من المفترض أن تلتحق من خلال التوقيع عليها بالقوى الكبرى في ترتيب الأوضاع في شرق المتوسط، من أجل ضمان رضاء محمد علي بشأن عملية التفاوض.

غير أن رد فعل جزويت على موقف محمد علي تمثل في الغضب من هذا الموقف الأمر الذي عكسه توجيه القنصل الفرنسي بإعلام الباشا بأن باريس لن تربط مصالحها مع الدول الكبرى بعد ذلك بقلقها على مصير الباشا. ومرة أخرى يبدى محمد علي قدرا كبيرا من الممانعة والرفض القوى للخضوع بشأن موضوع الجزية رغم الهزيمة التي لقيها جيشه على يد التحالف الأوروبي وفي مواجهة قوة الدبلوماسية الأوروبية، معلنا أسفه على تخلي فرنسا الحليف القديم الذي يوثق فيه عن مساندته له على خلفية مصالحها الخاصة.

الصفحات: 261 صفحة (متوسط)

الكتاب: محمد علي وتحدي الغرب

تأليف: ليتيتيا أوفورد

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق

الناشر: ماكفرلاند - نيويورك - 2008