دمار هائل.. جثث شهداء ملقاة على الارض .. رائحة الدماء تفوح في الشوارع .. جرحى تستغيث من شدة الألم .. عيون الفلسطينيين تنظر هنا وهناك تبحث عن أبنائها المفقودين في قطاع غزة.
ووسط جثث شهداء المحرقة الاسرائيلية الملقاة على الأرض في مجمع الشفاء الطبي كما يذكر تقرير لوكالة الانباء الفلسطينية المستقلة (معا) كان (أبو احمد) يبحث ويكشف من جثة الى جثة وسط صرخات وآهات ودموع انسكبت على خديه ليصل في نهاية المطاف الى ابنه الذي لم يعرفه في بداية الامر بسبب تفحم جسده من وحشية القصف الاسرائيلي لولا ان علامة كانت في يديه تدل على أنه فعلا ابنه (ابراهيم) الذي يعمل في صفوف الشرطة الفلسطينية التابعة للحكومة المقالة في مدينة غزة.
توقف أبو أحمد عن البكاء، وقال بكل شموخ وكبرياء «ابني إبراهيم ذهب الى جنة عرضها السموات والأرض.. ابني ذهب الى الحور العين.. ابني ذهب فداء لفلسطين والقدس المغتصبة». وأكد ان« الاحتلال الاسرائيلي لن يكسر شوكة الشعب الفلسطيني الصابر ولن يضعف من عزيمته من خلال جرائمه البشعة التي ينفذها ضد الفلسطينيين».
وقال أحد الاطباء في دار الشفاء في مدينة غزة «بالفعل حقاً أنها مجزرة لم اشاهدها من قبل الشهداء أشلاء ممزقة يصعب التعرف عليها وأغلب الجرحي وصفت حالتهم بالخطيرة جداً وحياتهم معرضة للموت في أي لحطة ومستلزمات وخدمات طبية غير متوفرة بالشكل المطلوب لم نكن نتوقع هكذا».
وأكد ان «معظم الشهداء وصلوا الى مجمع الشفاء الطبي عبارة عن اشلاء ممزقة حيث عملت الطواقم الطبية على وضعها في اكياس وكتب عليها (مجهول الهوية) الى حين ان يتم التعرف عليها من قبل ذويهم وأقاربهم».
وأوضح ان «عشرات الشهداء تم وضعهم على الأرض نظراً لان ثلاجات الموتى في دار الشفاء امتلأت ولا مكان لهم في حين بين ان عشرات الجرحى تم وضعهم في ممرات المستشفى نظراً للكم الهائل من الاصابات التي وصلت للمستشفى».
كما تحدث الأطباء في دار الشفاء الطبي بأن عدد الشهداء والجرحى يفوق إمكانات المشفى الذي يسعى بكل الوسائل إلى تقديم الإسعافات اللازمة لمن وصفت إصابته بالخطيرة نظرا لارتفاع عدد ضحايا القصف من النساء والأطفال.
في غزة لا يعرف المواطنون ما الحيلة وما الذي يجب عليهم القيام به لتفادي القصف الاسرائيلي المستمر على مدار الساعة.
هذا والد اخذ طفله طلبا لمكان آمن حيث لا مكان، وهذه ام تلتصق بأطفالها طلبا للأمان كما يلتصقون بها وليالي القصف ترعبهم وتلتصق بأذهانهم صور الشهداء الممزقين والدماء وأصوات الغارات والانفجارات التي لم تبارح غزة ليومين متواصلين.
الاستهداف مباشر لكل ما هو متحرك وساكن في غزة، ام أحمد التصقت بأطفالها ليلا حيث رفضت ابنتها مرح ترك ذراعها وطالبتها بالبقاء بقربها حتى تزول الطائرات من الأجواء ولكن لا مناص.
المدرسة مريم من وسط القطاع قالت:«صراخ الأطفال يعلو مع كل غارة وزجاج المنزل يتطاير وبعضه ينتفخ بالهواء ثم يعود وفي كل دقيقة نتوقع ان يكون القصف القادم لمنزلك ولسيارتك أو لجارك».
ورغم الخوف العارم الذي يكتنف الفلسطينيين، الا ان هناك صمودا وثباتا يمكن ان يلمسه الجميع فقد هرع المواطنون الى المنازل التي هددت بالقصف وجميعهم يؤكدون انهم صامدون، داعين المقاومة الى تلقين الاحتلال دروسا لا ينساها.
ابو جمال من مخيم جباليا حيث يعد الاعلى كثافة بين مخيمات القطاع قال ان «القصف لا يمكن له ان ينتزع المواقف من القيادة السياسية التي تمنى لها السلامة في ظل القصف المتواصل».
وفي غزة يسير الفلسطينيون على اقدامهم ويتنقلون بين خيمة عزاء وأخرى يحملون مواساتهم لذوي الشهداء كما يعودون الجرحى الذين يتواصل سقوطهم بين غارة وأخرى.
المواطن إبراهيم أبو جهل (24 عاماً) الذي يقطن في حي تل الهوا أخذ يتفقد أبناءه من تحت ركام منزله الذي دمر كلياً بفعل قذيفة ألقتها طائرة حربية على بيت الأسير (برج الأسرى) الملاصق للمنزل، ما أدى إلى انهياره على منزله وتدميره، وجد طفله الرضيع محمد مدرجاً بدمائه فهرع به إلى مستشفى الشفاء لإنقاذ حياته.
وقال إبراهيم وهو يحمل طفله ويضمه إلى حضنه في مستشفى الشفاء «الأسرة مكتظة بالجرحى، وجثث الشهداء ملقاة على الأرض، والمواطنون يقلبون الجثث من جثة إلى جثة وسط صرخات وآهات ودموع انسكبت على خديه، مضيفاً دمرونا قتلوا أولادنا الله ينتقم منهم».
المواطن أحمد حمودة (50 عاماً) جاء إلى مستشفى الشفاء ليبحث عن أبناء شقيقه وهم: ناصر ومنير بين جثث الشهداء، ويقول والدموع تذرف من عينيه «مش ملاقيهم شباب مقطعة أجسادهم، وين ألاقيهم؟ حسبنا الله ونعم الوكيل، الله ينتقم منك يا إسرائيل».
وقال: «هذه مجزرة لم أشاهدها من قبل!! أشلاء ممزقة يصعب التعرف عليها، وأغلب الجرحى حياتهم معرضة للموت وهم ينزفون ويصرخون وهو يشير بيدهّ إليهم».