أكد مدير قسم التأثيرات الاستراتيجية في الجيش الأميركي في العراق اللواء ديفيد بركنز في حوارٍ مع صحيفة «البيان» قبل أيام أن بغداد وواشنطن كانتا بحاجة إلى توقيع الاتفاقية الأمنية لرغبتهما في وجود «وثيقة قانونية» تسمح باستمرار شراكتهما على حد تعبيره، مشيراً إلى أن القوات الأميركية ستلتزم بالتواريخ المحددة في الاتفاقية حول الانسحاب.
وقلل اللواء بركنز من أهمية معارضة بعض الأطراف العراقية للاتفاقية لافتاً إلى أنها أقرت من المؤسسات الديمقراطية كما قلل من المخاوف من حدوث صراعات داخل الجيش العراقي بسبب تعدد الولاءات، ومنوهاً إلى أن القوات الأميركية تبحث حالياً في كيفية تسليم القواعد التي ستدار بشكل تدريجي من قبل العراقيين.
وعزا بركنز في حديثه ل«البيان» أسباب التحسن الأمني إلى زيادة عدد القوات العراقية والأميركية وتجفيف تمويل نشاطات «رجال الدين في الخارج والمسلحين الأجانب»، مضيفاً أن واشنطن ستلتزم بالانسحاب في غضون سنة في حال رفض الاتفاقية في الاستفتاء.وامتدح «الصحوات» في مواجهة «البعثيين» و«القاعدة».تاليا نص الحوار:
حينما كان البرلمان العراقي يناقش الاتفاقية الأمنية التي وقعت مؤخراً بين بغداد وواشنطن، أكد قائد القوات الأميركية في العراق الفريق أول ريموند أوديرنو أن الوضع الأمني على الأرض هو الذي سيحدد موعد الانسحاب من البلاد، ألا تجد في هذا تناقضاً مع جوهر الاتفاقية الموقعة؟.
تسعى الولايات المتحدة والعراق للمحافظة على التطورات الأمنية التي حدثت مؤخراً كما في الأسبوع الماضي الذي شكل النسبة الأدنى في عمليات العنف مع انخفاض 90 في المئة عن السنة الماضية، والاستمرار في تسليم المهام الأمنية للعراقيين.كما تعلمون نحن لا نزال تحت تأثير قرار مجلس الأمن الدولي والذي سينتهي بنهاية العام وبالتالي لن يكون هناك أي «وثيقة قانونية» تسمح لنا باستمرار شراكتنا الاستراتيجية.أي أن الاتفاقية تعطينا الآلية القانونية للاستمرار في نقل المسؤوليات فيما يتعلق بالشق الأمني.
نعلم ذلك، ولكننا نقصد مدة الانسحاب، فعندما تتحدثون عن «أوضاع على الأرض» فإن هذا يعني أنكم لن تلتزموا بالتواريخ المحددة. حُدد بالطبع تواريخ ثابتة للانسحاب من المدن العام 2009 والكامل العام 2011، والطريقة التي سننفذ بها هذا الانسحاب تعتمد على التقييم الأمني الذي سنجريه بالتعاون مع الحكومة العراقية حول كيفية تسليم المسؤوليات والقواعد التي نتمركز فيها من ناحية الأسلوب والتوقيت وهو أمر متطابق تماماً مع تواريخ الانسحاب.هذا ما نقصده حينما نقول «طبقاً للأوضاع على الأرض».
في حال تدهورت الأوضاع على الأرض وعجزت الحكومة العراقية عن معالجة الأزمة، فهل من الممكن تعديل الاتفاقية؟.
هذا اتفاق ثنائي بين بلدين ذات سيادة. وإن اتخذ العراقيون قراراً سيادياً بإظهار رغبتهم في استمرارنا بمساعدتهم فيمكن لنا الوصول إلى ترتيبات لذلك.الفرق الذي خلقته الاتفاقية برأيي هو أنه في السابق لم يكن هناك «قدرة سيادية» للحكومة العراقية لمناقشة نشاطات قوات التحالف والآن أصبحت معظم القرارات بيد الشعب العراقي ما يمكنهم من العودة إلى الولايات المتحدة وطلب العون «برغبتهم».
هل هناك أي استراتيجية أمنية تجاه الفريق الذي يرفض هذه الاتفاقية، كالتيار الصدري مثلاً الذي يقف ضدها؟.
أقرت هذه الاتفاقية من قبل غالبية الأحزاب المهمة وبالإجماع لدى مرورها على المجلس الرئاسي ما يعني وجود تأييد سياسي واسع لها. ونحن من جهتنا سنستمر في شراكتنا مع القوات الأمنية العراقية للمحافظة على سيادة القانون وأي منظمة سواء المجموعات الإجرامية الخاصة أو «القاعدة» ممن يسعون لضعضعة العملية السياسية السلمية سنواجهها بواسطة الاتفاقية الأمنية بهدف المحافظة على مناخ مستقر وسلمي. ما تريد الولايات المتحدة رؤيته هو معالجة أي خلاف بطرق سلمية وعن طريق المؤسسات الديمقراطية في البلاد.
لم نلاحظ وجود بنود بخصوص قواعد عسكرية. هل هناك بحث منفصل بشأنها؟.
دعني أوضح الأمر، لن يكون هناك قواعد عسكرية دائمة في العراق.نحن نبحث حالياً بواسطة اللجان المشتركة في كيفية تسليم القواعد التي ستدار بشكل تدريجي من قبل العراقيين مع تخفيض الوجود الأميركي فيها.هناك تفاصيل وأمور تقنية سنمر بها فهي عملية معقدة حول موعد التسليم وكيفية الخروج من المدن وإلى أين نذهب.
هل هناك علاقة بين ما وصفتموه بالتحسن الأمني وانخفاض الأصوات المنتقدة لتدخلات سلبية إيرانية سورية؟.
أعتقد أن ما قاد إلى التحسن الأمني هو ضخ المزيد من القوات العراقية والأميركية لمواجهة نفوذ رجال الدين من خارج العراق وتدفق المسلحين الأجانب حتى انخفضت العمليات من أربعة يومياً إلى عملية واحدة كل أربعة أيام، فضلاً عن شح الأموال لتمويل الإرهاب وذلك يعزو في دور كبير إلى رفض الشعب العراقي لنفوذ رجال الدين وتزويدهم بمعلومات استخباراتية عن أمكنة تواجدهم.
لماذا لم نر هذا في الأمر من قبل إذن، ألم يكن هناك تنسيق بينكم وبين العراقيين حينها ؟.
لقد قمنا بتغيير تكتيكاتنا بشكلٍ كبير. لقد انتقلنا من القواعد العسكرية إلى المدن والقرى لضمان ثقة الناس والتأكيد على أننا حماة لهم. وفي الوقت ذاته زدنا عديد القوات العراقية بنحو 130 ألف حتى انتهى الأمر بطرد «القاعدة» وضمان الحدود المشتركة .
كيف ستردون في حال رفض العراقيون الاتفاقية في استفتاء الصيف المقبل؟.
نحن واثقون جداً من أنهم سيرون فوائد الاتفاق الاستراتيجي ليس فقط في الشق الأمني بل على الجوانب التكنولوجية والتجارية على المدى الطويل. كلنا ثقة من أن العراقيين سيأخذون هذه الجوانب بعين الاعتبار عندما ينظرون إلى الاتفاقية التي تحوي بنداً يفيد بإنهائها بمدة زمنية لا تتجاوز السنة ونحن ملتزمون بذلك.
نحن نتحدث عن احتمالات، وكل شيء هنا في الشرق الأوسط مرتبط ببعضه البعض.ماذا لو أثر الملف النووي الإيراني على خطط الانسحاب خاصةً أنكم حددتم تواريخ؟.
أردنا بتوقيعنا على هذه الاتفاقية أن تكون هناك آلية لحوار مستمر ولهذا وجدت العديد من اللجان المشتركة التي نناقش فيها القضايا الطارئة تمهيداً للوصول إلى اتفاق لمعالجتها. هناك العديد من الأزمات الطارئة وليس فقط سوريا وإيران، كالأزمة المالية مثلاً. من المهم تطوير آلية لمعالجة هذه القضايا المجهولة حين اندلاعها.
لم نسمع أي شيء عن حزب البعث. كان لديكم محادثات سرية من قبل معهم.ما الذي حدث؟.
«الصحوات» هم أفضل مثال لكل من أراد أن يكون جزءا من «عراقٍ سلمي». فقد اشتركوا معنا في القتال وأثروا بشكلٍ كبير بعملهم ما أدى إلى تحسن الأمن. ولهذا قمنا بتحويل عهدتهم إلى الحكومة العراقية رغم أنهم كانوا يقفون ضدها ولكن العديد منهم تمكنوا من استشفاف مصلحتهم وأماطوا اللثام عن حقيقة «القاعدة» .
وهذا ما يراه العراقيون كمفتاحٍ لمستقبلهم بأن يضعوا الأمور الطائفية جانباً ويتحدوا ضد من لا يريد الانخراط في المصالحة.وكل طرف سواء البعثيين أو «القاعدة» ممن يرفض المصالحة يجد بالتدريج صعوبةً في متابعة مخططاته كما في السابق.
طالما أننا نتحدث عن المجهول، وبوجود الصراعات داخل الأحزاب السياسية في العراق كمحاولات «التحالف الكردستاني» الاصطفاف إلى جانب «المجلس الأعلى» ضد رئيس الوزراء نوري المالكي فضلاً عن الصحوات. ألستم متخوفين من خلق جيش منقسم يحوي في صفوفه أطرافاً متصارعة؟.
يحاول العراقيون الآن التوصل إلى حلول لخلافاتهم بالطرق السلمية وليس عن طريق الاقتتال في الشوارع بعدما أضحت التحالفات تبنى على المصالح السياسية فيما كانت تأسس في السابق على أسس طائفية أو عرقية وهو ما نراه في الديمقراطيات الناضجة. ما يهم هو التوصل إلى أرضية مشتركة وأن يكون هناك آليات لحوار ديمقراطي وسلمي وهذا ما تمنحه الاتفاقية الأمنية.
ما نقصده هو تعدد الولاءات. فالصدريون المنضويون تحت لواء القوات العراقية مثلاً حاربوا مع أنصارهم ضد الجيش نفسه؟.
في خلال كافة العمليات العسكرية الأخيرة كما في حملة «أم الربيعين» وقف الجيش على مسافةٍ واحدة من جميع الأطراف ولم يكن منحازاً لأن النظام الديمقراطي يحصر السلطة بيد الشعب وليس بيد الحزب في السلطة أو الحزب الذي يسيطر على الجيش.
ولذلك من المهم للشعب العراقي أن يفهم أن مستقبله هو بيده وليس بيد الحكومة أو الجيش. يجب أن يكون ولاء الجيش للحكومة والشعب وليس لحزب معين أو فصيل.علينا أن نراقب الانتخابات المقبلة لأنها الثانية.والانتخابات الثانية هي الأهم دوماً.
هل تخشون من وصول أطراف معادية للولايات المتحدة إلى الحكم بالانتخابات الديمقراطية في العراق ؟.
نحن نثمن مفهوم حرية التعبير.لاحظتم جميعاً المظاهرات ضد الاتفاقية الأمنية في مدينة الصدر التي قمنا بتوفير كافة التسهيلات لها بمعنى أننا بذلنا جهداً كبيراً لكي يتظاهر الناس ضد الولايات المتحدة.
أجرى الحوار - فريق القسم السياسي: خالد أبو كريم - خالد سيد أحمد - فراس كيلاني - رؤوف بكر