انطلاقاً من التاريخ الشامل لتطور علاقة الإنسان بالغذاء، يصل المؤلف إلى القول إنه في منتصف السبعينات من القرن الماضي بدأت تعلو صيحات التحذير من اللحوم الحمراء وما يرتبط بها من أخطار على صحة الإنسان، وفي أميركا ارتبط البديل بالأرباح، وتمثل في ترك اللحوم الحمراء والاستعاضة عنها باللحوم المستمدة من الدجاج وكانت تلك هي بداية التأكيد على أن الوفرة في الطعام ليست مرادفة بالضرورة للصحة، حيث قفزت نسبة الأميركيين الذين يعانون من البدانة من 23% لتستقر عند31% عام 2000.
وما لبثت هذه الظاهرة الخطيرة أن انتقلت من الولايات المتحدة عبر المحيط الأطلسي إلى أوروبا الغربية، حيث تضاعفت ظاهرة البدانة في صفو الأوروبيين3 مرات منذ الثمانينات من القرن الماضي. وتصل هذه الظاهرة في الشرق الأوسط على حد إصابة ربع سكانه بالبدانة، ولا ينجو منها سكان العالم الثالث على نحو ما يبرز في نموذج كينيا، حيث يعاني واحد من كل ثمانية من سكانها من البدانة ويعاني واحد من كل سبعة منهم من نقص التغذية.
حدث ذلك عند منتصف السبعينات من القرن الماضي، يومها أعلن أهل الطب ومسؤولو العلاج، وبالطبع دهاقنة التأمين الصحي أن اللحوم الحمراء تنطوي على خطر يمكن أن يلحق بصحة الإنسان.. وكان الإعلان في أميركا.. ومن يومها أزيح اللحم البقري وما في حكمه من لذيذ الطعام عن عرشه الذي ظل يتربع عليه على مدار حقب طويلة ترجع إلى ما قبل اكتشاف الزراعة.
وبحكم مكانة أميركا بوصفها نموذجا للسلوك.. وأحيانا لصرعات الموضة في أنماط السلوك ـ فقد وجدت دعوتها إلى الاقتصاد في التهام أصناف اللحم أصداء إيجابية في طول العالم وعرضه. خاصة وهذا العالم يدرك ولا شك مدى التقدم الذي أحرزته دوائر البحث العلمي في الولايات المتحدة فما بالك والدعوة الأميركاني.. كان معناها مزيدا من التوفير في الأموال التي كان عالمنا ينفقها على شراء وتجهيز اللحوم.
كان طبيعيا إذن أن تقفز إلى مقدمة المسرح مصالح اقتصادية وإنتاجية جديدة في محاولة لملء الفراغ، لا من أجل عيون المستهلكين أو للحفاظ على صحة الناس من غوائل دهون الكولسترول الضارة بالصحة.. ولكن من أجل الأرباح المرتجاة من بدائل اللحوم.. وكانت أرباحا هائلة.
في كل حال.. دخلت لحوم الدجاج إلى مسرح الأحداث.. وبعدها تغيرت المعادلة وبالأرقام على نحو ما يقول مؤلف الكتاب (ص 67):
* في عام 1976 كانت نسبة استهلاك الفرد الأميركي هي 92 رطلا من اللحم «البقري بالذات» (وهي نسبة يراها المؤلف رهيبة الارتفاع خاصة وقد كانت أيضا ضعف نسبة الاستهلاك من لحوم الدجاج).
ولكن بعد هذا التكريه ـ الذي نشرته الأوساط الطبية ضد لحوم البقر وما في حكمها.. تحولت الخيارات إلى حيث اتجهت ضد البقرة ولصالح الدجاجة.. وزاد من ضرورات هذا التحول ما طرأ وقتها من نقص حاد عاناه العالم في مواد الأعلاف.. مما أدى بدوره إلى ارتفاع أسعار اللحوم. يومها أيضا أصاب الارتفاع الشديد سلسلة المحلات ذات الأسماء الشهيرة التي شيدت إمبراطوريتها على بيع شطائر (ساندويتشات) البيرغر الجاهزة والمتهاودة في الأسعار..
وكان لا بد لتلك الإمبراطوريات أن تلتمس أصنافا أرخص سعرا من ناحية وأكثر قابلية لبروباجندا الترويج التي لم تتورع عن النفخ في السلبيات الطبية للحوم الحمراء من ناحية.. وتزيين تناول لحم الدجاج الأسلم طبيا والأرخص سعريا.
وهنا يؤكد المؤلف: حدث التغير الذي ما زلنا نشهده في تاريخ البروتين. ومع هذه المرحلة «التاريخية» الجديدة التي بدأت منذ نحو 30 عاما بدأت حمى الترويج للدواجن وكان طبيعيا أن تبدأ من أميركا.. ثم إلى أقطار شتى في شرق العالم وغربه من باب التقليد.. أو المباهاة أو إدراك المنافع.. دع عنك التأثر ـ عن أجيال الشباب خصوصا ـ بما يطالعونه في ميديا الإعلام الفضائي والسينمائي من أنماط سلوكية لها جاذبيتها الخاصة.
ومثل كل ظاهرة إيجابية في حياة الناس.. كان هناك الجوانب السلبية لهذه الأصناف المستجدة المطروحة في أسواق الاستهلاك.. وربما تكمن ميزة مجتمع مفتوح مثل أميركا في أن ثمة مساحة ولو معقولة لأفراد أو جماعات تحذر أو تنذر أو تكشف عن أي أخطار يحتمل أن ينطوي عليها هذا السلوك الإنساني أو هذا اللون من ألوان الطعام المطروح وسط أضواء الدعايات من أجل الاستهلاك البشري.
من هؤلاء يقف كتابنا في الفصل الرابع عند مصرفي شاب كان عضوا في البرلمان المحلي بولايته فلوريدا.. اسمه خوان زاباتا. باختصار شديد قدم زاباتا مشروع قانون يحذر من إصابة الأطفال الأميركان بآفة البدانة المفرطة.. وهي مشكلة كفيلة بأن تصاحبهم على مدى العمر بكل ما يرتبط بها من تعقيدات ومشاكل صحية وسلوكية بل واقتصادية في بعض الأحيان.
السبب كما بحثه خوان يكمن في مادة أساسية اتضح له أنها تضاف بمعرفة منتجي الأغذية والمشروبات ذات الشعبية الهائلة في أميركا والمادة تعرف علميا بالمختصر التالي: إتش.. إف.. سي.. إس. ومعناها: المحلول السكري للذرة المرتفع الفركتوز.
والمشكلة ـ كما أوضحها مشروع القانون المقترح ـ هي أن هذه المادة السكرية تدفع المتعاطي إلى طلب المزيد منها.. ومن ثم الإدمان عليها وخاصة بين صفوف الأطفال. وكان طبيعيا ـ كما يوضح المؤلف ـ في الفصل الرابع ـ أن تهب مصالح الإنتاج العاتية إلى دحض هذه الاتهامات ومحاولة إجهاض القانون الذي أصدرته الولاية بحظر المواد الغذائية المحتوية على عنصر التحلية المذكورة.. ورغم أن سوق إنتاج هذه المواد يزيد على ملياري دولار. فقد صدر القانون بالإجماع.
كان ذلك مثلا يسوقه المؤلف على أهمية التنبه إلى أن المسألة ليست مجرد وفرة أو شحة في الغذاء المتاح لاستهلاك البشر: المسألة أيضا هي مدى الخطر الذي يمكن أن يسببه هذا الصنف أو ذاك من أنواع هذا الغذاء.
يوضح المؤلف كذلك أن الوفرة ليست مرادفة تماما للوضع السليم.. بل يذهب (ص 84) إلى أن تاريخ البشرية يشهد بأن الإنسان كائن مفطور من حيث تصميمه على التكيف مع عنصر الشحة أو الندرة.. ومن ثم فالبقاء للأصلح كان معناه البقاء لأجيال أو أقوام البشر الذين استطاعوا الصمود في وجه أنواء الطبيعة وتقلبات الطقس وشُحة الأقوات ـ مما دفعهم إلى أن يشحذوا العقل الذي وهبوه من خالقهم.. وأن يستثمروا كل ملكاتهم لكي يحققوا المعادلة التي تتلخص في أطرافها كل أهداف علم الاقتصاد وهي: أن تلبي أكثر الاحتياجات من خلال الاستخدام الأمثل لأقل الموارد.
بيد أن المشكلة في زماننا الراهن هي أن تيار الاستهلاك كاسح.. وأن الإنسان لم يعد ينال من الزاد ما يكفيه (تأمل عبقرية مصطلح «الزاد» في لغتنا العربية الشريفة) ثم تأمل حكمة الأثر الشريف: «حسب ابن آدم لقيمات يُقمن أوده» ـ المشكلة أن دعايات الاستهلاك تفضي بالضرورة إلى الإفراط في هذا الاستهلاك وأن ملل الإنسان من تكرار الصنف الواحد يدفعه إلى تنويع الأصناف.. ومن ثم إلى أن يأخذ الجسم ما يزيد عن الحاجة..
وبالتالي بدأت تتجلى.. وبإلحاح شديد ـ مشكلة البدانة التي يتوقف المؤلف عندها لا بوصفها آفة أصابت أميركا وحدها ولكنها تعدت إلى أقطار شتى من خارطة عالمنا ولدرجة أن اصطنعت لها لغة أميركا الانجليزية لفظة لا يتعدى عمرها 40 عاما..
فحتى الستينات كانوا يستخدمون لفظة «زائد الوزن» كناية عن الجسم الممتلئ.. لكن اللفظ المستخدم حاليا هو «أوبيز» كناية عن البدين وقد اضطروا إلى تعميمه بعد أن بلغت نسبة المصابين بهذه البدانة مع حلول التسعينات 23 في المئة من جميع الأفراد البالغين من أبناء وبنات المجتمع الأميركي.. ثم قفزت النسبة في عام 2000 إلى 31 في المئة.
ومن عجب أن المسألة ليست مجرد أخطار قد تلم بصحة الإنسان فحسب. لقد كان من الطبيعي أن ينجم عنها آثار اقتصادية واجتماعية وسلوكية يحاول كتابنا أن يرصدها بإيجاز على النحو التالي: كان على صناعة الملبوسات أن ترفع قياسات الأحجام درجات إلى أعلى وحتى بالنسبة للهياكل الأساسية في المرافق العامة..
كان لا بد من رفع القياس ليناسب ما استجد من ضخامة الأحجام وزيادة الأوزان.. كراسي المكاتب.. حشايا المخادع.. لدرجة أن شركات الطيران ظلت تنفق 275 مليون دولار سنويا لمجرد أن تستطيع الطائرات حمل أوزان أثقل من الركاب.. هذا فضلا عن الاتجاه إلى توسيع حيز المقاعد المتاحة لراحة المسافرين.. كل هذا فضلا عن التكاليف الصحية والعلاجية الناجمة عن تفشي بدانة السكان.
ما زالت أميركا مشغولة كما يؤكد المؤلف عند نهايات الفصل الرابع بالتصدي لهذه الظاهرة: ما بين إعلانات التحذير.. إلى إعلانات الحث على الطعام الأقل والرياضة الأكثر.. إلى محاولات سنّ قوانين تحد من نسبة الدهون المرتفعة في المأكولات الجاهزة للتناول وخاصة المقدمة إلى صغار التلاميذ..
وخلاصة الأمر أن المسألة بحاجة لا إلى مجرد تغيير أنماط وأطباق وكميات الطعام بل إلى تغيير شامل في سلوكيات الحياة الشاملة للفرد المعاصر. فيما يحذر الأمين العام للأمم المتحدة من إمكانية أن تصبح المجاعة نمطا للحياة في العالم الثالث.
صحيح أن شركات الأطعمة الجاهزة تحاول أن تبرّئ ذمتها حين تؤكد أن الآباء هم المسؤولون عن رصد ومتابعة ما يتناوله أبناؤهم من طعام.. لكن الأصح أن هذه الشركات تنفق المليارات من أرباحها على الإعلانات الجذابة التي يعرضها التلفزيون لتشويق الأبناء ـ الأطفال من كل الأعمار إلى ما تسوقه هذه الشركات من صنوف شطائر البيرغر و«السناك» والحلوى ومشروبات الصودا وما إليها.. هذا ناهيك عن إمكانية التواصل مع الأطفال في ساحات المدارس أو المواصلات أو الملاعب حيث لا تأثير يذكر للآباء أو الأمهات ولا يحزنون.
المشكلة هو اتساع البدانة إلى خارج دوائر الوفرة ـ كما يسمونها في أميركا.. عبرت الأطلسي إلى أوروبا الغربية لدرجة أن تكاد أوروبا تكرر في إحصاءاتها ما يحدث عند ابن العم الأميركي حيث تضاعفت معدلات البدانة بين الأوروبيين 3 مرات منذ عقد الثمانينات..
بل إن من الأقطار النامية ـ على نحو ما يوضح المؤلف (ص 107) ما بدأ يشهد أو بالأدق يعاني داء البدانة بين صفوف السكان وخاصة في ضوء التغيرات التي بدأت تشهدها أقطار مثل الصين والهند من حيث سرعة الحراك الاجتماعي بين الطبقات البورجوازية الوسطى.. أكثر من هذا يقول الكتاب:
- ربع سكان الشرق الأوسط أصبحوا يعانون، إما من زيادة الوزن أو البدانة المفرطة.. ويضاهيهم ثلث السكان في جنوب أفريقيا.. (ومن عجب) أنك تجد في بلد فقير نسبيا مثل كينيا شخصا واحدا من كل 8 من السكان مصابا بالبدانة المفرطة ثم تجد كذلك شخصا واحدا من كل 7 من السكان يعاني من سوء التغذية وحين طلب من دانييل اراب موي التعقيب على هذه الظاهرة اكتفى بالصمت.
الصفحات: 390 صفحات (متوسط)
الكتاب: نهاية الغذاء
تأليف: بول روبرتس
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: هوتون مفلن كومباني، نيويورك 2008