بعد استعراض رؤية المؤلفين بشأن بعض التهم الزائفة التي يوجهها الغرب للإسلام والمسلمين وتفنيد هذه الاتهامات بناءً على استطلاعات الرأي التي أجراها معهد جالوب.
وهو معهد غربي مشهود له بالثقة، وكذا تأكيدهما على وجود أسس عديدة للتوافق بين الإسلام والديمقراطية ما ينفي التهمة التي يحاول الكثيرون في الغرب الإشارة إليها بشأن أسباب غياب الديمقراطية في العالم الإسلامي، ينقلنا المؤلفان إلى الجانب الأكثر جدلاً في موضوعهما وهو التطرف. في إطار تناولهما لهذا الموضوع يشير المؤلفان إلى أنه على الرغم من تواصل الحرب ضد الإرهاب العالمي منذ ما يزيد على ستة أعوام، فإن ما يحلو للبعض وصفه بالتطرف والعنف لا يزالان يتناميان. وفي هذا الصدد تعم الهجمات أرجاء العالم من شمال إفريقيا إلى جنوب شرق آسيا، ومن الدار البيضاء إلى مدريد ولندن واسطنبول والرياض مروراً بجاكرتا وبالي، وهو ما يستدعي، حسب الكتاب، البحث في الأسباب الحقيقية وراء ذلك من دون الاكتفاء بالإجابات المقولبة والتي تتمثل في أن الإسلام والمسلمين وراء تلك التطورات.
من يتحدث باسم الإسلام؟ (3) في معرض مناقشة قضية التطرف وفي مجال الإلقاء بالمسؤولية على أتباع بن لادن، يقول المؤلفان ان هؤلاء الذين يمثلون تنظيم القاعدة حولوا الجهاد الذي كان قد اكتسب تأييداً شعبياً خلال ممارسته في أفغانستان ضد الاحتلال السوفييتي إلى ما يجري وصفه بحرب قوامها التفجيرات الانتحارية واحتجاز الرهائن وإرهاب واسع القاعدة. ويشير المؤلفان إلى بعض المظاهر التي تعزز من مناخ سوء الفهم بين العالمين الإسلامي والغرب، فيذكران في ذلك انتشار ظاهرة «الإسلاموفوبيا» بحدة في أوروبا وأميركا، وفي الوقت ذاته بروز بعض مظاهر معاداة أميركا في العالمين العربي والإسلامي. ويعزز هذا المناخ من سوء الفهم المتبادل أجواء توتر العلاقات بين الجانبين. وعلى ذلك فإنه فيما يصدم الغرب ويستثار بالهجمات الإرهابية والتفجيرات الانتحارية في العراق وفلسطين وأفغانستان وباكستان، فإن العالم الإسلامي يعاني من صدمة غزو العراق واحتلاله وانتهاكات أبوغريب وغوانتانامو وصور القتلى المدنيين والدمار نتيجة غزو إسرائيل لغزة وجنوب لبنان.
وسط هذه الظروف تتحدث الولايات المتحدة وأوروبا عن حرب الأفكار التي يجب أن يكون هدفها كسب قلوب المسلمين وعقولهم. وهنا يتحفظ المؤلفان فيشيران إلى أنه قبل تحقيق هذه الغاية لا بد من التغلب على عدد من التحديات. ففي هذا المناخ المتردي التي تبدو فيه صيحة صدام الحضارات أكثر حتمية، فإن الحاجة إلى دبلوماسية عامة أكثر إلحاحاً منها الآن، كما أن توفير بيانات صحيحة عن هؤلاء الذين يراد إقناعهم يفوق الدبلوماسية أهمية.
في محاولة لتفصيل موقفيهما يستدعي المؤلفان رؤية وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت ماكنمارا، والتي يذهب من خلالها إلى أنه يؤمن الآن بأن إخفاق الولايات المتحدة في فيتنام كان أمراً حتمياً لأنها لم تكن تعرف شيئاً عن أعدائها الفيتناميين الشماليين. لم تعرف الولايات المتحدة ما يفكر فيه عدوها أو ما يريده، ما جعلها لا تنظر إلى الحرب سوى من منطلقات جيو سياسية عريضة فقط، جزء من نظرية الدومينو، والمتمثلة في الصراع في أنحاء العالم من أجل منع انتشار الشيوعية مثلما تدار الحرب الحالية على أنها حرب ضد الإرهاب الكوكبي والتي يرى بعض المسلمين انها حرب ضد الإسلام.
وعلى ذلك يركز الكتاب على أنه فيما يواصل العالم مواجهة الإرهاب الدولي، يبقى من الأمور الأساسية تفحص الآخر عن كثب وتفهمه. والمقصود بالآخر هنا غالبية المسلمين المعتدلين الذين يشكلون التيار الرئيسي والأقلية المتشددة من المتصلين بالتطرف والإرهاب أو الذين من المحتمل أن يصبحوا هكذا.
هنا ينتقد الكتاب الربط بين التطرف والفقر، وهو الربط الذي كشفت عن زيفه هجمات سبتمبر التي غيرت كثيراً من الصورة النمطية عمن يعتبر متطرفاً بالمعايير الغربية.
حيث انه ووفقاً للتقارير الإعلامية كان لكثير من خاطفي الطائرات خلال أحداث سبتمبر سلوكيات لا يمارسها المتدينون المسلمون فكان عدد منهم يتعاطى الكحوليات بشراهة ويرتادون النوادي الليلية ولم يتخرج غالبيتهم في المدارس الدينية لكن من مدارس وجامعات خاصة وحكومية، ومن ذلك مثلاً أن عمر شيخ المولود في بريطانيا والذي أدين وحكم عليه بالإعدام لخطف دانييل بيرل مراسل «وول ستريت جورنال» وقتله تلقى تعليمه في مدارس بريطانية نخبوية خاصة من بينها مدرسة لندن للاقتصاد.
ومن خلال استطلاع معهد جالوب يفند المؤلفان الكثير من التصورات التقليدية في الغرب ومن ذلك مثلاً كون الراديكاليين سياسياً عاطلين أو يائسين فيذكران أن البطالة والمكانة الوظيفية لا تميز المتشددين عن المعتدلين. وحسب استطلاعات الرأي فإن نسبة كبيرة ممن يتم تصنيفهم في خانة المتشددين تقول انها راضية عن أوضاعها المالية ومستوى معيشتها ونوع حياتها.
ومواصلاً المنهج ذاته، يفند الكتاب الحديث عن الربط بين الدين والإرهاب وأن ثمة علاقة تبادلية بين التدين الشخصي والآراء المتشددة فأغلبية كبيرة من هؤلاء الذين يعتنقون أفكاراً متشددة ومن يعتنقون أفكاراً معتدلة (94% و 90% على التوالي) تقول ان الدين جزء مهم من حياتهم اليومية وليس ثمة فرق يذكر بين المجموعتين في انتظام ذهابهم إلى المساجد.
ويخرج الكتاب من ذلك بالتأكيد على أن فحص الرابطة بين الدين والإرهاب يتطلب سياقاً أوسع وأكثر تعقيداً، فعلى مدار التاريخ ظلت ثمة روابط بين الدين والسياسة والمجتمعات فدائماً ما أستخدم القادة الدين واختطفوه من أجل تجنيد الأعضاء وتبرير الأفعال وتمجيد القتال والموت في المعارك التي يتم إضفاء صبغة دينية عليها.
وفي إطار التناول التفصيلي للمفاهيم التي يسود بشأنها فهم مغلوط في الغرب، يتطرق المؤلفان إلى مفهوم الجهاد، فيشيران إلى أنه لم يحدث أن استخدم لفظ على المستوى الشعبي ليرمز إلى العنف والإرهاب باسم الإسلام مثل الجهاد، وهو التعبير الذي يستخدم وينتهك على نطاق واسع.
فقد استخدم للمقاومة الأفغانية ضد الاحتلال السوفييتي، ومنذ ذلك الوقت ظل يستخدم في جميع النضالات الإسلامية للمقاومة والتحرير وأيضاً في أعمال التشدد، حسب المؤلفين، في البوسنة وكوسوفو والشيشان وكشمير وغزة ولبنان وبالي.
وهنا يخلص المؤلفان إلى أنه إذا كانت للجهاد معاني متعددة، فإنه محكوم بشروط محددة، فهو لا يمكن أن يكون استباقياً ولابد أن ألا تعلنه سوى الدولة أو كيان ديني ولا يجوز أن يستهدف المدنيين.
ويذكران أنه بالنسبة للمسلمين فإن مفهوم الجهاد يتضمن الكرامة والتضحية في سبيل الآخرين ومن فإن استخدام لفظ الجهاد تبادلياً مع الإرهاب ليس استخدام غير دقيق فقط لكنه أيضاً مضلل.
ومن هذه النقطة ينقلنا المؤلفان إلى آفاق أرحب تشير إلى طبيعة استخدام الدين في عالمنا المعاصر ليس فقط على مستوى الإسلام وإنما على مستوى الديانات الأخرى، فيذكران أنه في العقود الحديثة أصبح الدين عاملاً مهماً في حروب التحرير والمقاومة وكذلك في الأعمال الإرهابية في جميع أنحاء العالم، الأمر الذي يمكن رؤيته في الصراع بين السيخ والهندوس بالهند، بين المسلمين بالبوسنة والكروات والكاثوليك والصرب الأرثوذكس، بين الميليشيات المسلمة والمسيحية والدرزية في الحرب الأهلية اللبنانية، بين المقاتلين الكاثوليك والبروتستانت في ايرلندا الشمالية، بين المسيحيين والمسلمين في نيجيريا، بين المنظمات الإسلامية بفلسطين والأصوليين اليهود.
حتى أعلى الصعيد الأميركي ذاته فإن غالبية الهجمات، على ما يذكر الكتاب، نفذتها مجموعات إرهابية مسيحية على مدى الأعوام الخمسة عشر الماضية، حيث قام النشطاء من الكاثوليك واللوثريين وأتباع الكنيسة المسيحانية بتفجير بارات المثليين جنسياً وإطلاق النار على من يقومون بإجراء عمليات الإجهاض أو قتلهم وتفجير مستوصفاتهم الطبية، كما كانت حركة سيادة المسيحيين البيض وراء الهجمات على المنتزه الأوليمبي بأطلانطا وحوادث أخرى كثيرة. واستخدم تيموثي ماكافي مفاهيم دينية لتبرير تفجير مبنى فيدرالي في أوكلاهوما سيتي وأياً كان الفرق بينها فقد غدت الأديان وسيلة لإضفاء الشرعية على الصراعات والحروب.
ثم يأخذنا الكتاب في جولة نقاشية حول ما يصفه بالإرهاب الانتحاري، فيشير إلى أن التفجيرات الانتحارية الآخذة في التزايد ظلت أكثر أشكال الإرهاب إثارة للجدل، وقد بدأ استخدامها منذ بدايات ثمانينات القرن العشرين كسلاح مقاومة استراتيجي رئيسي من قبل فئات من المتشددين المسلمين وكذلك نمور التاميل بسريلانكا، متسائلاً هل يشكل الدين الدافع الرئيسي لهذا النوع من الإرهاب؟
هنا يجيب المؤلفان قائلين ان الدراسات التي أجريت للغوص في أبعاد مثل هذه الأعمال، وبشكل خاص الهجمات الانتحارية التي نفذت من عام 1980 وحتى عام 2004 تكشف عن أن الاحتلال الأجنبي كان هو الدافع في كل حالة تقريباً.
ويستشهدان على ذلك بما ذهب إليه كتاب متخصص حول الموضوع يقرر أن الحقيقة المركزية هي أن هدف الغالبية الساحقة للهجمات الإرهابية الانتحارية ليس هو الدين بل الهدف الاستراتيجي الواضح: إجبار الدول المحتلة التي تعكس في الغالب نظاماً ديمقراطياً حديثاً على سحب قواتها العسكرية من الأراضي التي يعتبرها المهاجمون وطنهم.
كان لدى كل حملة انتحارية كبيرة من سريلانكا إلى الشيشان ومن كشمير إلى الضفة الغربية ولبنان ـ ما يربو على 95% من الهجمات ـ كان لديها كهدف رئيسي إجبار ما يرونه دولة محتلة على الانسحاب.
غير أنه وفيما يشير إلى محاولة تلمس أصول التهمة القائمة على لصق العمليات الانتحارية بالدين يشير الكتاب إلى أن الجماعات المقاومة سواء كانت دينية أو علمانية في مواجهتها للاحتلال أو ظلم واقع عليها تصوغ في أغلب الأحوال عملياتها في سياق ديني قوي لكسب المزيد من الشرعية على الأرض من قبل الجماهير.
ويشير الكتاب إلى أن مجموعة نمور التاميل الماركسية اللينينية والتي اتخذت التفجيرات الانتحارية تكتيكاً رئيسياً لها خاطبت الهوية التاميلية الهندوسية في صراعها ضد البوذيين السينهاليين في سريلانكا من أجل الحصول على الاستقلال.
كما أن منظمة حماس نشأت بهدف أساسي وهو مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لكنها تستخدم الدين، حسب الكتاب، لإضفاء الشرعية على وجودها وعلى هجماتها الإرهابية حسب وصف المؤلفين حتى أن كتائب شهداء الأقصى العلمانية مثلها مثل حماس استخدمت الدين لتبرير الهجمات الانتحارية واختارت الأقصى اسماً لها يعكس بعداً دينياً لها وتسمى هجماتها جهاداً وقتلاها مجاهدين أو شهداء، وعلى خلفية هذا الفهم فقد اتجه إرهابيون مثل خاطفي طائرات 11 سبتمبر الذين لم يكونوا ملتزمين إلى الدين فيما هم يواجهون الموت.
المؤلفان في سطور
ــ جون أسبوزيتو مفكر وباحث أميركي متخصص في دراسة تاريخ الإسلام والمسلمين، وهو من أصحاب الخبرة العميقة بحركات الإسلام السياسي المعاصرة في العالم وأسس في هذا الخصوص مركز التفاهم الإسلامي المسيحي في جامعة جورجتاون.
ــ يعد من أصحاب الرؤى المعتدلة لماهية العلاقة بين الإسلام والغرب ، ولعل هذا هو سبب تسميته «حامل راية الإسلام». أصدر من قبل أكثر من عشرة كتب في مجال تخصصه منها «التهديد الإسلامي خرافة أم حقيقة» وكتاب «الحرب غير المقدسة الإرهاب باسم الإسلام».
ــ أما داليا مجاهد المؤلفة المشاركة فهي باحثة أميركية عربية الأصل، وتدير مركز غالوب للدراسات الإسلامية وتعيش في واشنطن.
الصفحات: 204 صفحات (متوسط)
الكتاب: من يتحدث باسم الإسلام؟
الناشر: جالوب برس، نيويورك 2008
عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق