لعل أراضي السلطة الفلسطينية هي المنطقة الوحيدة تقريبا في الوطن العربي التي جرت فيها انتخابات حرة ونزيهة، ويحسب للفلسطينيين رغم ان لا دولة لهم شجاعتهم في اجراء الانتخابات تحت الرقابة الدولية ولعل حقيقة الوضع السياسي المر الذي وضعت السلطة الفلسطينية نفسها فيه (حكم ذاتي تحت الاحتلال) ساهم بشكل كبير في شفافية الانتخابات كما أن التعددية الحزبية التي انتقلت من الخارج الى الداخل كان لها دور ...
الساحة الفلسطينية تتصارع وتتصالح فيها قوى اليمين واليسار ، فتارة يضع اليسار يده في يد اليمين (الاسلامي) في مواجهة ليبراليين ذوي توجهات غربية يرفضها اليساري الملتزم، وتجرح عقيدة اليميني (الاسلامي). وتارة أخرى يضع اليساري يده في يد الليبرالي (الأميركي) حين يطل خطر حصر فلسطين في دائرة معينة يرفضها اليسار (الوطني) و(ليس الأممي) لانها تضر بمستقبل البلد الوليد، الذي لم تتشكل معالمه بعد وتفقده خصوصية الوطن الحلم الذي يملكه ابناؤه من كل الطوائف في نظر مناهضي هذه الفكرة على الاقل .
ولكن الاشكالية وقعت حين اتى التيار الاسلامي من بوابة الغرب الديمقراطية متآزرا مع يسار مختلف معه في كل شيء ومتفق معه فقط على ضرورة التغيير.
أتت حركة «حماس» في انتخابات حرة ونزيهة، وتحالفت معها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، رفضا للاستئثار بالحكم الذي مارسته السلطة خلال وبعد عهد (ابو عمار). ولو بقي الحال على ما هو عليه، وظلت «حماس» حركة مقاومة كما يطالبها البعض دون دخولها المعترك السياسي، مع ضعف قوى اليسار الفلسطيني، لتكرس الاستئثار بالسلطة ولوجد الفلسطينيون انفسهم بين رحى الاحتلال الاسرائيلي وسندان النخب الفلسطينية التي جاءت بعد اوسلو وحلمت بفلسطين ملكا مخلدا لهم ولأبنائهم.
ولكن، مجددا قدوم الحركة الاسلامية تحت ظل سلطة طالما اعتبرتها صنيعة أميركية اسرائيلية وضعها في مأزق لا تحسد عليه، فالتذاكي من نقد اوسلو الى التربح منها دفعها بالضرورة الى اسقاط أو «تأجيل» المقاومة مقابل السلطة، اما المقاومة من على كرسي السلطة فهو أمر خيالي بالتأكيد، خاصة في ظل وضع عربي واهن، وكانت نتيجته الواقع المرير الذي وجد مليون ونصف المليون فلسطيني انفسهم فيه.
اضافة الى مشروع وطني يتآكل، وحتى في سنوات الظلام الذي رافق الثورة الفلسطينية، من ايلول الأسود في الاردن وحروب المخيمات في لبنان كان هذا المشروع هو الأمل الذي يحيا عليه المحاصرون. وهو وصية كل شهيد يسقط تحت مصالح الأجندات العربية والاقليمية.. ليس الجوع فقط ما يحاصر غزة اليوم..
وليس الموتى فقط من لا يجدون قبرا يستر أجسادهم ، بل المشروع الوطني نفسه الذي يتمرجح بين فتح وحماس وبين اجندتين مختلفتين، على وشك الموت في هذا الصراع العبثي. الديمقراطية التي أتت بحماس هي ذاتها التي ستدفن المشروع الوطني.. وللحديث بقية.
أسماء المنصوري