يشكل انضمام، أو عدم انضمام، تركيا إلى الاتحاد الأوروبي أحد الأسئلة المطروحة للنقاش على الطرفين منذ سنوات طويلة. هذا في ظل غياب أي تحديد واضح من قبل أوروبا لحدودها الخارجية. لكن بانتظار البت في مسألة الانضمام، كان لهذا المنظور المستقبلي تأثيره الكبير على المسار الديمقراطي في تركيا وعلى التوازن الداخلي فيها.
مع ذلك لا يمثل التوجّه التركي نحو الانضمام لمسيرة التوحيد الأوروبي الخيار السياسي الوحيد أمام تركيا، بل هناك خيارات أخرى ، ليس أقلّها احتمالا إمكانية التحالف مع روسيا فيما يمكن أن يخدم المصالح المشتركة للطرفين خاصة في منطقة البحر الأسود، وخيار التوجه الآسيوي الإسلامي مع احتمال القطيعة مع أوروبا. بكل الحالات يبقى تحديد أوروبا لموقف واضح من حدودها في منطقة البوسفور ذا أهمية بالغة في الخيارات السياسية التركية المستقبلية. وهناك أيضا مسألة حدود أوروبا وعلاقتها مع تلك البلدان التي خرجت منذ فترة قريبة من إطار الاتحاد السوفييتي السابق، ولكن الاتحاد الأوروبي لم يفتح لها حتى الآن أبواب الانضمام إليه. وفي مقدمة هذه البلدان أوكرانيا وجورجيا، وفي درجة أبعد مولدا فيا وبيلاروسيا وأرمينيا وأذربيجان.
لا تزال مسيرة تركيا الطويلة نحو أوروبا التي بدأت قبل 25 سنة مترددة حتى الآن. ولا أحد يمكنه أن يتنبأ اليوم بما إذا كانت هذه المفاوضات الطويلة، والمعلّقة اليوم بسبب الرحلات الجوية إلى شمال قبرص، سوف تنتهي بانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. للتذكير كانت تركيا قد وجدت نفسها مبعدة من أوروبا بواسطة معاهدات وستفاليا، ثم جرى بعد ذلك ضمّها إلى الجوقة الأوروبية في مؤتمر باريس عام 1856 ليتم استبعادها من جديد أثناء معاهدة «سيفر» عام 1920. ودون الخوض في الحجج مع أو ضد انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي والتي يقدمها مؤيدو هذا الانضمام ومعارضوه، تشير المؤلفة أنه كما في حالة توسيع إطار الاتحاد الأوروبي أو قضية كوسوفو أو مسألة حدود روسيا، يبقى المُدان الأول في الحالة التركية هو غياب القرار، مع ما يترتب على هذا من عدم الدقّة والغموض والتشويش في المواقف.
هكذا احتفظت تركيا، منذ دخول قبرص إلى الاتحاد الأوروبي، بالرقابة على الجزء الشمالي من المدينة، من دون أن يثير ذلك غضب المفوضية الأوروبية في بروكسل. بالتالي تكون أوروبا قد ضمّت داخل حدودها جزءً من تركيا ذلك أن الاتحاد الأوروبي لم يعترف بتقسيم الجزيرة وقبل بضمّها رغم ذلك التقسيم. والجزء الذي تسيطر عليه تركيا هو إذن في أوروبا.
بالمقابل لا شك أن المنظور المفتوح أمام تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ساعد في تعزيز الديمقراطية على الصعيد الداخلي لتركيا. ومن موقف النفي الكامل لوجود الأقليات ولحقوقها في ظل السياسة التركية القديمة جرى نوع من الاعتراف «الخجول» بوجودها. وتشير المؤلفة هنا إلى أن السلطات التركية قد اعترفت أثناء مفاوضات أجرتها ?عندما كانت وزيرة لخارجية جورجيا- مع وزير الخارجية التركي آنذاك عبد الله غول، بوجود أقليّة جورجية وقبلت أن يقيم أبناؤها صلات مع الوطن الأم والمبادلات الثقافية واللغوية.
ما تؤكد عليه المؤلفة هو أن الأمور تتبدّل في تركيا بفضل المنظور الأوروبي. لكن كل أزمة في المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي وكل غموض في قرارات المفوضية الأوروبية يولّد آثارا سلبية. ثم إن مشاعر الظلم والازدراء التي يحس بها الأتراك تأتي من الإحساس أن أوروبا قد نسيت المساهمة الحيوية التي قدّمتها بلادهم كموقع متقدم للحلف الأطلسي المساهمة الحيوية التي قدّمتها بلادهم كموقع متقدم للحلف الأطلسي في الوقت الذي كان فيه الاتحاد السوفييتي السابق يمثّل التهديد الرئيسي للعالم الحر وللغرب. ثم إن الإحساس بعدم مشاركة تركيا اليوم في مكاسب «انتصار الغرب» على الشيوعية يغذي أيضا ما يعاني منه الأتراك من آلام ويزيد من مشاعر الحقد لديها.
ويزيد من هذه المشاعر أيضا الجرح المتجدد لمسألة المجزرة الأرمنية. ويحس الأتراك بالظلم ذلك على أساس أن الأمة التركية المعاصرة لا تعتبر نفسها قانونيا وأخلاقيا وريثة الأفعال التي قامت بها الإمبراطورية العثمانية. كما أن الروس اليوم لا يرون أنه يمكن مساءلتهم، كأمة، عن الشعوب التي تمّ تهجيرها وعن ملايين الأشخاص الذين اغتيلوا باسم الشيوعية والستالينية.
ويزيد من تلك المشاعر كذلك كون أن الحملة الموجّهة حيال الأتراك تبدو لهم أنها لا ترمي إلى المصالحة بمقدار ما ترمي إلى الثأر والإذلال. الاعتراف، نعم، لكن مقابل الصفح والغفران. وترى المؤلفة في هذا السياق أن دعما أوروبيا حقيقيا لأرمينيا، وللمصالحة التركية-الأرمنية هو أكثر فاعلية من اتخاذ مواقف قائمة قبل أي شيء على اعتبارات انتخابية في هذا البلد الأوروبي أو ذاك.
المطلوب، كما يتم التأكيد، هو دفع تركيا نحو الانفتاح وفتح حدودها مع أرمينيا ورفع الحصار الذي يعزلها. هذا حلٌ من أجل المستقبل وأكثر فعالية من العودة «غير البريئة» إلى ماضي لم يعد أحد اليوم يتحمّل مسؤوليته. وترى مؤلفة الكتاب في هذا السياق أنه، رغم الزيادة الكبيرة خلال السنوات العشر الأخيرة لظاهرة الحجاب في شوارع اسطنبول الأوروبية وزيادة عدد المساجد في ضواحي أنقرة الآسيوية، فإن تركيا تبقى البلد المسلم الذي يمتلك «الموديل» الأكثر أوروبية. ويتم التأكيد أنه «من المفارقة أن لا تهتم أوروبا أكثر بالمحافظة على هذا النموذج ، بل وتسعى إلى نشره (...). إنه مع ذلك «نموذج لا غنى عنه بالنسبة لمستقبل منطقة البلقان»، كما نقرأ.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى احتمال أن تواجه أوروبا بعد حين تحديا كبيرا، إذ ماذا ستفعل إذا تدخل الجيش، مثلما جرى أربع مرات في الماضي، ضد حكومة قد تُخرج تركيا من الطريق العلماني والمؤيد لأوروبا بعد أن انتهجته منذ فترة طويلة دون انقطاع؟ فهل ستختار أوروبا عندها الوفاء للمعايير الديمقراطية التي تدفعها لإدانة الاستيلاء على السلطة أم أنها ستدعم التوجه الأوروبي والعلمانية في تركيا؟
وأمام تركيا بدائل لخيار العلاقات مع أوروبا حصرا، إذ تستطيع التحالف مع روسيا واقتسام السيطرة على البحر الأسود معها مثلما كان الأمر في الأزمنة القديمة، وإيجاد سبيل تستطيع معه الدولتان اقتسام عائدات مرور الغاز والبترول القادمين من منطقة بحر قزوين. وقد تكون روسيا شريكا مريحا أكثر لتركيا من أوروبا، خاصة فيما يتعلق بعدم الإلحاح كثيرا على مسائل حقوق الإنسان والأقليات. وقد لوحظ أن مثل هذا التوجه السياسي التركي قد ظهرت بعض ملامحه عبر تعدد الزيارات والاتفاقات مع روسيا خلال عام 2006.
وهناك بديل آخر أكثر راديكالية بالنسبة لتركيا، ويكمن في اللجوء إلى خيار آسيوي وإسلامي بنفس الوقت يؤدي إلى القطيعة مع التطلّع الأوروبي. ومثل هذا التوجه موجود، ويجد الكثير من التسهيلات. وليس أقلها أن مسألة السيطرة على مصادر الطاقة قد تدفع للتقارب بين تركيا وإيران وبلدان آسيا الوسطى. ويمكن للعامل العقائدي أن يدفع تركيا، في ظل أجواء «صدام الحضارات»، في طريق القطيعة مع أوروبا. لكن مثل هذا السبيل متعلق إلى حد كبير بمسألة التوازن الداخلي في تركيا، كما تشرح المؤلفة.
بكل الحالات، تبقى الخيارات التركية مرتبطة إلى حد كبير بقدرة أوروبا على الخروج من حالة «الغموض» التي تلفّ مسألة تعرفيها ل(حدودها)، وينبغي عليها أن تقول بصراحة وحزم إذا كانت موافقة على دخول تركيا للاتحاد الأوروبي وتحديد المعايير والشروط بدقة. ويبقى السؤال معلّقا: متى وأين سوف يجري النقاش الكبير حول مستقبل هذه الحدود الأوروبية التي تمرّ من البوسفور؟
الجيران الآخرون الذين تصفهم المؤلفة ب«البلدان ذات الوضع الغامض»، أي تلك التي لم تعد تنتمي إلى المجال السوفييتي، فهذا المجال نفسه لم يعد موجودا. ولا تنتمي للاتحاد الأوروبي الذي لا يزال يغلق الأبواب أمام انضمامها إليه. وتتمثل خاصة في أوكرانيا ومولدا فيا وبيلاروسيا وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان.
هذه البلدان تصفها المؤلفة أيضا أنها ليست ديمقراطيات حقيقة و«ليست مجرّد أنظمة ما بعد توتاليتارية»، وهي تعاني من نزاعات موروثة من النظام السابق وتواجه «الصدمة» مع العولمة بعد خروجها مباشرة من الشيوعية واقتصادها «المخطّط»، باختصار هذه البلدان تصحّ عليها تسمية ال«بين بين»، وتتساءل المؤلفة من موقعها كمواطنة جورجية: «هل نحن ?أي البلدان الستة- أوروبيون أم لا»؟ وتجيب: «لم يجد أحد منّا أية إجابة عندما قرع باب المفوضية الأوروبية في بروكسل»،
وتُبدي المؤلفة شكوكها الكبيرة حيال أولئك الخبراء الغربيين، الذين يريدون أن يعلّموا هذه البلدان كيفية الخروج من الاشتراكية والانتقال إلى اقتصاد السوق. وذلك على خلفية شرحها أنه لم يكن هناك في أي يوم من الأيام اقتصاد اشتراكي وإنما فقط استبعاد الاقتصاد لصالح ما هو سياسي،وبالتالي لا أحد يعرف كيف سيتم الدخول إلى اقتصاد السوق، فكل بلد سيقوم بذلك «على طريقته» ولا يمكن «تعلّم» ذلك بدروس من الخارج.
لكن الأمر مختلف بالنسبة للديمقراطية التي تمثّل في جوهرها عملية «تعلّم» طويلة الأمد بالاعتماد على مؤسسات وأدوات مناسبة من صحافة ومحاكم وأحزاب ونقابات. وبالنسبة للبلدان المعنية التي خرجت حديثا من إطار الاتحاد السوفييتي السابق والواقعة عند بوابات أوروبا، يطرح الغموض الذي يحيط بالحدود الأوروبية الكثير من التساؤلات. هذا خاصة أن هذه البلدان تحتاج، في مواجهتها لروسيا باعتبارها القوّة الوصية السابقة، إلى «وزن مقابل» للوصول إلى «توازن جديد»،
ويتم التأكيد على أن أوكرانيا هي الأكثر «حساسية» في العلاقة مع أوروبا، فمن جهة كان يتم النظر إليها ك«جسد غريب» رغم أنها «أوروبية جغرافيا وتاريخيا» لكنها «تتكامل ثقافيا مع العالم الروسي»، ثم جاءت «الثورة البرتقالية» كي تثبت «أوروبية أوكرانيا» ورغبتها في التحرر نهائيا من المنظومة الروسية. لكن هذا لا يمنع اليوم واقع أن الاتحاد الأوروبي لا ينتهج اليوم أية سياسة يكون منها تعزيز الاستقرار في منطقة حاسمة بهذا القدر بالنسبة لأوروبا ولمرور مواد الطاقة وللعلاقة مع روسيا. كذلك يسود الغموض حول منظور احتمال انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي و«غموض» أكثر فيما يتعلق بانضمامها للحلف الأطلسي.
وبعد الإشارة إلى وجود نفس «الغموض» حيال مولدافيا، تشير المؤلفة إلى أن بيلاروسيا تشكل مسألة «حدودية» أخرى. ذلك أنها البلد الوحيد بين البلدان الستة الذي لا يبحث عن إلغاء حدوده مع الاتحاد الأوروبي ولكن مع روسيا. لكن تبقى جورجيا، هي البلد الذي أبدى «الاختيار الأكثر وضوحا» بين بلدان القوقاز الثلاثة، عما ينبغي أن تكون عليه حدوده غدا. إن الأعلام الأوروبية أمام المؤسسات الرسمية تدل على أن الحدود الأوروبية «تمر من هنا»، وتنقل المؤلفة عن رئيس وزراء جيورجيا الراحل زوراب جفانيا قوله أثناء دخول أوروبا إلى «المجلس الأوروبي»: «أنا جورجي، إذن أنا أوروبي»، وذلك على قاعدة أن مشاعر الانتماء لأوروبا لدى الجورجيين هي معطيً وليست تطلعا.
وتؤكد المؤلفة أن الحضور والنشاط الكبيرين للولايات المتحدة في جورجيا لم يطمسا انتماءها الأوروبي. وتشير إلى استطلاعات رأي عديدة أثبتت أن 80 بالمئة من الجورجيين يؤيدون انضمام بلادهم للحلف الأطلسي ولكن أكثر للاتحاد الأوروبي، رغم «الغياب الكامل لجهوده ومساهماته»،
وأرمينيا وأذربيجان بعيدتان عن أوروبا وتتمثل حدودهما الأساسية مع أوروبا في خطوط نقل النفط والغاز وفي السكك الحديدة وطرق المواصلات للعبور في الاتجاهين، غربا وشرقا.
الصفحات الأخيرة من الكتاب تشرح كيف أن الحدود تمثل شرطا لوجود سياسة خارجية لأي بلد أو لمجمل الاتحاد الأوروبي
الكاتبة في سطور
ــ سالومي زورابيشفيلي، مؤلفة هذا الكتاب هي دبلوماسية فرنسية، لكنها شغلت أيضا منصب وزيرة خارجية جورجيا، بحكم جنسيتها المزدوجة الفرنسية والجورجية، ما بين شهر مارس 2004 وحتى شهر أكتوبر 2005.
ــ تعيش المؤلفة بين باريس، العاصمة الفرنسية، وتبليسي، العاصمة الجورجية، وهي تمثّل بالنسبة للكثير من الجورجيين أملا سياسيا جديدا.
ــ سبق لها أن قدّمت في عام 2006 كتابا تضمّن شهادتها عن تجربتها السياسية، تحت عنوان: «امرأة من أجل بلدين»، صدر عن دار نشر «جراسيه» في باريس.
الصفحات: 294 (متوسط)
الكتاب: أوروبا وجراح الأمم
الناشر: بوران- باريس- 2008
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف