كان محمود درويش متميزاً بين شعراء وأدباء ومثقفي جيله من فلسطينيي الداخل. لكنه لم يكن وحيداً، برغم تميّزه. فقد كان معه وأقدم منه من الشعراء الشاعران توفيق زياد ومعين بسيسو، واميل حبيبي الكاتب والروائي، وتوفيق طوبي وصليبا خميس وحنا نقارة من القادة السياسيين، واميل توما المؤرخ.
وكان من شركائه في الشعر والسن تقريباً سميح القاسم وسالم جبران وآخرون في الداخل، وعز الدين المناصرة ومريد البرغوثي وكمال ناصر وآخرون في الشتات العربي خارج أرض فلسطين.
وكانت الصحف اللبنانية خصوصاً، والصحف العربية عموماً، تعنى بنشر ما كان يصلها من إبداعات شعراء المقاومة هؤلاء، ومن أدبائها. وربما كان الأديب الفلسطيني غسان كنفاني الذي كان يقيم في لبنان منذ زمن «النكبة» أول من اكتشف هؤلاء الأدباء والشعراء.
وصار ينشر نتاجهم في ملحق فلسطين الذي كان يصدر عن جريدة «المحرر» اللبنانية لصاحبها ورئيس تحريرها هشام أبو ظهر. ثم تحولت هذه الأعمال الأدبية إلى كتاب أصدره غسان كنفاني في أواخر الستينات بعنوان «أدب المقاومة». وفي الفترة ذاتها، في ديسمبر 1968، أصدرت مجلة «الطريق»، بإشراف حسين مروة ومحمد دكروب، عدداً خاصاً بأدب المقاومة، تضمن حديثاً شاملاً مع محمود درويش عن سيرته الشعرية.
وكان اسهامي في هذا العدد يتمثل بالافتتاحية المكرّسة لتقييم دور العمل الفدائي الفلسطيني، ودور المقاومة عموماً بالسلاح وبالسياسة وبالفكر وبالثقافة، كتعبير عن الارتقاء في الحركة الوطنية الفلسطينية في مرحلة ما بعد هزيمة حزيران.
كنا، في تلك الفترة، نقرأ شعر المقاومة القادم إلينا من فلسطين المحتلة، بعقلنا ووجداننا. وكنا نرى فيه وفي رموزه تعبيراً صادقاً عن وجعهم ووجعنا، وعن خيباتهم وخيباتنا، وكنا نرى فيه وفي رموزه أيضاً، تعبيراً صادقاً عن صمودهم وصمودنا، وعن أحلامهم وأحلامنا.
إلى المنفى
في أول السبعينات من القرن الماضي خرج محمود درويش من منفاه داخل وطنه إلى المنفى العربي، في القاهرة أولاً ثم في بيروت. وكانت بيروت، التي شكلت لديه الوطن الثاني، حتى لا أقول الوطن البديل. لكنها، كانت، بحق، خيمتهم، كما سماها محمود في إحدى روائعه: «بيروت خيمتنا».
في منفاه الأول، في وطنه المغتصب، ثم في منفاه العربي الكبير، كبر محمود درويش، كبر شاعراً وإنسانا ومكافحاً من أجل الحرية، وازداد شعره غنى، وارتقت أشكاله وصيغه ولغته ـ أو لغاته ـ الإبداعية. إذ صار محمود درويش في منفاه العربي، ثم في منفاه العالمي، أكثر جرأة وأكثر عمقاً في التعبير عن معاناته ومعاناة شعبه.
وتحولت كلماته الشعرية، حتى وهي تمعن في الرمز أحياناً، وتوشك ألا تصل إلى قارئها، كتلة من الفعل الكفاحي، أعطت للمقاومة الفلسطينية والعربية بعداً إنسانيا تجاوز بقوته كل الحدود، حدود الجغرافيا، وحدود الثقافة، وحدود الوعي السائد. وبانتقال محمود إلى العالم العربي انتقل الشعر العربي الحديث إلى مرحلة جديدة من تطوره.
وصار للتنافس في الإبداع بين الشعراء العرب المحدثين ميدان جديد عظيم يتمثل في القدرة على تصوير الواقع العربي في عريه، وفي القدرة على ابتداع وتقديم حلم جديد بتغيير هذا الواقع، وفي القدرة على التأثير في الناس المعنيين بالتغيير، وفي غمرة النضال من اجل تحقيق هذا التغيير.
لم أنقطع عن قراءة شعر محمود درويش منذ أن بدأ يكتب الشعر حتى اللحظة التي غادر فيها الحياة والإبداع. وأعترف، هنا، بأن بعض ما يكتبه محمود شعراً ونثراً ـ ومعظم نثره شعرـ برغم جمال لغته وصوره وأفكاره، لا يصل إليّ، وربما لا يصل إلى غيري، بفعل الإيغال في الرمز.
لكنني لم أسأله يوماً توضيح ما غمض عليّ أو تعذّر وصوله إلى فهمي من أفكاره ومعانيه وصوره ورموزه الشعرية. ولم أشغل نفسي فيما كان يرمي إليه الشاعر في ما يكتب ويفكر. لذلك فحين قرأت دواوين محمود الأخيرة، لم أتوقف عند العقد الغامضة في عدد من قصائدها. واكتفيت بقراءتها والاستمتاع بها إلى الحدود القصوى. لكن ديوان «جدارية» هزني حتى الأعماق.
إذ هو قرأ فيه تجربته الأولى في الموت، التجربة التي تحولت بعد بضعة أعوام إلى حقيقة، حين قرر، فيما يشبه الحدس، أنه ذاهب إلى حتفه، حتى وهو يبحث عن سبب للحياة من جديد.
في الجدارية
في جداريته ساقنا محمود معه، في هذيانه الشعري البليغ، إلى عالم آخر مدهش وغامض وملتبس، لم يكن له دور في اختيار زمان الدخول في هذا العالم المجهول، ولا في اختيار صورته وشروطه. جدارية محمود هذه هي واحدة من قمم شعره، وقمم الشعر العربي الحديث.
بدأت علاقة الصداقة بيني وبين محمود درويش منذ أن وطئت قدماه أرض لبنان، واستمرت حتى آخر عمره القصير. وكان آخر لقاء بيننا في ربيع عام 2007، حين قدم إلى بيروت ليوقع أحد دواوينه الجديدة، ووقع لي على نسخة منه بكلمة «إلى رفيق العمر». وكان محمود، بالنسبة إليّ، واحداً من أجمل رفاق عمري.
وكانت لصداقتنا ولرفقة العمر بيننا أسباب شخصية وإنسانية وسياسية وفكرية. لكن الأساس الأول لتلك الصداقة يتمثل بالعلاقة السابقة بشعره وبموقفه السياسي، الذي كان لصيقاً بموقعي السياسي.
ورغم أن موقفه السياسي الأول قد تبدل، بحدود معينة، بفعل المتغيرات التي كانت تحصل في حياته، وبفعل المتغيرات التي كانت تحصل في العالم العربي وفي العالم، إلا أن عمق علاقتي بشعره وبموقفه الوطني والإنساني، حصن هذه الصداقة من خطر التصدع في بعض اللحظات العاصفة.
ولعل تسامحي هذا يعود إلى أنني اكتشفت، منذ وقت مبكر، ازدواجية ما في شخصية محمود. واحدة من شخصيتيه ظلت ثابتة، في حين تعرضت الأخرى لتبدلات وتحولات.
الثابت من الشخصيتين هو شخصية الشاعر فيه، والمتبدل هو شخصية السياسي الباحث عن مكان له في الأحداث آمن، أو شبه آمن، وشخصية المفكر الحائر إزاء مرجعية فكرية لم تكن قادرة، في ظل التراجع الذي قاد التجربة الاشتراكية إلى الانهيار، على أن تعيد إليه حالة الاطمئنان السابقة.
وعلى هذا الأساس من تحديدي لهاتين الشخصيتين، قررت أن علاقتي الأساسية بمحمود إنما هي مع شخصية الشاعر فيه بكل امتداداتها، مضافاً إليها الجانب الإنساني في تلك العلاقة، الجانب الذي ظل يمتد في الزمن حتى نهايته. أقول ذلك لأنني كثيراً ما اختلفت مع محمود في فترة ما بعد الخروج من بيروت، حين كنا نلتقي في باريس ونتبادل الأحاديث حول ما كان يجري في لبنان وفي فلسطين وفي العالم العربي، وحول ما كان يجري في الحركة الشيوعية وفي الحركة الوطنية في البلدان العربية.
وما أقوله، هنا، ليس تكراراً لفكرة سابقة، بل شرحاً وتوضيحاً لهذه الفكرة، منعاً لسوء الفهم، وتجاوزاً لاحتمال وقوع التباسات. إلا أن محمود حين بلغه عن لساني ما أقوله عن تحولاته السياسية، وحين كنت أتحدث معه بشأنها، توجه إليُّ بالسؤال التالي، مباشرة وعبر الوسطاء: وأنت يا كريم ألم تتغير؟ ألم تؤثر فيك سيرة حياتك السياسية والفكرية والشخصية، وتحولات العصر في بلداننا وفي العالم؟
وأعترف بأن محمود كان على حق في ما ساقه من أسئلة تخص تجربتي وتحولاتي. ذلك أنه لم يكن يومذاك قد قرأ ما كنت قد دونته في بعض كتبي من إشارات إلى التحولات التي كانت تجري في أفكاري، وفي مسيرة حياتي فيما تبقى لي من عمر. وحين اطلع على تلك الكتابات اعتذر.
كانت مجلة «شؤون فلسطينية»، التي كان محمود يرأس تحريرها في السبعينات من القرن الماضي، من أفضل ما كان يصدر من مجلات فلسطينية،وكنت ممن ساهموا في الكتابة فيها طوال تلك الفترة. إلا أن مجلة «لكرمل» التي أصدرها محمود وهو في باريس، اختلفت من حيث طبيعتها ووظيفتها. فقد كانت أدبية بالمعنى الكامل للكلمة، رفيعة المستوى، غنية بالمواضيع وبالقضايا وبالأقلام العربية والأجنبية.
إلا أن الإصدار الثاني لهذه المجلة، بعد العودة إلى الوطن، اختلف من حيث الاهتمامات، ومن حيث المستوى والأهمية عن الإصدار الأول. وكان الاختلاف أمراً طبيعياً. إذ كانت الظروف اختلفت اختلافاً جذرياً بين المرحلتين الزمنيتين فلسطينياً وعربياً، واختلفت ظروف محمود الشخصية والسياسية، واختلفت اهتمامات الكتّاب والقراء، في شكل عام.
لقاءات كثيفة
كانت لقاءاتنا خلال فترة السبعينات كثيفة.. وكانت تجري في منزل محمود، وفي منزلي، وفي منازل أصدقاء آخرين، وكانت لتلك اللقاءات نكهة خاصة، إذ كانت تجمع بين الثقافة والسياسة وبين متعة اللقاء بين أصدقاء مختلفين في الأمزجة والهواجس والأفكار، ومتفقين على روح الصداقة. ولم تلبث نقاشاتنا أن أنتجت اتفاقاً مبدئياً على اللقاء من اجل البحث في آليات تشكيل جبهة ثقافية عربية للمقاومة، مقاومة كل مفاعيل تلك الحقبة.
وكان الموعد المحدد لذلك اللقاء في الرابع من شهر يونيو من عام 1982. وتم تحديد منزلي مكاناً لذلك اللقاء، وكان محمود درويش أول القادمين. ثم جاء حسين مروة ومهدي عامل ومحمد دكروب وفيصل دراج وفواز طرابلسي وياسر عبد ربه ومعين بسيسو، وقبل أن يكتمل النصاب فاجأتنا الطائرات الإسرائيلية بغاراتها على المدينة الرياضية في العاصمة بيروت، غير بعيد من المكان الذي يقع فيه منزلي. ولم نكن نتوقع أن ذلك الحدث كان سيصبح في التاريخ المعاصر اليوم الأول للغزو الإسرائيلي للبنان. فقررنا تأجيل اللقاء إلى اليوم التالي. لكن ذلك اليوم التالي لم يأتِ. وما زال ينتظر من يستدعيه!
إلا أن قصة محمود درويش مع الشعر ومع الإبداع فيه، وقصته مع قضية شعبه ووطنه فلسطين، وقصته مع الحياة، حياته وحياة شعبه وحياة العالم كافة، هي الملحمة التي نعرف، نحن أصدقاءه ومحبي شعره، متى بدأت ونعلن بصوت عال، حزننا على النهاية المبكرة التي وضعت حداً لها.
رحل محمود درويش مبكراً، لكن شخصيته المتعددة تبقى قوية الحضور، خالدة مدى الدهر، رحل كشاعر كبير، كواحد من أكبر شعراء عصره العربي، وكواحد من كبار شعراء العصر بعامة. وكأني به يكرر قصة «رامبو» في الشعر، وفي الرحيل المبكر، وفي الخلود.
إلا أن هذا المجد الكبير الذي بلغه محمود درويش لا يعطينا الحق بأن نؤلهه، ونغيب، بفعل هذه التأليه، العيوب الإنسانية فيه. فهو كان إنساناً حقيقياً، مثل سائر الناس. كان إنساناً بمشاعره، وبأحلامه، وبهواجسه، وبعواطفه، وبالسمات والصفات البشرية التي تخصه.
وفي صفاته وسماته، وفي سلوكه الشخصي، ما هو إيجابي، في تقييمنا العام له، وما هو سلبي، ومن حقه علينا أن نرى فيه هذه الجوانب كلها، وأعرف، كما يعرف آخرون، أن محمود كان يحب ويكره، مثلما يفعل جميع البشر، كان، أسوة بكل الشعراء، نرجسياً. لكنه كان يجهد بعدم إعلان نرجسيته.
وكان حريصاً على عدم السعي إلى التعريف بذاته، أو البحث عن المجد، أو الجري وراء الجوائز العالمية، وكان المجد يأتي إليه من تلقاء ذاته. وكذلك الجوائز.
محمود درويش هو عمارة شعرية شاهقة. ورمز حقيقي لقضية شعبه الفلسطيني. ولعل مأساة شعبه، في الأعوام الأخيرة التي عاشها، كانت واحدة من الأسباب التي أرهقت قلبه، إلى الحد الذي قادته، في شكل متسرع، وقبل الأوان الطبيعي، إلى التوقف عن الخفقات.
رحل محمود درويش وبقي شعره خالداً. وبقيت، مع شعره، قضيته تعاني. وللمعاناة مهل محددة، فإما إلى الشفاء، وإما إلى ما لا تحمد عقباه.
قراءة في عوالم محمود درويش
كان محمود درويش، في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، لا يزال في بداياته الصاعدة كشاعر. وكان قد سبقه إلى المكانة الأولى في كتابة الشعر الفلسطيني الحديث توفيق زياد.
وكان قد سبق الشعراء الجدد جميعهم جيل مهم من الشعراء والأدباء، كان من أهمهم ـ حسب معرفتي ـ إبراهيم طوقان ، ثم فيما بعد عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) وفدوى طوقان. لكن محمود درويش سرعان ما صار، الشاعر الذي دخل إلى قلوب وعقول الكثيرين في دنيا العرب.
على أن محمود، في تعريفي له بعد عدة سنوات من متابعتي لمسيرته الشعرية، هو شاعر بالولادة. ويقول هو، في التعريف بسيرته الشعرية، انه حين تصدى لكتابة الشعر لم يكن قد تجاوز الخامسة عشرة من عمره.
وهكذا فإن علاقته بالشعر وبالأدب عموماً، وعلاقته بالسياسة وبالكفاح من أجل قضية وطنه، تزيد عن نصف قرن. الأمر الذي يشير بوضوح إلى أن موهبته الشعرية قد ولدت معه، وان ظروف ولادته ونشأته قد صقلت هذه الموهبة، وأعدتها منذ وقت مبكر، لكي تتطور في أرقى الأشكال والمضامين، مع مرور الزمن وتكاثر وتعاظم المحن.
في أواسط الستينات من القرن الماضي، وخصوصاً في المرحلة التي أعقبت تلك هزيمة يونيو 1967 ، برزت في الأراضي الفلسطينية التي اغتصبتها إسرائيل ظاهرة الأدب الفلسطيني المقاوم. وكان الشعر سيد الساحة. وكان الشعراء اليساريون عموماً، والشيوعيون خصوصاً، أبطال هذا الشعر وسادة تلك الساحة.
وصار ينظر إليهم أشقاؤهم العرب خارج فلسطين، بعد أن اكتشفوهم واعترفوا بهم، نظرة مختلفة عن تلك النظرة التي سادت في المرحلة السابقة على قيام الثورة الفلسطينية الجديدة.
كريم مروة